في الشروط الثقافية والاجتماعية للديمقراطية

تم نشره في الأحد 19 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

 تطبيق الديمقراطية يتطلب شروطاً يجب توافرها مثل الوعي السياسي، المستوى التعليمي، وتطور مفهوم المواطنة بإطاره القانوني، والولاء للدولة كحاضنة للجميع

الديمقراطية لا يمكن أن تتواجد في كيان معزول خارج جسم الظروف التاريخية والوجود البشري، وإمكانياتها وحدودها تعتمد على البنى الاجتماعية القائمة وظاهر الوعي، فهي قيمة أو مجموعة قيم لابد من توافرها حتى ينتج عنها سلوك. إذن هي حالة ذهنية يجب أن تدرك وتستوعب مضامينها في العقل البشري كجزء من ثقافته العامة، فلا يمكن للسلوك الديمقراطي أن يكون من دون توفر القيم ذات الطابع الديمقراطي، فحالة التحول المطلوبة من إطار سلطوي إلى آخر ديمقراطي تحتاج لوعي، أو إدراك لجوهر ومضامين القيم الديمقراطية والتي هي متعلمة، ومكتسبة ولها علاقة بالخبرة والممارسة الإنسانية.

صحيح أن الديمقراطية مذهب فلسفي يعيد أصل السلطة السياسية إلى إرادة العامة "إرادة الشعب" لأنه مصدر السلطات، وتعود على شكل النظام السياسي إذ نميز بين نظام سلطوي وآخر ديمقراطي، لكن مقصدنا هنا الحديث عن مضامين الديمقراطية كقيم ثقافية واجتماعية، فالقيمة الأولى هي أن الفرد بحد ذاته قيمة، وحريته نقطة الانطلاق فلا يجوز تقييده أو تكبيله باسم السلطة ومن قبلها في مجالات الحياة وفضاءات السلطة، فهي أي الديمقراطية تروج لفكرة الحرية، وحق تقرير المصير، والاختيار، والاستقلال الذاتي المعنوي ومسؤولية الفرد عن اختياره، وحماية مصالحه والخبرات التي يشارك بها الآخرون، ناهيك عن احترام كرامة الإنسان كانسان بغض النظر عن عرقه أو دينه أو جنسه واحترام حرية الرأي والاعتقاد، والتعبير بكافة الإشكال وبقية الحريات كما هي الحقوق من مدنية وسياسية. الحقوق التي ولدت معنا والتي اكتسبت من وجود التنظيم السياسي الذي تطور مع تطور المجتمعات البشرية.

ولا ننسى أن من مضامين الديمقراطية مبدأ سيادة القانون كمعيار يتم التعامل به مع الجميع وهو ما يسمى المساواة أمام القانون والمساواة الأخلاقية الذاتية لكل الأفراد باختيار ما هو أفضل لذاته والمساواة السياسية بين المواطنين، والمساواة في توزيع عوائد الموارد والثروة.

التعددية السياسية والتي تعني التنوع بأشكاله المختلفة، الثقافة، الرأي، والفكر الذي ينظم من خلاله المجتمع متجها نحو مفهوم تداول السلطة السياسية والتي هي أهم مضامين الديمقراطية، يضاف إلى ذلك مضامين مثل: التسامح، والحياد القيمي، والعقلانية. وعلى الصعيد السياسي المعاصر، فإن الديمقراطية هي منهج حكم وليس عقيدة سياسية، وعندها نقول بالديمقراطية الدستورية وهي المقيدة بدستور يرسم معالم النظام السياسي وآليات الحكم التي تستند الى تكريس مبدأ سيادة الشعب من خلال المشاركة الفعّالة والمساواة في الاقتراع وشموليته على المستويات المحلية والوطنية كافة، وتطبيق مبدأ سيادة القانون، وفصل السلطات، وتداول السلطة ووجود حكومة يجب مساءلتها لتحقيق الرقابة السياسية، وضمان الحقوق والحريات العامة، وتحقيق مبدأ المساواة بأنواعه المختلفة.

أما مزايا الديمقراطية فهي تعمل على معاملة الجميع على قدم المساواة وتلبية احتياجات المواطنين استناداً لمطالبهم الجمعيّة، وتدفع باتجاه الحوار والإقناع والسعي للحلول الوسط وترسيخ السلم الاجتماعي، وكفالة وحماية حقوق الإنسان وحرياته وتدفع باتجاه تجديد قوة المجتمع من خلال عمليات التجنيد السياسي التي يؤدي لبروز قيادات منتخبة بنزاهة وبحرية، وعدالة فهي توفر القيادات السليمة والفاعلة.

إن تطبيق أو تعزيز الديمقراطية يتطلب شروطاً يجب توافرها مثل الوعي السياسي، المستوى التعليمي (التعليم)، وتطور مفهوم المواطنة بإطاره القانوني، والولاء للدولة كحاضنة للجميع ورمز يحترم ويضحى من أجله وانحسار الانتماءات الضيقة والتقليدية، وأهمية وجود طبقة متوسطة عريضة لأنها الأساس في التغيير والاستقرار، ووجود مؤسسات مجتمع مدني فاعلة مثل الأحزاب السياسية، والجمعيات والنقابات والاتحادات النوعية، يضاف لذلك مستوى معيشي جيد يستطيع الفرد من خلاله تلبية احتياجاته ومتطلباته الحياتية  فالخبز قبل الديمقراطية.

إن نجاح الديمقراطية يعتمد على توفر البيئة الاجتماعية الحاضنة لتلك المضامين القادرة على تنميتها وحمايتها والحفاظ عليها، وتوفر الشروط اللازمة لانطلاقها من خلال دور فاعل لوسائل التنشئة السياسية المختلفة لتصبح تلك القيم والمضامين جزءاً جوهرياً من الثقافة العامة والسياسية كنمط فرعي، فالديمقراطية لا تنمو بالشعارات بقدر ما تنمو من خلال زرع قيمها ومضامينها في العقل البشري لممارستها في الحياة العامة كمنهج عام.

التعليق