كسر شوكة الموت وأنار ظلمة القبر

تم نشره في الأحد 19 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

منذ الفي عام, وضع للبشرية "المثل الاعلى" بتعاليمه, وحياته, وتضحيته> والى اليوم لم تستطع البشرية ان تصل الى هذا "المثل" او تتخطاه.

مع انها منذ القدم تخطت فلسفة سقراط, وحطمت "قالب" تعاليم افلاطون, وتعدت حكمة بوذا.

لكن "المثل الاعلى" الذي وضعه يسوع الناصري, ما يزال يرتقي فوق الاجيال متسامياً. فلا هو بعيد عنها بُعد الخيال, ولا هو متدان منها الى حد الابتذال.

في عصره كانت الامة التي جاء منها مستعبدة لنير الرومان. فكان من المنتظر ان يحرض المسيح شعبه على قص جناحي النسر الروماني, لكنه فاجأهم بتعاليم خيبت كل انتظاراتهم, اذ قال: "لا تقاوموا الشر. بل من لطمك على خدك الايمن فحول له الآخر.. من سخرك ميلاً واحداً فامش معه اثنين.. احبوا اعداءكم باركوا لاعنيكم.. احسنوا الى مبغضيكم.. صلوا لاجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم".

وحين اراد ان يختار تلاميذه, ورسله, لم يخترهم من الاغنياء الفقراء, بل من الفقراء الاغنياء, ولا من الاقوياء الضعفاء, بل من الضعفاء الاقوياء, وفي اللحظات الاخيرة التي ودع فيها الارض كان وحيداً بكل ما تنطوي عليه الوحدة من معانٍ, فظن الناس انه بعد حين سيصبح نسياً منسياً. لكنه بعد قليل تحكم في التاريخ وامسك بقرون الزمن. لم يضع في حياته لبنة على لبنة ليبني لنفسه بيتاً, لكن افخم المباني مكرسة لسكناه. لم يكتب في حياته كتاباً, لكن جل الكتب تفيض بجليل ذكراه. لم يتزوج قط, لكن الازواج يستمدون السعادة من قلبه الطهور. لم يولد له ولد, لكن ملايين الاولاد يرقصون طرباً كلما ذكر اسمه, لم ينظم قصيدة واحدة, لكن قصائد نابغي الشعراء تقدم سكيباً عند قدميه. لم يرسم صوة في حياته, لكن جبابرة الفن والتصوير يتسابقون في تخصيص ابدع صورهم لذاته. ولد في عصر خاص, لكنه تخطى كل عصر, وسيطر على الزمن وصار علم التاريخ.

عاش في موطن خاص, لكنه اضحى ملكاً مشاعاً لكل وطن.

لم يحمل معه زاداً, لكنه صار "خبز الحياة".

لم يحمل معه مصباحاً, لكنه اضحى "نور العالم".

لم يحمل سيفاً ولا عصا, لكنه صار ملك القلوب.

لم ينظم نشيداً واحداً, لكن ابدع الالحان تنيد يوم ذكراه.

لم يعمّر على الارض الا جيلاً واحداً لكنه فتح باب الحياة امام كل جيل.

لم يبن لنفسه بيتاً, لكن افخر القصور مهيأة لسكناه.

لم يحفر لنفسه "عيناً" واحدة, لكن قلبه ينبوع عزاء لكل "عين" باكية وكل قلب كسر.

فقوته الظافرة مستمدة من محبته الغافرة.

هذا هو المسيح الوديع الجبار المتقدر.

لقد ظفر بالحياة, اذ دخلها من باب لم يسبقه اليه بشر.

وظفر بالدنيا, اذ عاش فيها عيشة سامية لم يشق له فيها اثر.

وظفر بالموت, اذ كسر شوكته وانار ظلمة القبر.

وظفر بالطبيعة, اذ اسكت العاصفة, وهدأ امواج البحر.

وانتصر على البشرية, فصاغ من النجس الشرير, قديساً تقياً.

وصنع من الجبان الرعديد, جباراً قوياً.

واقام من الشحيح المقتر, كريماً سخياً.

فليس بعظيم عليه, ان يزيح عن البشرية الغاشية, فيحطم سيوفها, ويدفع عنها مدافعها.. عندئذ تصير ارضنا نعيماً هنياً, فيهتف الكل قائلين بكرة وعشياً: المسيح قام حقا قام.

* الأمين العام لمجلس رؤساء الكنائس في الأردن

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كل عام وانتم بخير (محمد رياش)

    الأحد 19 نيسان / أبريل 2009.
    ينعاد عليكم بالصحة والعافية