زليخة أبوريشة

مجتمع الغيبة والنميمة

تم نشره في الثلاثاء 17 آذار / مارس 2009. 02:00 صباحاً

كانت لي صديقة تظهر لي الود. وكانت ترى أن من تمامه أن تنقل إلى ما يتقوله عني كل فلانة أو علانة.. ولطالما كنت أتألم!! إلى أن قررت أن أخبرها أنها -وكصديقة- لا يجدر بها نقل الكلام لإيلامه.. ولما كانت سميكة الجلد، فقد ظلت على دأبها في النم والنميمة، حتى القطيعة.

وقديماً قالت العرب: المجالس أمانات.. فلا يهتك سرِّها وينقل ما دار فيها إلا لئيم.. وهو طبع إن لم تخالطه الخسة وحدها، فقد أضيف إليه ادّعاء الود. فمن يود أحداً لا يسعى إلى ايذائه.. ولكن تلك الصديقة البعيدة -والحمد لله- كانت تقول لي: الصديقات يفعلن ذلك. وكأنها لم تسمع يوماً من يقول: ومبلغك الشر كباغيه لك.

غير أن النميمة والغيبة - وهما شقيقتان من بطن أمٍ واحدة، تشوه الروح وفراغها - خلّتان لا يصلح معهما إنسان مهما علا شأناً في الحياة، ومثلما ثمة أفلام هابطة وغناء هابط وفن هابط، ثمة خلق هابط ينم عن همةٍ ضعيفٍة في الخير، وتهتك في نسيج النفس ومآرب الحياة، وفقرٍ مدقع في إدراك المعنى والنزاهة وحق البشر في حكم "بريء" من الخير والهوى.

يقابل هاتين الخلتين ما نسميه "الأذن الكبيرة" حيث يستمع المرء والمرأة إلى النمام أو النمامة، ويجرعان الحكم على من نسب إليه القول أو الفعل. وقد حظيت يوماً بمديرٍ من هذا النوع.. فاتحٍ أذنيه لكل متسلل مقترب، وينفذ حكم إدارته الصارم في حق أبرياء لمجرد أنه قد نقل إليه ما قالوا وما فعلوا، من دون أدنى تحقق. بل الأدهى تحول الموظفين والموظفات يوماً إلى فريقين: فريقٍ مخبر، وفريق مخبرعنه.

وصار لا يرتفع في سلم الوظيفة إلا من كان من الفريق الأول. وحتى المدير المشار إليه ارتفع وازدهر حاله مثل "اقتصاد الفقاعة" الذي نشهده هذه الأيام.. ثم هوى حتى آخر ايامه.. فالإدارة بالغيبة والنميمة لا توصل إلى مكانٍ حقيقي، مثلما الفهلوة، لا مأمن لها.

في جلسات الأصدقاء والصديقات أحب أن أغلق أذنيّ عما يشاع، لأن الإشاعة هي الشكل المتحرك المتجسم للغيبة وللنميمة. ولطالما احتد النقاش في أمورٍ ما تزال على هيئة الظن، يكملها الخيال البشري، خيال الغيبة والنميمة، ويجعل منها حقيقة كاملة يصدقها عقل جاهز للتصديق. والحجة في ذلك المثل المضحك "لا دخان بلا نار"، مع أن المثل مثل وليس حقيقة.. واقعة. إن تصديق الإشاعة وعدم الشك فيها، أو التفكير باحتمالات أخرى, هو جزء من هذا الخيال المريض الذي لمجتمع الغيبة والنميمة.

