إبراهيم غرايبة

تحرير الدين من الاستبداد

تم نشره في الاثنين 6 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

نحتاج أولا (ولا بأس من تكرار القول في ذلك) إلى التمييز بين الإسلام باعتباره نصا دينيا مقدسا والتطبيق العملي للإسلام أو الخطاب الإسلامي، وفي المجال السياسي، فإن الخطاب الإسلامي هو عمليا "الفكر السياسي للمسلمين" وليس الفكر السياسي الإسلامي، هذه المقولة ضرورية جدا للمجتمعات والجماعات والدول حتى لا يعتقد أحد أن فهمه وممارسته للإسلام هما الإسلام نفسه، ومن ثم شرعنة الاستبداد وتكريسه باعتبار ذلك دينا وأمرا إلهيا.

فالمسلمون أنتجوا على مدار التاريخ فكرا سياسيا ونماذج في الحكم والإدارة تعددت في تطبيقاتها وقربها أو ابتعادها عن الإسلام وعن العدل والتقدم والتخلف والاستبداد، وكان "الإسلام" حاضرا فيها جميعا باعتباره مصدرا للفهم أو أداة لدعم الحالة القائمة، وتأثر المسلمون في ذلك بالبيئة الاجتماعية والفكرية التي تشكلت وبموجات الفلسفة والتصوف والفكر والنهضة التي هبت على العالم، وفي قيادتهم للعالم فترة طويلة من الزمن فقد أعطى المسلمون للحضارات وأخذوا منها، واقتبسوا من النماذج القائمة في السياسية والفكر والفلسفة وتأثروا بها وأضافوا إليها أيضا.

وهنا تكونت إشكالية معقدة يحتاج فهمها وتحليلها لرؤية مركبة ونسبية أيضا، ففي تطبيقهم للشريعة الإسلامية في الحكم والإدارة وسائر شؤون الحياة، لم يكن المسلمون في ذلك ينشئون "دولة إسلامية" ولكنها دولة تطبق الشريعة الإسلامية وكفى، فلا يعني تطبيق الأحكام المحددة والواضحة في الشريعة الإسلامية قيام دولة إسلامية، أو أنه يعني أن ثمة نماذج كثيرة جدا غير محدودة وغير معدودة للدولة الإسلامية، وكلها دول إسلامية، لا ينفي الإسلام عنها مخالفتها للإسلام (وقد يكون اعتبارها مخالفة فهم بشري للنصوص، وليس بالضرورة حكما نهائيا بالخروج عن الإسلام) ولا يجعلها إسلامية أنها تطبق أحكام الشريعة الإسلامية.

إن كان ثمة حكم فقهي محدد اسمه "الدولة الإسلامية"، فهو مصطلح جديد ناشئ، لم يعرفه التراث الفقهي الإسلامي، وإن شغل كثيرا وبمستويات مختلفة وطرائق متعددة ومتبانية في الحكم والسياسة، بل إن الحركة الإسلامية التي ألصق بها اليوم مفهوم "الدولة الإسلامية" باعتباره فكرتها الأساسية، لم يرد المصطلح في نصوصها التأسيسية والمرجعية، مثل القانون الأساسي لجماعة الإخوان المسلمين والذي أقر عام 1948 قبل وفاة حسن البنا مؤسس الجماعة، ولم يوضع أيضا في القانون الأساسي لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن.

أهمية هذه المقولة أن "الإسلامية" في النظام السياسي على الأقل هي حالة يملك أن يدعيها أي فرد أو جماعة أو دولة أو نظام سياسي، قد يكون بعضها أقرب من بعضها الآخر إلى جوهر الإسلام ومقاصده، ولكنها ليست حكما فقهيا محددا وملزما للمسلمين أو يمكن أن تدعيه دولة أو جماعة أو فئة من الناس، وتسعى في فرضه على الناس، أو تسويق نفسها على أساسه، أو تدعي بذلك شرعية تلزم الناس بها، وتصادر حقهم في الاختيار والمعارضة، أو تستند إليه في ادعاء الصواب والحق، بل إن البعض أفرادا وجماعات وحكومات استخدم هذا الشعور بالإسلامية ليبرر لنفسه الاعتداء والاستبداد وانتهاك الحرمات وارتكاب المحرمات، معززا جريمته بأسوأ منها، وهي فقدان الضمير والوازع الإنساني الذي كان على مدى التاريخ رادعا للناس عن الجرائم والمحرمات، وفقدان الشعور بالخطأ والندم بل والشعور بالصواب والارتياح أمام ارتكاب الأخطاء والمحرمات والجرائم، وهنا فإن التدين يصبح حالة خطيرة على الذات والمجتمعات والعدالة والحريات.

فالإسلام وإن كان نصا واحدا، فإنه متعدد في الفهم والتطبيق والتجارب على نحو يجعله موردا يتنافس الجميع على الاستفادة منه وتوظيفه، ولكن أحدا لا يملك أن يحتكره أو يدعي الحقيقة في فهمه واستيعابه وتطبيقه، أعتقد أن هذه الفكرة تمثل خطوة أساسية وأولى لتحرير الدين من الاستبداد والاستغلال.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الجاهليه ؟ (ابو السعود)

    الاثنين 6 نيسان / أبريل 2009.
    بادئا ذي بدء لا يوجد شيء اسمه الجاهليه فالقوم كانوا متنورين وعلى اخلاق عاليه وابحثوا في الكتب للتأكد
  • »الثقافة العربية !!! (yahya)

    الاثنين 6 نيسان / أبريل 2009.
    ردا على المعلق الاخ طلفاح :
    لا اعرف عن اي ثقافة عربية يتحدث..
    اعتقد ان هناك ثقافتين عربيتين الاولى قبل مجيء الاسلام
    والثانية بعد الاسلام .
    فالاولى كانت الثقافة العربية البدوية كما وصفها..تتلخص في ان القوي يحكم الضعيف ويأكل مال الضعيف..القبيلة الاقوى والاكثر عددا وعدة تغزو القبيلة الاقل عددا وعدة..لا انكر وجود صفات واخلاق عربية قبل الاسلام كانت حسنة وجميلة لذلك فالاسلام اقرها كالشجاعة واكرام الضيف ونصرة المظلوم لكن الثقافة السائدة كانت هي كما قال الشاعر الا لا يجهلن احد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا..
    وبعد مجئ الاسلام اقر كما قلت بعض الشمائل وهذب البعض وجاء ب منهاج حياة..
    فجاء بمبدأ الشورى والذي اخذ به النبي واصحابه من بعده.
    جاء اضافة الى العبادات ب تنظيم الحياة اقتصاديا ضمن مبادئ معروفة على رأسها تحريم الربا والغش والاحتكار والنجش..و..و..الخ
    جاء بمبادئ اجتماعية على رأسها اكرام المرأة واعطاءها الحقوق المسلوبةمن ميراث وعمل ونفقة و تعليم..الخ
    جاء بحسن المعاملة بين الناس ومن يعيشون معهم في دولتهم ..
    وغيرها من النظم التي يعرفها كل منصف وكل هذا مستمد من القران والسنة وفعل الصحابة العرب الذين استمدوا ثقافتهم اللاحقة من هذه المصادر التشريعية...
    وارجو منك اخي انت ايضا ان تراجع وثيقة المدينة او ما يسميه البعض الدستور...

    اضافة : اذا عارضت الثقافة العربية نصوصا قرانية او سنية فلا يلتفت اليها....
  • »الحل فصل الثقافة العربية عن الدين الاسلامي (محمد طلفاح)

    الاثنين 6 نيسان / أبريل 2009.
    سلام عليكم
    اتفق مع السيد ابراهيم غرايبة في كثير مما طرحه
    فالاسلام بالاساس هو دين جاء ليرشد الناس الى خالقهم ولم يكن في يوم من الايام حركة سياسية او مذهبية او اقتصادية او غيرها مما يطلقونها على الاسلام حاليا
    كل ما نسمعه الان هو عبارة عن الفكر البشري الذي طبقه بعض المسلمين في السابق، وللاسف قام الفقهاء بدمج ذاك التطبيق ودمج العادات والثقافة العربية في العصور السابقة في الدين.واصبح هناك لباس اسلامي ودولة اسلامية واقتصاد اسلامي واحتفال اسلامي ونشيد اسلامي..وغير ذلك من مظاهر الثقافة العربية القديمةالتي تم دمجها قصرا مع الاسلام
    --مثال للتوضيح..عندما توفي الرسول (ص) اراد المسلمون ان يحكموا انفسهم فبحثوا عن نظام معين فوجدوا المبايعه نظاما جيدا في عصرهم..ومن ثم غيروا رايهم واختاروا نظام الوصاية ..وبعد ذلك غيروا نظامهم الى ملكي وراثي...السؤال المطروح..ما علاقة كل هذا بالدين؟
    اي لماذا تحولت ثقافة العرب البدوية القديمة وكيفية اختيارهم لاسلوب حكمهم حسب ظروفهم الى دين لا بد من ان يتم الالتزام فيه ويثاب فاعله ويعاقب تاركه؟
    ..هنا المشكلة في تحويل كل مظاهر وعادات العرب القديمة التي فعلها المسلمون تبعا لعاداتهم العربية وثقافتهم المناسبة لعصورهم المختلفه الى دين ولم نستطع التمييز بين الدين وبين الثقافة العربية ومظاهرها
  • »اقرأ وثيقة المدينة (yahya)

    الاثنين 6 نيسان / أبريل 2009.
    قد يكون صحيحا ان مصطلح الدولة الاسلامية لم يكن موجودا لكن هذا لا يعني انه لم تكن هناك الدولة الاسلامية التي تتخذ من المنهج الاسلامي منهج حياة..
    ولا ادل على هذا من الوثيقة التي كتبها الرسول صلى الله عليه وسلم ابان وصوله الى المدينة..
    ومطلعها : هذا كتاب من محمد صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش واهل يثرب ..ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم انهم امة من دون الناس.....فماذا تعني برأيك انهم امة من دون الناس ....
    هذا من ناحية اما من ناحية اخرى فانه لا يوجد بعدغرافي او حدود لهذه الدولة وهو ركن من اركان الدول الحديثة فالدولة الاسلامية او المسلمون وظيفتهم ايصال هذه الدعوة ومبادئها الى الناس واقامة حكم الله فيهم ..لذلك قد يكون عدم وجود مصطلح الدولة لهذا السبب لان دولة الاسلام لا ينبغي ان تقف عند حدود معينة..
    علما ان الفقهاء السابقين كانوا يقسمون الدول الى دارين دار الحرب ودار الاسلام ..
    لذلك اخي اعتقد انه لا مشاحة في الاصطلاح سواء سميت دولة اسلامية او دولة يطلق عليها اسم القبيلة او المؤسس كما ورد في التاريخ الاسلامي ...المهم من يقوم على هذه الدولة عليه ان يطبق نظام الاسلام في جميع مناحي الحياة.