إبراهيم غرايبة

الإصلاح يبدأ بالعطاءات وينتهي إليها

تم نشره في الأربعاء 18 آذار / مارس 2009. 02:00 صباحاً

صدقوني أن العقدة التي تتوقف عندها الديمقراطية والتنمية السياسية وارتفاع مستوى المعيشة والدخل وتطور مستوى التعليم وتحسين الخدمات الصحية والاجتماعية والحصول على التقنية وجسر الفجوة مع العالم وحماية الزهور البرية وانتعاش الحركة الثقافية والفنية وكل ما نتطلع إليه هي "العطاءات" الحكومية والخاصة، وعندما تنفذ وفق مبادئ عادلة وصحيحة فإننا حكومة وشركات ومجتمعات وأفرادا سنمسك بالطريق الصحيح والسريع للتنمية والإصلاح، وبغير إصلاح العطاءات فلن تحل مشكلتنا لا التشريعات الممتازة ولا تدفق النفط والغاز في بلادنا، ولا الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية.

ما الذي سيحصل عندما تنفذ العطاءات بطريقة صحيحة وعادلة؟ الصغيرة منها والكبيرة، والحكومية والخاصة والمجتمعية والفردية (عمليات التوظيف في حقيقتها هي عملية عطاء يتعهد فرد بتقديم عمل أوخدمة مقابل مطالب ومصالح لصاحب العمل). سوف يجري تنافس عادل على الموارد لأن العطاءات هي التي تنظم توزيع الموارد، وسيحصل الناس على مواردهم بالحق والعدل، وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى متوالية طيبة ومعقدة ومقعدة (الكلمة الثانية ليست خطأ مطبعيا ولا سهوا) من التحولات والمكاسب وتعظيم الموارد، كيف؟

التنافس العادل على الأعمال والموارد سيجعل النخب (قادة الأعمال الحكومية والخاصة والمجتمعية والمهنية) حية ومتحركة ومفتوحة تماما على الكفاءات الصاعدة والمبدعة والأجيال والتخصصات والطبقات، وفي الوقت نفسه سوف يخرج منها كل من يعجز عن البقاء في المقدمة، وهكذا سوف تقود المؤسسات الحكومية والخاصة والمجتمعية مجموعة ذكية ومبدعة وتواجه بشكل دائم ومتواصل تحديات التنافس والبقاء والتطور والانقراض.

هذا الحراك النشط للنخب سيجعل الأعمال والمجتمعات والمؤسسات والمهن تبحث باستمرار عن التطور والإبداع لأجل مواصلة القدرة على التنافس واستيعاب الفرص المتاحة التي لن يكون ممكنا التقاطها من دون عمل وإبداع وتطوير، وهذا سيؤدي بطبيعة الحال إلى تطور المؤسسات التعليمية والتدريبية والمهنية لتمنح السوق احتياجاته الحقيقية التي يتطلع إليها.

وهنا تتحول المنظومة الاجتماعية والسياسية أيضا للحفاظ عل المصالح والعقد الاجتماعي الناشئ، لأن الديمقراطية ببساطة هي عقد لتنظيم المصالح والموارد والتنافس عليها، وبغير ارتباطها بمصالح الناس وأعمالهم فهي غير ذات جدوى وأهمية، بل هي لا تكون موجودة ابتداء بغير ذلك حتى لو جرت انتخابات حرة ونزيهة وشفافة (هذه الكلمة صارت منتهكة لدرجة أنها تحولت إلى شتيمة) وبذلك تنشأ الأحزاب السياسية والتنظيمات الاجتماعية ومجموعات الضغط والتأثير والاتصال، وتتحول العلاقات بين الناس والأفراد من الإطار القرابي والعشائري والديني إلى المكاني والمهني والفكري.

وهذا التحول ينشئ قيما وثقافة وأفكارا جديدة قائمة على مقتضيات العلاقات المهنية والفكرية، فتتطور الحياة الثقافية والفنية، لأن الرواية والفنون والموسيقى تتطور وتنشأ في بيئة من المدن وعلاقاتها وفي بيئة عمل وتعليم يحكمها البحث عن الإبداع والتفوق وينظمها قواعد التمييز بين الحسن والقبيح والرديء والأفضل، وتكون ثقافة مرتبطة بحياة الناس وتحسينها أيضا، فنشهد بيوتا وأحياء وطرقا وأطعمة وملابس وأذواقا وأثاثا مستمدا من رؤية جمالية حقيقية وعميقة تستحضر حياة الناس اليومية واحتياجاتهم التي تترسخ في الحياة والعمل والتعليم والشعور بالتحدي والتحرر من العلاقات والأفكار البدائية أو غير الملائمة للأعمال والتمدن، وهذه المنظومة الثقافية بدورها تنشئ موارد جديدة وإضافية تحسن حياة الناس ومعيشتهم.

وهكذا فكلما رأينا نشاطا ثقافيا أو فنيا معزولا أو محدودا، أو إذا رأينا خدمات صحية واجتماعية متخلفة، أو وزارات وشركات عاجزة وفاشلة، أو مسؤولين يتأتئون، أو صحافيين بحاجة لتعلم القراءة والكتابة، أو جامعات ومدارس خارج الزمان والمكان، أو مشروعات حوسبة و"لكترنة" للأعمال على هيئة ألعاب رديئة الصنع أو إعلانات طرق أعدها أميون ولا يلتفت إليها إلا على سبيل السخرية، أو فسادا متمكنا، يجب أن نستنتج أن ثمة خللا في العطاءات!

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »السطو الغير مسلح (ابو راكان)

    الأربعاء 18 آذار / مارس 2009.
    كلام جميل بل امنيات جميله اوردها الكاتب الكريم.
    الا ان الموضوع اكبر واعقد من ذلك فالمراقب للاحداث التي تجري في بلدنا الغالي يدرك ان البلد تغيرت واصبح كل شيىء بها حكرا على مجموعة صغيرة تسطوا على كل شيىء.. وتتبادل المواقع بين الحين والاخر

    نحن نعيش زمن اخر يختلف عما عشناه قبل سنيين ليست بعيدة حين كان هناك وطن ومواطن يحرص على وطنه ويعمل من اجل رفعة وطنة بدلا ان يعمل الان على تنمية ثروته على حساب الوطن.

    وياليت انتهت اطماع تلك الحفنة من الناس عند السطو على العطائات فقط فاخيرا رايناهم يسطون على منح الدولة التعليمية.
  • »كيف؟ (وائل أبو هلال)

    الأربعاء 18 آذار / مارس 2009.
    كيف نجعل المسؤولين عن العطاءات الفرديةوالتجارية يرسونها على الأكفأ أفرادا والأصلح للناس عروضا؟ هل يمكن أن يأتي ذلك بقرار حكومي؟ هل يمكن أن يصحو المسؤولون عن ذلك من نومهم ويجدون أن ضمائرهم استيقظت من فسادها كما استيقظوا من نومهم فيقررون أن يكونوا صالحين في عملهم فيعطون العطاءات للأصلح؟سؤال برسم الإجابة والتحليل
  • »مقال يستحق التقدير (نزار القريوتي)

    الأربعاء 18 آذار / مارس 2009.
    يتحدث الكاتب العزيز صفة خبير في إدارة التزويد, ولكن ما أريد أن اقوله أن العطاْات حتى تتخذ وسيلة لتنفيذ ما هو مبتغى لاعطاء القرار المتخذ مسبقا قبل طرح العطاء الصفة القانونية.