محمد أبو رمان

الإخوان المسلمون في أخطر منعرج تاريخي: استحقاق "الهوية السياسية" يُخيِّم على الجماعة

تم نشره في الأربعاء 29 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

 

تبدو جماعة الإخوان المسلمين اليوم، بالفعل، على مفترق طرق حقيقي، ليس من زاوية علاقتها بالدولة، وإن كانت قد شهدت تراجعاً عن الانفتاح خلال الفترة الأخيرة وتنذر بالعودة إلى "مربع الأزمات"، بل من زاوية "الأزمة الداخلية"، التي تكاد تعصف بوحدة الجماعة ومستقبلها بصورة حقيقية، إذا لم يصل "طرفا الخلاف" جناحا "الحمائم والوسط" و"الصقور والتيار الرابع" إلى حل جذري يعيد تعريف هوية الجماعة وصيغة علاقتها بحركة المقاومة الإسلامية حماس.

لم تشهد جماعة الإخوان على الرغم من حالات الانشقاق السابقة، بخاصة بعد عام 1997، مثل الأزمة الحالية، فهي لا تنذر بخروج مجموعة مغاضبة، كما كانت الحال سابقاً، إنّما بانشطار طولي داخل الجماعة.

فبالإضافة إلى الاستقالات الجديدة في المكتب التنفيذي للجبهة، هنالك استقالة نائب المراقب العام د. عبد الحميد القضاة، والذي يرفض التراجع عنها، رغم الوساطات الهائلة، مع التذكير باستقالة الأعضاء الثلاثة الآخرين في المكتب التنفيذي للجماعة، والتي ما تزال "وديعة" لدى رئيس مجلس الشورى د. عبد اللطيف عربيات.

يأتي ذلك في وقت تعكف فيه الدولة على تحويل ملف جمعية المركز الإسلامي إلى المحكمة، بتهم الفساد، التي تضم قرابة خمسة وعشرين اسماً، من بينهم رموز تيار الصقور وقيادات في "التيار الرابع".

هذه التطورات تسخّن جلستي شورى الجماعة والجبهة المقبلتين، وتجعل منهما جلستين مصيريتين في تاريخ الجماعة، إن لم يتم تأجيلهما، كما حدث في مرات سابقة، وإن كان هذا مستبعداً لاستحقاق إجراء انتخابات "المكاتب الإدارية" في الخليج، والذي تم تأجيله إلى حين حسم الخلاف مع جماعة إخوان الأردن.

ثمة موضوعان يغطسان وراء هذه الأزمة البنيوية، الأول موضوع "الازدواجية التنظيمية"، إذ لا توجد إلى الآن صيغة لحسم الخلاف حول هذه المشكلة في تمثيل "المكاتب الإدارية" الإخوانية في الخارج، وتحديداً في أربع دول خليجية (السعودية، قطر، الإمارات، الكويت).

فهذه المكاتب انضمت إلى تنظيم إخوان الأردن عام 1978، بعد حصول الاندماج بين التنظيمين، وفي السنوات الأخيرة تم تقليص نسبتها في شورى الإخوان بسبب إعادة تقسيم تنظيم الإخوان إلى اثنين (أردني)، فلسطيني (ممثلاً بحماس)، وتمّ التعويض عن تلك النسبة بمحافظات أردنية.

بعد الانتخابات المبكرة الأخيرة لشورى الإخوان، تحولت الأغلبية للتيار المقرب من حماس والصقور، ما دفع بهذا التيار إلى السعي لاستعادة مقاعد هذه المكاتب في شورى الإخوان، بواقع إثني عشر مقعداً، وهو ما يعني، إذا تمّ حدوثه، اختلال كبير في التوازنات في مجلس الشورى لمصلحة التيار الرابع، "المقرب من حركة حماس" على حد توصيف مصادر إخوانية، وتراجع كبير لجناح "الوسط والحمائم"، إلى مرحلة تؤثر على وجوده مستقبلاً بصورة كبيرة.

المفارقة أنّه في الوقت الذي يطالب فيه "التيار المقرب من حماس" بإعادة تمثيل تلك المكاتب في شورى الإخوان، فإنّ المكتب السياسي لحركة حماس يطالب باثني عشر مقعداً لتلك المكاتب نفسها، في مجلس شورى حماس، الذي يتشكل من الضفة الغربية وغزة والخارج، وقد أخذ صيغة دولية مختلفة بعد قرار حركة حماس، قبل شهور عديدة، تشكيل تنظيم خاص بالإخوان المسلمين الفلسطينيين والانفصال عن إخوان الأردن رسمياً، وقد أبقت الحركة مقاعد تلك المكاتب الإدارية في الخليج شاغرة، ولم تجرِ فيها انتخابات شورى حماس، إلى حين حل الخلاف مع "إخوان الأردن".

تمثيل المكاتب الإدارية في كل من شورى الإخوان وشورى حماس يعني الوقوع مباشرة في فخ "الازدواجية التنظيمية"، ما يتعارض مع النظام الأساسي للإخوان في الأردن، ودستور التنظيم العالمي لجماعة الإخوان، فضلاً أنه يؤكد الرواية الرسمية للحكومة بهيمنة حماس على إخوان الأردن وبنفوذها التنظيمي الكبير في الداخل، ويمثل عصباً حساساً في الاجتماع السياسي الأردني.

