زليخة أبوريشة

الدين والتدين

تم نشره في الثلاثاء 14 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

الدينُ غير التديّن. فالتديّن تطبيقٌ، ولطالما كان التطبيق بعيداً عن نظرّيته. وما انهيار الاتحاد السوفياتي والمجموعة الاشتراكية إلا صورة من صور الخلل في ممارسة واحدة من أهم وأعظم الأفكار والنظريات التي تذهب إلى العدالة بين البشر وتحلم بها.

 ولما كان الدين -أي دين- إصلاحاً لأحوال البشر وللنفس الإنسانية، فإن التديّن ينبغي، ويفترض، أن يكون على ذلك القدر من الهمة في إصلاح الحال والنفس. فإذا خلا التدين من الإصلاح كان محضَ زيْفٍ ومحضَ ادّعاء وتدليس.

ولم يأتِ ايُّ دينٍ في أصل دعوته ليقول للناس أن يلبسوا كذا وأن لا يلبسوا كذا.. ولا ليدلهم إلى مظاهر وأعراض، بل ليمكثَ في دواخلهم، ويعيد سرد أخلاقهم، ويرقق شعورهم تجاه الانسان ونبتة الحياة والخير.

 ولذا، فإن التديّن الآخذ باللباس شعاراً لدينه، وبغيره من مظاهر الجسد، وبالطقوس التي جُعل أداؤها سبيلاً الى رهافة المعنى وطراوة الروح، من دون أن تؤدي إلى رهافة المعنى وطراوة الروح.. ليس هو التدين الذي طلبه الدين أصلاً.. ولا المسعى الذي ينتهي عنده.

 فالمتديّن الذي يعنّف عائلته ابتداءً من ضرب الزوجة ونزولاً إلى ضرب الأبناء والبنات... والمتدين الذي يجاهر بغلظة الطبع وفجاجة السلوك.. والمتديّن الذي لا يؤدي عمله بإتقان.. ولا يعُطي الوقت كاملاً له.. والمتديّن الذي يبصق في الشارع، ويرمي قمامته أينما كان.. والمتديّن الذي يؤذي الجار (بادعاء انه على غير دينه او على غير تدينه).. والمتدين الذي يدافع في الطريق والسواقة وفي الدور.. والمتدين الذي لا ينظر في نظافة جسده ولباسه ولسانه وعينه وقلبه.. والمتدين الذي لا يؤدي واجبه.. والمتدين الذي يطلق لحيةً ويطلق العنان للتلفاز أو المذياع ليلعلع بالمواعظ في حين أنه يغش في البيع والميزان..

هذا المتدين لا علاقة له بدينه الذي أمره -أول ما أمر- أن يذهب إلى الرحمة وإلى اللطف وإلى الحنان وإلى تهذيب النفس.. وإلى نبتة الخير التي في قلبه فيسقيها ويعتني بها ولا يطمرها بأكوامٍ من الشهوات وأصنام الافكار البليدة.. وعجائب التخلف. والشر المتخفّي.

 المتدين الذي يتطابق مع دينه الإصلاحي هو ذاك الذي ترى في صورته وفي فعله الخير.. وهو الذي يشعُّ من سلوكه نورٌ خاص.. وهو الذي له مع الجمال عَهْدٌ وميثاق.. وله مع الخير تلمذة وبنوّة.. المتدين الصالح هو ابن الحياة ومريدُها... الحياة الكريمة الجميلة الخيرة..

فانظر في نفسك وفي ثوبك وفي عملك وفي اخفى خفايا قلبك.. أين أنت..

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال جميل (مأمون)

    الأربعاء 15 نيسان / أبريل 2009.
    مقال جميل ...أجادت الكاتبة وصف واقع نعيش معظمه.
  • »تجربة شخصية؟؟؟ (خالد)

    الثلاثاء 14 نيسان / أبريل 2009.
    من قرائتي للمقال اعتقد ان الكاتبة تعبر عن تجربة شخصية مرت بها. وفي اعتقادي ان التجارب الشخصية لا يمكن ان تعمم.
    وشكرا
  • »اللباس الشرعي (غسان خطاب)

