في الدفاع عن النظام المصرفي السويسري

تم نشره في السبت 11 نيسان / أبريل 2009. 03:00 صباحاً

 

 أعلن زعماء مجموعة العشرين أن "عصر السرية المصرفية قد انتهى"، وهددوا باتخاذ الإجراءات اللازمة ضد "الجهات غير المتعاونة، بما في ذلك ملاذات التهرب الضريبي". ولكن لا يجوز لأحد أن يضم سويسرا إلى هذه الفئة، ذلك أن الحكومة السويسرية عرضت بالفعل تحسين سبل التعاون الدولي من خلال تبني معايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقديم المساعدة الإدارية الدولية فيما يتصل بالقضايا الضريبية.

لكي نتمكن من تقدير الآثار المترتبة على هذا التوجه فمن الأهمية بمكان أن نتعرف أولاً على الخلفية التاريخية. إن البنوك السويسرية ملزمة بموجب القانون بتوفير درجة عالية من السرية في المعاملات المالية بينها وبين جميع عملائها السويسريين والأجانب على حد سواء. وأي مصرفي يكشف عن تفاصيل خاصة بشؤون أيٍ من عملائه لطرف ثالث غير مفوض فهو بذلك يرتكب جريمة يعاقب عليها جنائياً في سويسرا.

بيد أن هذه السرية بين البنك والعميل لم تكن قط مطلقة بنسبة 100%، والتشريع السويسري يوضح على نحو لا لبس فيه ما يشتمله بالحماية وما لا يقع ضمن نطاق حمايته. فهو على سبيل المثال لا يشكل أي عقبة على الإطلاق أمام التحقيقات الجنائية.

من بين سمات القانون السويسري أنه يميز بين التهرب الضريبي والاحتيال الضريبي. فهو على سبيل المثال يعتَبِر من يقدم تقريراً ضريبياً غير كامل متهرباً من الضرائب، ويتعامل معه من خلال الإجراءات الإدارية، بما في ذلك الغرامات المشددة إذا لزم الأمر.

وعلى هذا فإن التهرب الضريبي، رغم مزاعم بعض تقارير الإعلام الأجنبي، لا يُـعَد ممارسة قانونية في سويسرا؛ كل ما في الأمر أنه لا يشكل جريمة جنائية. وكل من يتبين أنه يتهرب بشكل غير قانوني من التزاماته الضريبية في سويسرا فهو يعرض نفسه لغرامات مالية باهظة.

أما الاحتيال الضريبي من جهة أخرى فهو يشتمل على تزوير المستندات، وعلى هذا فهو يشكل جريمة جنائية في نظر القانون السويسري.

وعلى المستوى الدولي فإن هذا يعني أن سويسرا كانت تعرض عادة تقديم المساعدة الدولية في القضايا الضريبية الجنائية التي تشتمل على عناصر من الاحتيال، ولكن هذا لا ينطبق على حالات التهرب الضريبي. وبالموافقة على تبني المعيار الخاص بتبادل المعلومات والذي تنص عليه المادة 26 من اتفاقية الضريبة النموذجية التي أقرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن سويسرا تكون بهذا ملزمة بتقديم المساعدة الإدارية لتغطية الجرائم الضريبية كافة، بما في ذلك التهرب الضريبي.

إن البلدان التي طبقت المادة 26 توافق على تبادل المعلومات بناءً على الطلب، وليس على كشف المعلومات تلقائياً. وهذا يعني أن الدولة التي تطلب المعلومات لابد وأن تتقدم بطلب مدعم بالأدلة والمستندات، تذكر فيه اسم الشخص الخاضع للضريبة والبنك المعني بالتحديد، أو وصف الشخص والبنك بما يكفي من التفاصيل. أما ما يطلق عليه "حملات الصيد" ـ أو الفحص العشوائي للحسابات المصرفية ـ فهو أمر محظور وغير وارد في سويسرا.

وعلى هذا فإن خصوصية العملاء غير المشتبه بهم سوف تظل خاضعة للحماية بموجب مبدأ السرية. ليس من المتصور أبداً أن يسمح مواطنو البلدان الديمقراطية لحكوماتهم باكتساب الحق التلقائي في الدخول عنوة إلى بيوتهم وتفتيشها استناداً إلى احتمال غير مؤكد بالعثور على مسروقات، فما الذي يجعلنا نتصور إذن أن الدولة قد يكون لها الحق التلقائي في الاطلاع عنوة على الحسابات المصرفية استناداً إلى احتمال ضعيف بالعثور على قِلة من المتهربين من الضرائب أو المجرمين؟

حين تلتزم سويسرا بأمر ما فإنها تقوم به بدقة وكفاءة وفي الوقت المناسب. وكان تنفيذ الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي بشأن فرض الضرائب على المدخرات مثالاً جيداً على هذا.

