أزمة القيادة والديمقراطية في مجلس النواب

تم نشره في الخميس 26 آذار / مارس 2009. 02:00 صباحاً

الديمقراطية البرلمانية تستند الى قاعدة التمثيل لكل الآراء والافكار وتعبيراتها البرلمانية في دوائر صنع القرار

ليست الصدفة وحدها التي زامنت تمرد النائب محمد ابو هديب ومشاركته في اجتماع البرلمان العربي الانتقالي مخالفا قرار رئيس مجلس النواب المقاطع للاجتماع, مع بيان النائب رسمي الملاح من كتلة الاخاء, الذي وجه فيه نقدا قاسيا لاسلوب ادارة رئيس المجلس, مع تشكيل كتلة نيابية جديدة (الكتلة الوطنية الديمقراطية) ضمت في صفوفها غاضبين من وعلى الرئيس عبد الهادي المجالي. غاضبون منه لأنه اقصاهم او تجاهلهم في التشكيلات النيابية الاخيرة, و/او غاضبون عليه لأنه -المجالي- يدير المجلس بتفرد ولا يقيم وزنا للاخرين.

تمرد ابو هديب وبيان الملاح وتشكيل الكتلة الجديدة، تلقي الضوء على ازمة "القيادة" والديمقراطية في عمل واداء مجلس النواب. ازمة باتت تؤثر بعمق على دور المجلس وسمعته وأضعفت الى حد بعيد مكانته الدستورية.

لنأخذ قرار مقاطعة اجتماعات البرلمان العربي الانتقالي نموذجا، فقد اتخذ الرئيس قرار المقاطعة بمفرده, من دون مناقشة القرار مع ممثلي البرلمان الاردني في البرلمان العربي ومن ضمنهم عضو من مجلس الاعيان هي العين سلوى المصري التي شاركت هي ايضا الى جانب ابو هديب في اعمال الاجتماع ولم تقاطع.

ولم يشاور الرئيس المكتب الدائم او رؤساء الكتل او حتى زيد الرفاعي رئيس مجلس الاعيان، في اتخاذ قرار مقاطعة مؤسسة من مؤسسات العمل العربي المشترك تشكلت بقرار قمة عربي وقرار المقاطعة على كل حال هو قرار دولة وليس قرار فرد او حتى مجلس النواب.

النتيجة محرجة للبرلمان وللزميل المجالي وللاردن عموما، بغض النظر عن صحة او عدم صحة مبررات المقاطعة. (ملاحظات المجالي بالمناسبة صحيحة ورئيس البرلمان العربي يتعامل مع البرلمان كإقطاعية خاصة).

يخطئ الرئيس المجالي, اذ يظن بأن العمل البرلماني يقوم على قاعدة الاغلبية والاقلية فقط. فالديمقراطية البرلمانية تستند الى قاعدة التمثيل لكل الاراء والافكار وتعبيراتها البرلمانية في دوائر صنع القرار البرلماني ايضا. وهذا التمثيل هو وحده الذي يعطي القرار البرلماني قوته السياسية ويؤمن للمجلس ثقلا ودورا سياسيا وازنا.

الاغلبية النيابية التي يستند اليها الرئيس المجالي, تؤمن له "الغلبة", وتؤمن له الفوز مجددا في انتخابات رئاسة المجلس, لكنها لا توفر له غطاءً سياسياً كافياً لتمثيل المجلس والاغلبية النيابية ولا ترسي قواعد ديمقراطية لعمل برلماني تمثيلي متوازن.

من حق الرئيس عبد الهادي المجالي ان يتباهى بما حققه من انجاز شخصي ولترأسه الجمعية البرلمانية الاورومتوسطية وقبلها رئاسة الاتحاد البرلماني العربي وقبل كل ذلك تربعه على رئاسة مجلس النواب لثماني دورات, وهي انجازات كبيرة, لعبت شخصية المجالي وديناميكيته دورا اساسيا في تحقيقها.

لكنه اليوم اضعف من اي وقت مضى في عرينه الاساس, مجلس النواب الاردني؛ لأنه يدير المجلس بتفرد, اغضب حتى بعض اقرب المقربين منه.

فإلى جانب الكتلة الجديدة التي يقاطع رموزها المجالي شخصيا, يقاطع المجالي او يعارضه في اسلوب عمله وادارته للمجلس, رموز وفعاليات نيابية مؤثرة لها خبرتها ودورها من امثال النواب: الروابدة, سرور, الدغمي. يضاف الى هؤلاء كتلة نواب جبهة العمل الاسلامي واعضاء من كتلة الاخاء.

ظروف ومعطيات سياسية سابقة معروفة, املت مثل هذا الفرز الضار, لكن الامور تغيرت اليوم وليس من مبرر لاستمراره, لا بل تولدت ظروف ومعطيات, تسهل عمل المجلس بأريحية وانسيابية تحفظ له الدور وماء الوجه.

المجالي مطالب بملاقاة هذه المتغيرات الايجابية والتعامل معها, للنهوض بالعمل النيابي ودور المجلس ومكانته الدستورية وهو قادر على ذلك.