 في فيلم ميريل ستريب الاخير "الشك" (Doubt) يورد القس (فيليب هوفمان) في عظة الأحد القصة التالية: أتت امرأة إلى الخوري لتعترف بأنها استغابت ونمّت الشيء الكثير، وأنها تريد أن تتطهر بالاعتراف. قال لها الخوري: اذهبي إلى بيتك وخذي وسادة ريش ومقصاً واصعدي إلى السطح وهناك قصيها نصفين، ثم عودي إليّ. عندما عادت إلى الخوري قال لها: الآن ارجعي إلى السطح واجمعي الريش الذي تناثر.. فرجعت وهي تقول: ولكن الريح يا أبت قد حملت الريش في كل اتجاه وإلى كل مكان. فقال لها الخوري: وكذلك غيبتك ونميمتك!!

الغيبة والنميمة تدمر حيوات وتنهي مصائر إنسانية وتطعن في شرف المعنى وشرف الحياة. الغيبة والنميمة خُلُق من لا خُلُق له..

 [email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مرض وما هو بعرض ليس اكثر (Burhan)

    الثلاثاء 17 آذار / مارس 2009.
    اود ان امدح الكاتبة على هذا المقال الرائع و على هذا الموضوع المهم الذي اختير لمناقشة ظاهرة خطيرة تتفشى في المجتمع ونراها كل يوم كرغيف الخبز او اكثر و ان لمن دواعي سروري ان اعطي توصيفا اكثر دقة لهذا المرض الاجتماعي فيا عزيزي القارئ و عزيزتي الكاتبة بامكانك وصف مجتمعنا بان ليس لديه شغل او شاغلة الا فلان شرى و فلان باع و فلان وقع في ضيقة و فلان خرج و فلان خلع و اخر وقع على خلاف مجتمعات اخرى لا تعطي ولا تصرف اي انتباه او طاقات على فسافس الامور التي نعنى بها نحن و نرى تلك المجتمعات تتطور و نحن نتقهقر و هذا هو حالناو مالنا مع مجتمعنا طاقات جبارة توضع في غير محلها المناسب و مناصب توزع على من لا يستحقها و مصائب في ازدياد و تخلف كثير و لا افاق و انفراج عن تغيير يحصل او سيحصل فهل من اذان صاغية ..............
  • »صحيح (خالد الهاجري)

    الثلاثاء 17 آذار / مارس 2009.
    يؤكدالنبي عليه الصلاه والسلام حينما انتقدت سيدتنا عائشه زوجه النبي صفيه بانها جمليه الا انها قصيره فاجابها الرسول عليه الصلاه والسلام يا عائشه لو ان كلمتك اصبحت شيئا والقيت في بحر لانتنته وهذا دليل على خلق الرسول الكريم حيث قال انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق
  • »مرض (ابو يوسف)

    الثلاثاء 17 آذار / مارس 2009.
    شكرا للمقالة واتفق معك أن الغيبة والنميمة هي مرض قاتل مستشري في المجتمع.
  • »النميمة مرض اجتماعي فتاك (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الثلاثاء 17 آذار / مارس 2009.
    كانت النميمة احدى الأمراض الأجتماعية التي كانت سببا في هزيمة العرب في اسبانيا ..وها نحن اليوم نكرر ، وننفذ ونتمسك بهذه الأمراض الأجتماعية التي جلبت لنا الويل والخراب
    كنت اتمنى لو ذكرت اديبتنا المكرمة اذا كانت تعتقد بان النميمة قاصرة على المرأة ..أم ان لديها ما يثبت أن الذكور عندهم غيبة ونميمة مثل النساء أو أكثر
    من خبراتي الطويلة التي أوشكت على نصف قرن من الزمن عندي قناعة بأن الذكور اسؤ ..وغيبتهم ونميمتهم تخرب البيوت وتقتلع اسر من بيوتها ، وتشردهم في الشوارع
  • »أبدعت يا سيدتي (هبة أبو حمدية)

    الثلاثاء 17 آذار / مارس 2009.
    مقالتك رائعة جداً وفي الصميم وهو السبب الأساسي لتخلف عالمنا لسوء الحظ، لقد سعدت بهذه المقالة وبأنه لا يزال عندنا بصيص ولو ضئيل من الأمل لوجود من يؤمن بالنزاهة