"وداعاً يزن": أطفالنا مع ثالوث الجوع والحرمان والظلم

تم نشره في الأحد 26 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

مرة أخرى يعود الزميل موفق كمال في تقريره "الاستثنائي" (في "الغد"، الجمعة) إلى التأكيد، ضمناً، على ضرورة إبقاء ملف "مقتل" الطفل يزن، ابن الخمس سنوات، مفتوحاً، ويطرح الأسئلة الصارخة علينا جميعاً.

التقرير يرسم صورة متكاملة، تشهد لها صورٌ فوتوغرافية، لحياة يزن البائسة المرعبة، القصيرة، التي تغيب عنها أبسط شروط الحياة الطبيعية، على بعد كيلو مترات من جسر عبدون المعلّق، ومقاهي ومطاعم عمّان الغربية و(فلاّتها) الفاخرة!

في تفاصيل الصورة، منزل مقفر، تحتل الرطوبة مساحات واسعة منه، وللعفن الكلمة الفصل، لا يرى الشمس ولا تراه، بينما كان يزن يحتفظ في ركن بائس في المنزل بـ"فرس خشبي" متهالك، يستنطق فيه "طفلنا" ما يمكن من زوايا طفولته الدفينة! أمّا أخوه فمساره اليومي نحو وسط البلد لأداء وظيفة محزنة، بدلاً من حافلة المدرسة، وربما بلا مدرسة أيضاً!

ودّع يزن حياته، بعد مسلسل معاناة وتعذيب، لكن هنالك آلاف الأطفال الأردنيين ما يزالون في أسر المعاناة وضياع الحقوق، ونحن نشيح البصر عنهم، حكومة وإعلاماً ومثقفين نتساجل في "دم الذبابة بينما دم الحسين مُراق". أمّا مؤسسات مجتمع مدني فمشغول أغلبها بتحقيق الأرباح السريعة الخرافية.

هل أبالغ بخطورة "الأزمة"، كما سيتنطّع بعضهم بالقول؟!..

كم منّا يصطدم بهؤلاء الأطفال "يسيحون" حول الإشارات الضوئية، يبيعون الفتات، ليسدوا رمقهم، تحت لهيب شمس الصيف الحارقة، ونحن مع أطفالنا في السيارات المكيّفة؟!

وكم منّا يتهرّب من فتيات صغيرات على أبواب المقاهي والمطاعم الدافئة، والبرد القارس يأكل من أطرافهن، ليساعدن أسرهن المعوزة؟ فهل توقف بعضكم، قليلاً، ليستمع إلى بعضٍ من تلك الحكايات، على ألسنة أطفالٍ صغار يعرفون تماماً معنى الجوع والبرد والظلم؟!

من يعملون، حقّاً، في المجال الخيري- الإنساني يدركون مدى انتشار الفقر في مجتمعنا. شخصياً لي تجربة قصيرة سابقة، ما تزال فيها صورة لقرابة سبعة أطفال لحظة الإفطار في رمضان تلاحقني، وهم يجتمعون حول طبقٍ شبه خاوٍ إلاّ من قطعة بائسة من الطعام، ما زلت إلى اليوم أحاول التعرّف على ملامحها بذاكرتي، فلا أستطيع.

ثمة جريمة ترتكب بالقفز عن معاناة هؤلاء الأطفال.

لا أريد أن أكرر، هنا، مسؤولية "البرنامج الاقتصادي" الذي أطاح بقسط كبير من الطبقة الوسطى، وخلّف وراءه شريحة واسعة تكابد الحرمان الاجتماعي والعجز عن ملاحقة شروط الحياة الكريمة، من دون أن يوازن المعنيون بين مخرجاته والتوازن الاجتماعي المطلوب، ما أدّى بدوره إلى تراجع ملموس للقيم الخُلُقية والاجتماعية.

هؤلاء الأطفال هم، أيضاً، ضحية غياب أدوار المجتمع المدني الحقيقية وعجز المؤسسات الاجتماعية وضعف السياسات والاهتمامات الرسمية عن حماية حقوق الطفولة في بناء بيئة آمنة صحية، تؤمّن لهم رعايةً واهتماماً إنسانياً يجنّبهم معاناة لا يستحقونها، وتضمن تربية سليمة، لا تخلق منهم مستقبلاً جيلاً حانقاً منحرفاً!

