"يا وطني شكراً"

تم نشره في الخميس 30 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

 

كأنه يوم أمس، رغم مضي ثلاثة عقود عليه، يوم نلت شرف الخدمة الحكومية، بنفس تملأها الرغبة والأمل. ثلاثون عاماً ونيف، اختزلتها بطرفة عين، وأنا أخـط حروف طلب الراحة من الخدمة العامة، هي شخصياً سيرة عمر، ولكنها أيضاًَ حكاية وطن، قلما نلتفت إليها ونحن نطوي السنين، من دون أن ندرك ونحن نقرأ كتاب الوطن، أن ثمة إنجازا كبيرا قد تحقق، لا يراه الجاحدون وإن كثرت شواهده.

نبدأ الوظيفة العامة، نعد الأيام والشهور، ولكن بأبصار تشخص نحو غدٍ واعد بالخير، كنت أعرف منذ بدأت، أن الماضي حاضر صنعه آخرون، وأن المستقبل مسؤولية وأمانة، تقع على عاتقنا نحن الذين بدأ يومنا، بعد أن أفل نجم آخرين، سبقونا بالخدمة، وأثروا معارفنا بالخبرة والقدرة وحكمة الزمن.

آثرت فضيلة الاستماع لهم، وتعلمت منهم، أن العمل صنو الولاء، وأن للوطن دينا في الأعناق، لا يقل عن دين الآباء على الأبناء، كنا نشكو من بعض ما فيه أحياناً، ولكننا بالتأكيد كنا أيضاً نحبه.

تعودنـا نحن الموظفين العامين، أن نختتم الوظيفة العامة، أو تُختتم لنا، بطرفة عين، إلاّ أن مشهد البدايات، يبقى ماثلاً، وأقرب إلينا من حبل الوريد، ومن لم يسعفه العمر منا، معاصرة الإنجاز على الأرض، قرأ ما كتبه الآخرون في دفتر الوطن.

ذاك يوم أُحب أن أتذكره دائماً، يوم استقر الحلم قبل نحو ستة عقود، في قلوب المحبين المخلصين له، أولئك الآباء الأولين، الذين لم يعرفوا له، إلا هوية واحدة، لا تقبل القسمة على أحد.

يومها كنا يافعين، أو على مقاعد الدرس، نقهر الجهل بنيل المعرفة، وفي النفس أسئلة الوطن الكبيرة، يوم كنا نحاول أن ننتصر بالعلم على شح الموارد، ونختزل الزمن لتحقيق الذات، من دون أن ندرك أن الزمـن يمضي بنا، يتقدم فينا العمر، فيما يكبر الوطن، ويعلو بنيانه، هذا الوطن، الذي شاء حظه، أن يقع على خاصرة للأمة، يكتنفها ألم كبير، يقوده سيد، يزهو به المكان، له عين على الدار وقلبٌ على الجوار.   

كنا نعرف ذلك ونجحد. سّيد لم يستسلم لفقر المكان، ونحن لم نستسلم معه أيضاً، جنود أردنيون متسلحون بغنى النفس، متكئون على الفطنة والإرادة، عاقدو العزم على تحدي الصعاب، يعتمر بعضنا الكوفية، ويجهد آخرون في مسرح الحياة، تحسبهم قلة، ولكنهم أولو بأس شديد، صنعوا منذ نيل الاستقلال وحتى العهد الجديد، معجزة أردنية، لا يراها إلاّ أولو الأبصار.

ركبت سفينة الإعلام، وتجولت في أرجائها، واقتربت كثيراً من الربان، وابتعدت قليلاً، قادها بعضهم إلى بر الآمان، وكثيراً ما تقاذفتها الأمواج في بحر –كما قال أحدهم– بلا شطآن.

الكل كان يعرف هوية السفينة ومقصدها، ولكنهم جميعاً ابطأوا سيرها، لأسباب ما أزال أجهلها، وحين داهمتهم، أبجديات العولمة، أخذتهم كل عناصر الدهشة والمفاجأة، بل أخذت بعضهم أيضاً العزة بالإثم، وانسلّت من بين أيديهم أفكار عقود مضت، تبين لهم أنها لم تعد تصلح للحاضر، وأن إنقاذ السفينة، لا يمكن أن يحصل إلا بإصلاحها.

صدر التوجيه، ومضت عليه سنون عدة، والمركب راسٍ في مكانه، ينتظر من يحركه، ومن ملك الشجاعة لدفعه الى عرض البحر، نالت منه الضواري وأثخنته بالجراح، وبقي المركب ثابتاً على حاله بين مد ٍ وجزر، ساهمت مثل الآخرين، بما وسعتني الخبرة في هذا الحقل، برفـده ببعض الأفكار بهدف إصلاحه، وحـاولت أن تكون إصلاحات

"أوتوماتيكية" عصرية شاملة، كما يراها ويتطلع إليها صاحب الشأن، فتبين لي أن الإصلاح المنشود لدى البعض، هو "يدوي" وحسب القطعة فقط، ومع ذلك فهي بالنسبة لي تجربة تعلمت منها الشيء الكثير، ولما أزال أتعلم.

جميل أن يختزل الموظف العام الوظيفة بأقل الكلام، وبعض الإنجاز، ولكن الأجمل أن يغادر الخدمة بنفس راضية قانعة، موقنة بأن الوطن وقائده يستحقان منا الحب والخدمة والولاء، وأنه حين يغادر موقعه، يعرف أنه يفسح المجال لأردني آخر، يكمل المشوار نحو الحلم الذي نريد، في وطن أكرمنا جميعاً بانتمائنا له، لأقول له يا وطني ما أحلى الكتابة عنك، يا وطني لقد أكرمتني، يا وطني شكراً.

*الرئيس السابق لهيئة المرئي والمسموع.

التعليق