جمانة غنيمات

الطبقة الوسطى والإصلاح

تم نشره في الأربعاء 11 آذار / مارس 2009. 02:00 صباحاً

ما نزال نحصد الثمن الباهظ للغيابات المتواصلة عن حراكنا المدني. وفي قلب هذا الغياب يتجلى التآكل الفادح لمفهوم الطبقة الوسطى التي يعوَّل عليها من أجل المضي في عملية الإصلاح بمختلف أطيافه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وبانحسار وتراجع دور الطبقة الوسطى في المجتمع الأردني من ناحية الإنتاج والدور السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحتى الثقافي، غدت منطقة صنع القرار رهنا بأيدي مجموعة من السياسيين والرأسماليين وأهل التنكوقراط الذين يقابلهم على الضفة الأخرى من المشهد الطبقة الفقيرة المترهلة واقعا وتنظيما وأفقا وعيشا.

 وتؤكد التغيرات التي أصابت هذه الطبقة وتفتُّتها دراسةُ مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية التي رصدت قدرة الطبقة الوسطى على التكيف مع المستجدات الاقتصادية، إذ يتضح تقلص حجم هذه الطبقة التي تعد ضابط إيقاع المجتمع وحركات تطوره وصعوده أو انكفائه.

وقد أسهمت "الإصلاحات" الاقتصادية على امتداد أكثر من خمسة عشر عاما في إفراز سياسات أنتجت "عقدا اجتماعيا" جديدا في الأردن راح لفطنة القائمين عليه يشدد على الاعتماد المتزايد على الضرائب المحلية، لمصلحة تراجع دور الدولة الرعوي، ما ساهم إلى جانب عوامل أخرى في إفقار الطبقة الوسطى من محتواها الفكري وأفقدها خصائصها التنظيمية.

وكان التجلي الأكبر لهذا الوأد ازدياد نسبة البطالة التي وجدت مجالها الحيوي في القطاع الذي يشكل الرصيد الاستراتيجي للطبقة الوسطى، وأعني بهم الشباب الذين بلغت نسبة البطالة بينهم، وخصوصا من تتراوح أعمارهم بين 20 و 24 عاماً, 28.7%.

وانعكس هذا المأزق على مستوى الفقر في البلاد، إذ تؤكد الدراسات الحكومية أنه بحدود 13.4%, فيما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن معدل السكان الذين يعيشون تحت خطر الفقر يبلغ 30%.

إعادة بناء طبقة وسطى قوية ومتينة وداعمة للإصلاح يحتاج إلى دعم الإنفاق على التعليم، وبخاصة إذا علمنا أن الأسرة الغنية تنفق أكثر مما تنفقه الأسر الفقيرة بخمسة عشر ضعفا وأكثر، لما لهذا النهج من تأثير على الحراك والاندماج الاجتماعي.

النظام التعليمي بمعطياته الحالية يكرس إنتاج الأشكال نفسها من عدم المساواة، حين لا يتم توفير نوعية عالية من التعليم سوى لأطفال العائلات ذات الدخل المرتفع، فتحسين نوعية التعليم الحكومي يزيد فرص إعادة ترميم الطبقة الوسطى، والمتعلمون والأكاديميون هم دائما عماد هذه الطبقة وضمانتها من طغيان أصحاب المصالح والأهواء الفردية الضيقة والفاسدين.

إعادة الهيبة للطبقة الوسطى ضروري الآن حتى تكون أداة تحفظ الإصلاح وتدفعه للأمام، فالمجتمعات التي حققت نموا اقتصاديا باهرا كانت الطبقة الوسطى فيها أساسية وذات دور محوري، كما هو الحال في اليابان والدانمارك وسنغافورة والسويد التي تشكل الطبقة الوسطى فيها، وفق بعض التقديرات زهاء 90%، فيما كان غياب الطبقة الوسطى عاملا أساسيا في تراجع دول كثيرة تنتسب أغلبها إلى العالم الثالث.

الطبقة الوسطى بكل أحوالها الوحيدة القادرة على إدارة الإصلاح وجعله عقلانيا ومدنيا، وهي صمام أمان يجعل التغيير والسير للأمام يلبسان عباءة السلم ويمضيان من دون عنف.