قصة "مقتل يزن" تدفع اليوم إلى التفكير جدِّيّاً وسريعاً في بناء "منظومة متكاملة" من العمل المجتمعي والخيري والإنساني والنقابي، بشراكة حكومية ومدنية وأهلية، تستند إلى "قاعدة متينة" دقيقة من البيانات، وتوزيع الأدوار والمهمات، وتحديد المسؤوليات.

مهمتنا الأولى، اليوم، في إعلان الحرب على غوائل الحرمان والجوع وجيوب الفقر، وتوفير الموارد اللازمة، والوصول لهؤلاء الأطفال في أسرهم وكذلك في بناء مؤسسات رعاية صحية حيوية متكاملة لمن يفتقدون الحياة الأسرية المقبولة، كما كانت حال يزن، الذي قتله الإهمال الرسمي والمجتمعي لهذا الملف الخطر والحساس والمؤلم في ثنايا حياتنا اليومية.

يزن، لن ننساك، فقد أوغلت في قلوبنا جرحاً آخر، يضاعف شعورنا بالعار الذي يظللنا لتقصيرنا بحق "المسحوقين" من "إخواننا في الوطن"!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اطفال دمرت احلامهم ؟؟لماذا (نوران ملكاوي -7 سنوات)

    الأحد 26 نيسان / أبريل 2009.
    عمو محمد... أسئلة كثيرة تتبادر إلى ذهني وانا اراهم كل يوم عند الإشارات الضوئية...لا بل في كل مكان.. اطفال لا يزالون على حالهم متسولين... وباعة متجولين... في الطرقات التي قتلت أحلامهم...واطفال يموتون اهمالا .. واطفال ذهبوا ضحايا العنف والتعذيب والضرب.. وأطفال ذهبوا ضحايا لحوادث سير ... أطفال وجدو أنفسهم أمام واقع صعب..لماذا ؟؟


    اتساءل؟؟ وأنا الطفلة المليئة بالاحلام... الأطفال الذين أراهم يوميا ...عندما يمشون شوارع عمان... بملابسهم المقطعة... والممزقة... كل صباح يبحثون عن شخص يعطف عليهم...الاطفال الذين تعرضوا للضرب والتعذيب.. بينما غيرهم... تحملهم سيارات آبائهم إلى المدارس ...ويعيشون برفاه..
    صورتان امام عيني... طفل ضائع... حزين... مشرد...معذب .. لا مستقبل له... وآخر ناجح... يجد كل ما يطلبه ويتمناه... ووراء كل منهم قصة... بل قصص كثيرة...تؤثر فينا أحياناً... إلا أننا ننساها... بمجرد عودتنا إلى بيوتنا...
    لماذا عمو محمد ؟ اين حقوق الطفل؟ "التي تمكنه من التمتع بطفولة سعيدة ينعم فيها...ويكون محمي من جميع الجهات و لديه الحقوق التي تامن له حياة سعيده". اين هي ؟؟
    انا طفلة مثلهم لماذا لا يكونو مثلي
  • »الأمن الاجتماعي (محمود خداش)

    الأحد 26 نيسان / أبريل 2009.
    إنه الأمن الأجتماعي الذي ينهار يا استاذ محمد ابورمان ، واكثر ما أخشاه أن المسوؤلين فعلا حكومة وإعلاما ومثقفين كما قلت يا استاذ يشيحون البصر
  • »مسؤوليه الحاكم والمحكوم ..... (محمد البطاينة)

    الأحد 26 نيسان / أبريل 2009.
    لن اسارع بالقاء اللوم على حكوماتنا التي تنفق الاموال التي تجمعها من الناس وتشاركهم في كل انشطتهم الاقتصاديه و غير الاقتصاديه لدرجه ان احدهم قال انك اذا سكنت بيتك لمده حوالي 40 عاما فانك تدفع ثمنه للحكومه بطريقه او باخرى او كأنك تجلس بالايجار. تجمع هذه الاموال وتنفقها على رواتب الموظفين ( الهزيله) وبنى تحتيه ولكن هناك نسبه فاقد عاليه في الفساد والحفلات ومصاريف الترف التي كان الاولى توجيهها نحو المعوزين من ابناء المجتمع ... عموما الذنب ليش ذنب الجهاز الحكومي الكبير والمترهل فهو يحتاج لمن يساعده ... ولكن ايضا هناك خلل بنيوي في التربيه ( الفرديه) التي نربي اولادنا عليها في المدارس وننسى ان نستقي قيمنا الاسلاميه العظيمة في التكافل . وننسى اسسا عظيمة ونتجاهلها كمجتمع وكمؤسسات كنظام الزكاه الذي اصبح كانه نظام صدقات ونظام الوقف الذي اهمل تماما مع انه باب واسع للخير ... هناك حلول عديده يجب ان نبادر لها كافراد ومواطنين في بلد واحد .. اما ان يكون هم الفرد فينا جمع المال من حل ومن حرام وانفاقه في ما يحل وما يحرم فان النتيجة الطبيعية لهذا السلوك من هذا الانسان ان تغيب عنه مقاصد الخالق في استخلافه في الارض فيستغل الناس ويتاجر في كل شيء ولذا فلا عجب اذا ما اتسعت دائرة الفقر فليس النظام المالي وحده المسؤول بل طريقة تعاملنا مع بعضنا هي جانب مهم جدا يفضي الى نتائج مأساوية للاطراف الاضعف في المجتمع.... وسلامتكم
  • »أتعس من البروليتاريا (بلا اسم)