    الثلاثاء 14 نيسان / أبريل 2009.
    احسنت وجزاك الله خير فاالانسان التدين يجب ان يكون قدوه في كل شيء ويجب ان تترجم اقوالة الى افعال يراها الناس فتترك اثرا حسنا في نفوسهم ولكن لا يغني ذلك او يمنع ان تتوج هذة الاعمال والتصرفات الى الاتزام بما امر بة الشرع من الستر والعفة ولبس الجلباب وتغطية الراس التزاما بقولة تعالى " قل لنساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن" الى اخر الاية الكريمة حرصا من الخالق عز وجل على عفة وطهارة المراة ولصلاح المجتمع
  • »صدقتِ.. ولكن (فتاة)

    الثلاثاء 14 نيسان / أبريل 2009.
    صدقتِ عزيزتي..
    وما أبلغ من قوله عليه الصلاة والسلام: "أتدرون من المفلس ؟" قالوا:"المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع"، قال صلى الله عليه وسلم: "إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته من قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار"
    اللهم لا تجعلنا من المفلسين..

    ما ورد في مقالك عزيزتي جميل، لكنه لا يعني هذا أن الخلق دون تدين يؤدي إلى رضى الله.. فبعض الملحدين أيضاً على "خلق" بطريقتهم..!

    نسأل الله التقى والصراط المستقيم.. وأن نأتيه بقلب سليم :)
  • »كلام زين ومواعظ رائعة (البقعاوي)

    الثلاثاء 14 نيسان / أبريل 2009.
    مبروك للسيدة زليخة هذا التغير .. مقالتك هذه جميلة وفيها من المواعظ الكثير .. وأتمنى أن تطبقيها في حياتك وخصوصا " المتدين الذي يجاهر بغلظة الطبع وفجاجة السلوك لا تدين له"

    أتمنى لك التقدم إلى الأمام وكتابة ما هو مفيد .. فالحياة قصيرة جدا
  • »المتدين هو ذلك الأنسان الذي يفرض احترام الناس له من تصرفاته وأعماله الأنسانية (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الثلاثاء 14 نيسان / أبريل 2009.
    المتيدن هوالذي يحب ويحترم دينه ويحترم دين الأخرين ..هو ذلك الذي يجعل الناس ان يحترموه لأقواله ، وتصرفاته ، وأخلاقه ..هو ذلك الذي يأسرك بدماثته ، وبفرض عليك احترامه .هو ذلك الأنسان القليل الكلام والكثير بالأفعال التي ترضي نفسه ورب العالمين ..هو ذلك الجار الذي يدق باب جاره الذي يغايره دينا ، ويسأل عن احواله ، وماذا يمكن أن يقدمه لراحته ولخدمته .هو ذلك الذي يحسن العطاء دون أن ينتظر ان يعامل بالمثل ..هو ذلك الأنسان الذي يطلب من ربه ان يهبه ما يستحق لا اكثر ولا اقل ..هو ذلك الصائم بشهر رمضان دون أن يحمل ربه والأخرين جميلة أنه صائم..هو ذلك الذي يطبق شعائر دينه بحذافيها ، ولا يأخذ فقط ما يناسبه، لتلبية حاجاته ورغباته ونزواته .هو من يتمم واجبات دينة \دون زيادة ولا نقصان ..هوالذي يظهر معدنه عندما تحكه
  • »الأخت الكاتبة زليخة (Sumaia)

    الثلاثاء 14 نيسان / أبريل 2009.
    لقد لامستي واقع الحال، فقد أصبح الدين لدى الكثيرين عبارة عن حركات جسدية وتمتمات شفوية وإكراه للغير على بعض الأوامر الدينية، دون أن ترتقي بأخلاق وروح ذلك الشخص، فتراه يقوم بأقبح الأفعال من كذب وغش وخداع وقسوة في الطباع و و ، وفي النهاية يقف أولئك الأشخاص أنفسهم بين يدي الله للصلاة أو الدعاء، وبهذا يصبح تدينهم عبارة عن نفاق ومظهر خارجي ليس إلا.
  • »حديث (ابو همام)

    الثلاثاء 14 نيسان / أبريل 2009.
    فهل تعتقدين انك تطبقين مفاهيم الحضارة والرقي وان الغرب هو قمة الانسانية والحريات والديمقراطية, ارجوا ان تعودي الى تاريخ الامة الاسلامية ومفاهيم الاسلام وستجدين ان ديننا هو دين نظافة وامانة وسلوكيات ومعاملة ابتدائا من الجسد حتى المعاشرة الزوجية مرورا بالتربية واحترام الغير حتى لو لم يكن مسلما,