التخوف الحقيقي لا يكمن فقط في مسألة الأوزان السياسية داخل "شورى الإخوان"، بل يطال بصورة بنيوية سؤال الهوية السياسية للجماعة، فإذا حدث التمثيل الجديد للمكاتب، وتغلّب "نفوذ حماس بصورة واضحة"، كما تخشى شخصيات مقربة من "الإخوان"؛ فإنّ ذلك يُدخل الجماعة في مرحلة جديدة من الاعتبارات السياسية تتجاوز تماماً خصوصيتها التاريخية باعتبارها "صمام أمان" للوحدة الوطنية وتقديمها اعتبارات المصلحة الوطنية والأمن الأردني في محظات تاريخية حساسة على الاعتبارات الأخرى.

الفك الآخر لكماشة "الأزمة الداخلية" يتمثل في "التوتر الكبير" داخل جبهة العمل الإسلامي بين الأمين العام زكي بني ارشيد والمكتب التنفيذي الذي يمثل جناح "الحمائم والوسط"، وقد بلغ مرحلة متطورة مؤخراً باستقالة أربعة أعضاء من المكتب التنفيذي للحزب.

قضية إقالة بني ارشيد، الذي من المفترض ان تنتهي ولايته بعد ثمانية أشهر، تمّ ترحيلها مرات عديدة، وشُكلت لجنة توافقية منحت الطرفين مهلة إلى نهاية عام 2008، وإلاّ فسيُحلُّ المكتب التنفيذي ويتم اختيار مكتب وأمين عام جديدين. ويحتج جناح الحمائم بهذا الاتفاق، الذي لم يُطبَّق في المطالبة بإدراج مسألة اختيار أمين عام جديد للجبهة من قبل شورى الإخوان في الجلسة المقبلة.

جلسة شورى الإخوان ستسبق شورى الجبهة، ويبدو أنّ جناح "الحمائم والوسط" مصر على رفض "ازدواجية التنطيم". أما إذا مضى الجناح الآخر في قضية تمثيل "المكاتب الإدارية"، فإنّ أعضاء الحمائم والوسط يلوّحون بالاستقالة من الشورى والمكتب التنفيذي للجماعة، بحسب ما تكشف مصادر مقرّبة من الجماعة، ما يعني الوصول إلى "أزمة وجودية" حقيقية غير مسبوقة في تاريخ الجماعة.

على الطرف الآخر، من المفروض أن يسميّ مجلس شورى الجماعة اسمين ليتم اختيار أحدهما أميناً عاماً جديداً لحزب جبهة العمل، خلفاً لبني ارشيد. وإذا لم يتم ذلك، فإنّ جلسة شورى الجبهة ستفصل في مسألة بقاء المكتب التنفيذي وبني ارشيد بعد الاستقالات التي وقعت والمتوقعة، حيث تختل شرعية المكتب بوضوح.

ليس من المجدي إنكار "الأزمة الإخوانية" العاصفة اليوم، فهذا موضوع يتجاوز اعتبارات الجماعة، وله استحقاقاته السياسية الوطنية الكبرى، والأمل الحقيقي أن تتجاوز نخب الجماعة اليوم البحث عن "حلول توفيقية" أو "الهروب إلى أمام" بتأجيل استحقاقات الأسئلة الحيوية، كما حدث سابقاً. فاللحظة الراهنة تعكس، بامتياز، سؤال الهوية السياسية لدى جماعة الإخوان، وهو ما يرتبط بصيغة العلاقة مع حركة حماس؛ هل هي علاقة أخوية تحالفية بين تنظيمين أم علاقة تبعية وازدواجية وتداخل.

في "الصيغة الأخوية" من العلاقة ستحافظ الجماعة على طابعها الأردني، وعلى "أرضية صلبة" يمكن التفاهم عليها مع مؤسسات الدولة والشرائح الاجتماعية والقوى السياسية الأخرى، ولن تقف الجماعة على أرض مهزوزة وترتبك بين انتماءين وهويتين، كما حصل مع فصائل وأحزاب أخرى سابقاً. وعنوان ذلك استقلالية القيادة والتنظيم والأجندة الوطنية، وربما "نظام أساسي" جديد يؤكد على هذه الهوية، بعد انفصال حماس رسمياً عن الجماعة.

في الصيغة الأخرى، فإنّ تحولات عميقة ستصيب، على المدى القريب، "هوية الجماعة" وستضرب على وتر حساس، ليس فقط داخل الجماعة بل حتى في المعادلة الاجتماعية. وعنوان ذلك استقالة جناح "الحمائم والوسط" من عضوية الهيئات القيادية، وما قد يلحقه ذلك شقوق أوسع في الجسد التنظيمي.

جماعة الإخوان كانت، وما تزال، مشروعاً وطنياً إسلامياً، أثبت خلال العقود السابقة نضجه وحكمته، ما يدفع بالأجنحة المختلفة الى الانتقال من الرهانات الحالية الضيقة للأزمة الداخلية إلى الفضاء العام الذي يبرز فيه دور الحركة الإصلاحي الأصيل.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق