نظام عالمي جديد يتخلَّق

تم نشره في الأربعاء 1 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

وأخيراً... انتهى عهد بوش الصغير وإدارته الكارثية بكل المقاييس، أميركياً وعالمياً، وبدأت تباشير عهدٍ (بل وربما عصرٍ) جديدٍ آخر آتٍ، لا تحملها نسائِم القادم الأسمر إلى البيت الأبيض تحت يافطة "التغيير" بالذات، بقدر ما تحملها رياح نظام عالمي جديد، ما انفك يُنبئ بتحوّل عاصف في النفوذ وأنماط السلوك على المستوى الكوني.

فالعالم اليوم يمر بتغيير لموازين القوى يبدو واضحاً للعيان في انكفاء القوة الأميركية على نفسها تحت وطأة الأزمة المالية الحادة التي تعصف باقتصادها القومي، وتعثّر مشاريعها في كُلٍّ من أفغانستان والعراق. والأرجح أننا سنشهد خلال السنوات القليلة المقبلة المزيد من التخثّر والتآكل في سلطة النظام العالمي الراهن، وستظهر معالم نظام جديد آخر يعكس المتغيِّرات العميقة التي طرأت في العالم خلال نصف القرن الماضي، والتي جعلت النظام العالمي الأحادي الحالي يبدو عاقراً وعاجزاً عن حُكم العالم.

ورغم الأجواء القاتمة السائدة والتي تشهد تراجعاً واضحاً لقطب النظام العالمي الأعظم (الولايات المتحدة) اقتصادياً وسياسياً، إلا أن العالم، وعلى النقيض من حالة القائد الأميركي، أخذ في التقدم بالاتجاه الصحيح من نواحٍ كثيرة. لهذا نشهد ظاهرة صعود لافتة لدول وقوى جديدة - قديمة، بدأت تبحث لها عن مكانة ودور تحت الشمس، فلا تجده في عصر "السلام الأميركي Pax Americana"، وعلى رأس هذه الدول، الصين، التي ستصبح أكبر اقتصاد في العالم خلال عقد أو عقدين، والهند، التي تسير بتؤدة ولكن بثبات وراء جارتها الصين، واليابان، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، والبرازيل، العملاق الأميركي اللاتيني الصاعد، وجنوب أفريقيا، هذا بالإضافة إلى الاتحاد الأوربي وروسيا بالطبع.

وإذا كانت هذه البلدان هي التي ستُشارِك أميركا قيادة النظام العالمي خلال العقود المقبلة، إلا أن البنية التعددية لهذا النظام ستتميز كذلك، وبشكل أساسي، بتوزيعٍ جديد للقوى يشمل باقي العالم. إنه نظام متعدد القطبية ولكن بصيغة مغايرة وغير مألوفة أو مسبوقة، إذ أنه يتّجه لأن يكون أكثر تشاركية من أي زمنٍ مضى، وهذا يعود ببساطة إلى طبيعة التحول القائم الذي مَسّ، وما يزال يَمُسّ، مفهوم القوة كما علاقاتها وأنماطها. فأميركا ستواصل لأسباب عديدة لعب دور القائد العالمي على المستويين العسكري والسياسي، لكن في كل المستويات والأبعاد الأخرى، الصناعي والمالي والاجتماعي والثقافي، يتبدل توزيع النفوذ مبتعداً عن السيطرة الأميركية. وفي مجال الحرب والسلم، علم الاقتصاد والمشاريع التجارية، الأفكار والفن، سيولّد هذا الأمر مشهداً مختلفاً جداً عن ذاك الذي عرفناه وألفناه حتى الآن، مشهدٌ تُحدده وتُديره أماكن كثيرة وأشخاص كُثُر.

إننا نشهد بحق التحول الكبير الثالث في النفوذ خلال التاريخ الحديث، والذي وصف المفكر والمحلل السياسي الأميركي فريد زكريا تجلياته ببراعة وتبصُّر في كتابه "عالم ما بعد أميركا" الصادر منتصف العام الفائت. فإذا كان صعود العالم الغربي في القرن الخامس عشر الميلادي هو التحول الأول، الذي انبثق عنه العالم كما نعرفه الآن: العلوم والتكنولوجيا، التجارة والرأسمالية، الثروات الصناعية والزراعية. كما أنه أدى إلى السيطرة السياسية المطولة لدول العالم الغربي، فإن صعود الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وتحولها إلى بلد صناعي كان هو التحول الثاني، وقد اكتسب طابعاً فريداً بعد أن أصبحت أميركا الدولة الأكثر نفوذاً في العالم، وباتت أقوى من أي مجموعة محتملة من الدول الأخرى. وخلال عصر "السلام الأميركي"، دارت عجلة الاقتصاد العالمي وتسارعت بصورة دراماتيكية. وهذا التوسع هو الذي أسس للتحول الثالث الكبير في النفوذ في العصر الحديث، والمتمثّل في صعود بقية العالم.

وعلى مدى جيلين أو ثلاثة، فإن نظاماً كهذا سيبقى هو الوحيد الممكن والمحتمل؛ نظامٌ تحكمه الدبلوماسية متعددة الأطراف وأقطابٌ يدور حول كُلٍّ منها مجموعة من الدول، أو لنقل معسكرات متنافسة، اقتصادياً وسياسياً على الأرجح وليس عسكرياً بالضرورة.

إنه عالم أميركا وما بعدها في الوقت نفسه؛ عالمٌ يظل تحت قيادتها ولكنه يُملي عليها - بعكس الواقع الراهن - شروطه ومعاييره التي تتحدى الأحادية بالضرورة ولا تقبل التعايش معها أو تحت ظلالها، لاسيما وأن الدول/ القوى المنافسة الصاعدة الأخرى والتي بدأت تحتل مواقعها في المشهد الكوني الجديد، ماضيةٌ بثبات في تطلعاتها ومحاولاتها لكسر السيطرة الأميركية على النفوذ العالمي. وفي حلبة نظامٍ جديدٍ ما فتئ يتخلّق شيئاً فشيئاً، ستستمر اللعبة المعهودة بين القوة القائدة والقوى المتطلعة للحلول مكانها، وإن بشكل حَذِرٍ وأكثر بطئاً، إذ إن كل واحدة من هذه القوى - وليس أميركا وحدها - تنتابها كثير من النواقص الأساسية؛ فأوربا مُجزّأة بحكم عدم اكتمال وحدتها وأزمتها الديمغرافية، وروسيا تعاني من تذبذب وضعها الاقتصادي والديمغرافي، واليابان ما تزال محكومة بعزلتها ووضعها الديمغرافي أيضاً، أما الصين والهند فستظلان تركزان على إدارة نموهما الاقتصادي وتحسين مستوى معيشة العدد الهائل لسكانهما، بما يفوق اهتمامهما بإدارة التنافس في سباق القيادة العالمية. وهذا هو السبب الذي قد يُفسِّر لنا: لماذا لن تنتهي اللعبة الكونية الآتية بـ "كُش ملك" يرمز إلى انتصار قوة واحدة، وإنما بتعادل يُجسِّد عجز كل من هذه القوى على السيطرة الفعلية والمطلقة.

والحال أن العالم الذي سيُخلَق لن يكون إمبراطورية، تسيطر عليه قوة واحدة، بل سيكون نظاماً مُركّباً، تتوازن فيه مجموعة من الدول وما فوق الدول، على مستويات متكافئة، حتى إذا لم تكن متساوية بالمعنى الدقيق للكلمة. صحيح أن أميركا ستظل محتفظة بتأثيرها في النظام العالمي، وأكثر من أي طرف دولي آخر، ولكن قوتها وهيمنتها ستكونان أقل في عالم متعدد الأقطاب مقارنةً بما كانت تتمتع به لعدة عقود. وفي ضوء التراجع النسبي في اقتصادها، لن تتمتع الولايات المتحدة بنفس المرونة في الاختيار من بين عدة خيارات سياسية، في الوقت الذي ستكون فيه القوى/ الدول الصاعدة الأخرى أكثر حرصاً على المشاركة في صُنع حاضر العالم ومستقبله وفق رؤيتها الخاصة، بعد زمن طويل من التجاهل الأميركي والاستفراد بمقود القيادة العالمية. 

* باحث وكاتب يمني

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع مشروع منبر الحرية

www.minbaralhurriyya.org 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جاء أوباما ولم يرحل بوش (مصطفى العمري)

    الأربعاء 1 نيسان / أبريل 2009.
    شكرا للكاتب محمد سيف حيدر على مقال نظام عالمي جديد غادر جورج بوش البيت الأبيض ولكن هل فعلاً غادر , صحيح أن بوش قد رحل فعلياً ولكن أعمال بوش لم ترحل وربما يرحل أوباما ولم يستطع أن يصلح ما أفسده بوش , لقد أعطى أوباما الأولوية القصوى لحل المشكلة الاقتصادية والتي تعتبر أكبر المشاكل الداخلية والتي لم تذق طعمها الولايات المتحدة منذ مدة طويلة وهي أخر ما خلفه بوش قبل الرحيل , أعرف أن مهمة أوباما صعبة في هذه حل الكارثة التي خلفها بوش قبل المغادرة بعام ولكن هي لا تقارن أبداً بما فعل بوش طوال الثماني سنوات حيث أن حرب أفغانستان والعراق بحاجة إلى وقت طويل حتى ننسى أساها واللون الأحمر الذي سطره بوش في هذه الحروب لن تغيب عن ذاكرت التاريخ ولو بسحب القوات الأمريكية وهذا أفضل ما سيقدم أوباما لهذه الدول .

    أما في فترة نقل الولاية من بوش لأوباما فقد اختتمت أيضا في غزة قبل أن يتم نقلها على واشنطن في أكبر حفل تنصيب عرفته الولايات المتحدة وهم يتطلعون بشغف ويتساءلون هل يا ترى سيكون عهد أوباما مثل عهد بوش أم سيكون فرصة لأعمار الولايات المتحدة بدلا من أعمار العراق أو أفغانستان وغزة وطبعاً ,و أحمد الله أن جورج بوش لم تكن له ولاية ثالثة حتى لا تكن حرب عالمية ثالثة أكثر فتكاً من سابقتها .
    وإذا أردت أن تعرف أولويات باراك أوباما في الإصلاح فانظر إلى انجازات بوش فهي لا تختلف عنها بدءاً من معتقل غوانتنامو وحرب العراق و أفغانستان وانتهاء بمشكلة الطاقة والنفط والبيئة التي أشعلها بوش , وإذا نظرنا إلى أهم أولويات أوباما على القطاع الخارجي وخاصة في الشرق الأوسط نجد أنه الصراع العربي الإسرائيلي الذي اجتهد بوش بالعودة في ملفه إلى الوراء قد تم تعقد القضية أكر من السابق بالرغم من الجملة التي سمعنها في كل وسائل الإعلام والتصاريح الأمريكية والتي تقول (مساعي بوش في حل الصراع العربي الإسرائيلي ) وقد كان أخرها حرب غزة وهي أخر عهد بوش في الشرق الأوسط وأخر زيارة سطرت الحذاء ليدخل في التاريخ أيضاً .

    السمعة السيئة التي أطلاقها بوش على الولايات المتحدة هي أبشع هدية قدمها بوش إلى الشعب الأمريكي والتي ربما هي من أصعب أولويات أوباما في حلها لأنها فقدت هيبتها في أدارة المنطقة وكسبت سمعة لم تلقى مثلها منذ زمن بوش الأب.

    وإذا كان بوش لم يرحل من خاطرنا ذلك لأنه ترك ذكريات لا يمكن نسيانها ولا اعتقد أن الشرق الأوسط سينسى هذه الأيام البوشية والمصبوغة باللون الأحمر والتي أضيف عليها الخراب والدمار والتهجير, لذلك أتمنى أن لا يكون العالم في فترة باراك أوباما بلون بشرته .