وأنا على ثقة من إظهار سويسرا لنفس القدر من الالتزام بمعيار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الذي سيتم دمجه في اتفاقيات الازدواج الضريبي الثنائية في المستقبل. وبعد هذا الالتزام فإن الانتقادات غير اللائقة لسويسرا ونظامها التشريعي، وكذلك العديد من التهديدات بوضع سويسرا على "القائمة السوداء"، لابد وأن تتوقف.

ولكنني لم أنته بعد من الحديث عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. إن هذه المنظمة عبارة عن مجموعة متعددة الجنسيات تتألف من ثلاثين دولة، ولقد تأسست منذ ما يقرب من النصف قرن، وكانت سويسرا من بين أعضائها منذ البداية. وهي ليست منظمة دولية، ولا تملك السلطة القانونية للتحدث باسم العالم أو تأسيس القواعد والمعايير لأي دولة باستثناء الدول الملتحقة بعضويتها، ولا شك أن عدم التحاق الصين بعضويتها يبين بوضوح أن سلطانها محدود. إن الاتفاقية المؤسِسة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تلزمها بمساعدة التوسع الاقتصادي السليم والإسهام في نمو التجارة العالمية على أساس تعددي وبلا تمييز.

إلا أن المعاملة التي لقيتها سويسرا من جانب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في الآونة الأخيرة كانت مشينة. ولم يكن أعداد تلك القائمة السوداء سراً ومن وراء ظهر بلد عضو في المنظمة بالأمر المقبول على الإطلاق، وأرى أن هذا من شأنه أن يضر إلى حد خطير بمصداقية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

في اعتقادي أنه كان من الأجدر بالمنظمة أن تعمل على إعداد قائمة بالبلدان التي دمرت أو أوقعت الضرر الشديد بعلاقة الثقة بينها وبين مواطنيها إلى الحد الذي جعلها غير قادرة على تأمين عائداتها من الضرائب إلا بتجريم التهرب الضريبي وسحق خصوصية الناس.

إن اتهام سويسرا بأنها ملاذ للمتهربين ضريبياً يأتي عادة من تلك البلدان التي تتمتع بمستوى هزيل من نزاهة دافعي الضرائب. أما الدولة السويسرية، على النقيض من ذلك، فتتمتع بعلاقة ممتازة بينها وبين دافعي الضرائب، وينعكس هذا في ارتفاع مستوى نزاهة وصدق دافعي الضرائب لديها. فالشعب السويسري يصوت لاختيار النظام الضريبي الذي يناسبه، ويتحكم بدرجة عالية في كيفية إنفاق العادات الضريبية، ويرى أن نظامه الضريبي عادل وشفاف وواضح.

يتعين على المنتقدين أن يدرسوا النموذج السويسري من منطلق رغبتهم في تحسين الأمور في بلدانهم. ومن الجدير بالذكر أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ذاتها لفتت الانتباه إلى الدليل السويسري للقواعد السلوكية للسلطات الضريبية ودافعي الضرائب والمستشارين الضريبيين باعتباره نموذجاً لكيفية تحسين ما أطلقت عليه "العلاقة المعززة بين دافعي الضرائب والهيئات الضريبية".

إن 99,99% من المتهربين من الضرائب على مستوى العالم ليس لديهم حسابات مصرفية في سويسرا، ولكن يبدو أن سويسرا تشكل هدفاً سهلاً. فالأمر لا يشتمل على مجازفة سياسية كبيرة ما دامت سويسرا لا تعبئ جماعات ضغط قوية في الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي؛ وباعتبارها محل ميلاد الأعمال المصرفية الخاصة فإن سويسرا تتمتع بقيمة رمزية هائلة؛ وريادتها في مجال الأعمال المصرفية الخاصة تجعل منها هدفاً للحسد والغيرة.

من الواضح أن سويسرا في هذه الأوقات الاقتصادية العصيبة تبدو ككبش فداء سهل، الأمر الذي يغري البلدان التي تعاني من مشاكل مالية بتفريغ إحباطها وخيبتها وتحويل انتباه مواطنيها عن النقائص التي تعيب أنظمتها الضريبية المعقدة العاجزة. ويتعين علينا أن ننظر إلى الهجوم على سويسرا وأن نحلله من هذا المنظور.

*رئيس جمعية المصرفيين السويسرية.

خاص بالغد بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت، 2009.

www.project-syndicate.org

التعليق