    الأحد 26 نيسان / أبريل 2009.
    ايام ماركس كانت هناك الطبقة الكادحة البروليتاريا فدافع عنها بما استطاع اما الان فقد افرز النظام الرأسمالي ما هو اتعس من البروليتاريا
  • »لا تنده ما في حدا .. (حمزة مازن تفاحة)

    الأحد 26 نيسان / أبريل 2009.
    سييدي ابو رمان المحترم اشكرك على طرحك الدائم لمثل هذه المقالات المهمة والطارئة ، ولكن الشي المهم هو هل ثمة صدى لمثل هذه الطلبات التي يتم طرحها في مختلف الوسائل الاعلامية؟.
    اكاد اجزم انه لن يكون ثمة اي تحرك لتصحيح الوضع ، فالمسألة ليست فقر او تشرد او عمل عند الاشارات ضوئية فقط ، المسألة اكبر واعمق من ذلك ، وبحاجة الى حل لكن من الجذور ..الا ان لسان حالنا يقول ما قالته صاحبة الصوت المخملِ فيروز ( لا تندهي ما في حدا)!!؟
  • »إسقاط الحق الشخصي (Bailasan)

    الأحد 26 نيسان / أبريل 2009.
    أكثر ما يستفز المرء في قضايا كهذه وغيرها من الاعتداء على براءة الطفولة، هو إسقاط الحق الشخصي!!
    والله لو كنت أما لطفل حدث معه شيء من هذا القبيل لقطعت المجرم الجلاد إربا ودققت عظمته ونثرته مع الريح، وما شفي غليلي.
    لست أدري ما هي تركيبة هؤلاء الآباء الذين يسقطون الحق الشخصي عن مجرم يعذب طفلا حتى الموت، أو يغتصبه، أو حتى يلمسه لمسا!!
    في كل قصة من هذه القصص التي يشيب لها الأطفال، يخرج علينا أب بلا ضمير وبلا كرامة ليتنازل عن الحق الشخصي، وبالتالي يخرج المجرم من القضية كما "الشعرة من العجين"، أو يقضي في أسوأ الأحوال عدة شهور أو سنة واحدة في السجن، ليخرج بعدها ويتابع سلسلة إجرامه بحق أطفال ليس لهم في الحياة سوى آبائهم الجهلة، اللاهثون وراء التكسب المادي، حتى لو كان الطفل سيدفع ثمن ذلك كله فيما بعد من أخلاقه ونفسيته وسويته الاجتماعية والحياتية برمتها، هذا إن لم يفقد حياته كلها على يد جلاد وضيع.
    لا بد أن تكون للقضاء وقفة جادة، يُمنع فيها إسقاط الحق الشخصي في مثل هذه القضايا، ويكون هذا الحق لصاحب الحق نفسه وليس لذويه، وإن كان صاحب الحق قاصرا فيكون للمحكمة وحدها الرأي الفصل في هذا الأمر، حتى يتأدب الآباء قبل المجرمين.
    أرجو منكم في جريدة الغد تسليط الضوء على هذا الأمر، لأنه بحد ذاته فاجعة، وأنا أتحدث بهذه المرارة لأن الأطفال أمانة في أعناقنا، لا يمكنهم التعبير عن مخاوفهم، أو البوح بما في أنفسهم، أو حتى الدفاع عن حقوقهم. وقد تجرعت كأس المرار هذا يوما في قريب لي، ولن أسامح أحدا ممن فرطوا بحياته ما حييت.
    حسبي الله ونعم الوكيل.