الخطوة الاولى بهذا الاتجاه, ان يدفع المجالي بكل ثقله لتعديل النظام الداخلي لمجلس النواب خلال الدورة الاستثنائية المقبلة واقرار التعديلات التي يكاد يجمع عليها اعضاء مجلس النواب وهي موجودة لدى اللجنة القانونية كتوصيات من مجلس النواب, لا ندري لماذا تأخرت اللجنة (!) في مناقشتها.

اهم تلك التوصيات, تلك التي تعيد هيكلة هيئات ولجان مجلس النواب على اسس ديمقراطية استنادا الى التمثيل النسبي للكتل ما يمنع الهيمنة والاقصاء, ويجعل كل الافكار والاراء ومكونات المجلس على اختلافها وتنوعها حاضرة في دوائر صنع القرار النيابي على مختلف الصعد.

لا اقلل من اهمية الافكار الاصلاحية الاخرى، لكن لو أخذ بهذا التعديل الذي اقره المجلس لأمكن تجنيب المجلس المشاحنات والصفقات الوضيعة وارساء قاعدة عمل تمثيلية جماعية عادلة وديمقراطية، ويدفع بالنواب نحو التجمع على اسس واختيار ممثليها في الهيئات على اساس الكفاءة, بدل العلاقات الشخصية والمحسوبية. كون التوصيات تطالب ايضا بالاعتراف بالكتل النيابية كوحدات اساسية لبناء وتشكيل هيئات ولجان المجلس القيادية والمتخصصة.

هذا هو المدخل الديمقراطي والنظيف, لاعادة اللحمة الى مكونات مجلس النواب, والمدخل الصحي, لبناء الثقة والتفاعل والعمل الجماعي للقيام بالواجبات الملقاة على النواب بأمانة.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حياك (نائب سابق)

    الخميس 26 آذار / مارس 2009.
    لقد عودتنا يا استاذ بسام بالكتابات المميزه وقول الحقيقه وفقك الله وسلمت يمناك
  • »الديمقراطية البرلمانية (عودة الجعافرة)

    الخميس 26 آذار / مارس 2009.
    شكرا سعادة النائب بسام الديمقراطية كل متكامل تشمل كل قطاعات المجتمع لانها الاسلوب الامثل لتطور ورقي الامم كنا نتمني من مجلس النواب الكثير وخاصة على صعيد التجه اليمقراطي وتجذيرها وبنفس الوقت كنا نتطلع ان تكون الكتل النيابية نواة لاحزاب وطنية لامجموعات شخصية لادور لها بالحياة العامة ورسم السياسة العامة للبلد وتحولاتها الديمقراطية التي تتحرك ببطئ
  • »لماذا وصلت بهم الى هذه المرحله ؟ (بشير ابوالذهب)

    الخميس 26 آذار / مارس 2009.
    بكل تفاصيل مقالكم استاذنا العزيز وبكل تفاصيل ما كتب وقرأ عن المجلس يتبادر الى المرئ تساؤلات عديده منها: وهو لماذا النواب وصلوا لمرحله مثل هذه من الشطط عن واجبهم الرئيسي ؟ .
    فهل هم تناسوا او نسوا واجبهم ام انهم اخذتهم الغره على غير حين ؟

    ام انهم لم يعوا بعد مفاهيم الديموقراطيه بتعمق وبقوا على السطح ؟
    ام انهم بحاجه ليتعلموا ثقافه الديموقراطيه وتعاليمها ومبادئها وهم خجلين من طلب ذلك ؟.
    وفي ظني انه ينقصهم هذه المفاهيم والتساؤلات مجتمعه , وبات علينا نحن ان نقف معهم في محنتهم ونساعدهم في العوده لقارب الديموقراطيه الذي وقعوا منه او يحاولوا التمسك به لينجوا , لا ان نشدهم بعيدا عنه.
    فما هو راي الناخبين في هذه المحنه التي تواجههم؟
  • »اكرام الميت دفنه (م . صايل العبادي)

    الخميس 26 آذار / مارس 2009.
    بعدما وصل هذاالمجلس الى ما وصل اليه بفوزه بالمرتبة الاولى في الضعف في تاريخ البرلمانات الاردنية، فلن ينفع معه الا الحل واعادة الامانة الى الشعب لانتخاب برلمانه من جديد على اساس قانون انتخاب عصري عادل يليق بالشعب الاردني وبإشراف جهة وطنية غير منحازة الا لمصلحة الوطن ، فلا يصلح العطار ما افسد الدهر، فلقد ادى هذا المجلس دوره الذي صنع من اجله في فترة سيئة من التاريخ من خلال تزوير ارادة الناخبين وحشوالصناديق بالبطاقات ، وطباعة الهويات التي تقلها الباصات المتجولة لتدلي باصواتها في كل الصناديق الانتخابية عدا عن ترحيل بطاقات الناحبين وتغيير تراكيب الدوائر الانتخابية ، وشراء الذمم ، ومع انتهاء صلاحيه هذا المجلس العتيد فلا بد من قبره غير مأسوف عليه بعد ان اصبح عبئا على الوطن وسببا من اسباب تفشي الفساد والمحسوبية والواسطة.