هل ثمة حاجة للتذكير بما حل في المجتمعات التي أفقرت طبقتها الوسطى وأهملت متطلباتها وسحقتها؟ هل يخبرنا أحد من أين يندلع الاحتراب، ومن أين تهب رياح الإرهاب، وبأي جدران يلوذ أولئك المطرودون من "جنة" المجتمعات المدنية؟!

jumana.ghunaimat@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحل بالاشتراكية الاجتماعية (حسام مطلق)

    الأربعاء 11 آذار / مارس 2009.
    اشكرك سيدتي على الالتفات للهم الانساني في الوطن, فهو غاية نبيلة, وجل الناس يكتر للهم السياسي, وهو فيه ما فيه من نصيب للجيوب والمكانة. اعتقد ان شرحك يصح على كل المجتمعات لا على الاردني فقط. فكلما تطورت التقنيات وتمدنت الانسانية في استخدامها كلما صار دور الصناعة والتجارة اكبر وهذا يعني ضمنا ان يتسيد اصحاب المال في المجتمع. الحقيقة ان كارل ماركس التفت الى هذه النقطة, ولكنه راهن على الحل الحتمي وهنا لم يوفق. الدول الاكثر ليبرالية انتبهت الى ضرورة مزاوجة الاقتصاد الحر بالاشتراكية بحيث يكون المشروع راسمالي بحت فيما الاقتصاد الوطني خاضع لشروط الاشتراكية وهذه المزاوجة اصطلح على تسميتها بـ " الاشتراكية الاجتماعية " عبرها تقوم الدولة باعادة توزيع العائد الراسمالي لا من خلال المصادرات كما فعل عبد الناصر ولكن من خلال تحصيهاالضرائب التصاعدية بمايؤمن لها ملائة مالية كي تنفق على البنى التحتية التي لا تغري الراسمالي لانعدام العائد منها وبنفس الوقت تنفق على سلامة المواطن وكرامته عبر سلسلة تشريعات تضامنية من التامين الصحي الى التقاعدي الى البطالة وغيره من انماط تكافلية. مثل هذا الاجراء يجعل المجتمع متوازنا فلا يكون هناك فقر مدقع ولا يقع الاقتصاد فريسة للشمولية التي اثبتت فشلها. يكفي ان نعرف ان الدول الاسكندنافية التي تطبق هذا النمط الاقتصادي تحقق واحد من اعلى معدلات الدخل للفرد ويعيش المواطنون فيها برفاهية عالية بالرغم من قلة مواردها الطبيعية. فهناك تحققت العدالة الاجتماعية بصورتها الابهى وهو ما جعل الانسان منتمي وتاليا منتجا. لا يتوقع من المحروم ان ينتج, ولا يتوقع منه الانتاجية العالية وهو يعلم ان الوجبة التي تقدم له لا تقدم احتراما لانسانيته بل كي يستفاد من جهده العضلي. اي كما قال ارسطو " الحاكم المستبد كصاحب المزرعة حين يعطي للفلاح وجبة هو لا يعطيها اعترافا بانسانيته بل كي ينتج له اكثر " دون ان يصبح الانسان, شعوريا وفعليا, جزء من الحياة العامة, اقول الانسان مطلق انسان في اي وطن, فلا يمكن ان يكون منتميا وهو بالتالي سوف يبحث عن دوائر اخرى غير دائرة الدولة كي يحقق من خلالها الامان المفقود. باختصار العالم مدعو الى اعتماد اليتين الاولى المزاحمة في السوق التي تتيح للمبادرة الفردية ان تتخذ القرارات الاولية وفقا لرؤيا الراسمالي ولكن ضمن اطار الخطوط العليا التي تنظم الاقتصاد والمحددة اساسا بالتشاور بين الكواد المختصة من جهة والجهات التنفيذية في الدولة من جهة اخرى, وهذه هي الالية الثانية. بكلمة واحدة : يجب دمج العفوي بالواع كي يتحقق النهوض الشامل.
  • »الطبقة الوسطى والازمة العالمية (ahmad)

    الأربعاء 11 آذار / مارس 2009.
    نحن وفي ظل الاستقرار الاقتصادي في وطننا العربي الكبير محونا ما يسمى بالطبقة الوسطى وذلك كما اشرت في مقالك لما لها من تاثير على القرار ،فمن مصلحة الاغنياء عدم وجود طبقة وسطى لكي يبقى القرار السياسي والاقتصادي بايديهم،وهنا جاءت الازمة العالمية الجديدة لتمحو الدول التي قد اصبحت طبقة وسطى ما بين المجتمعات ،ويلزمنا ان نهتم بالتعليم كثيرا ليس على مستوى المراحل الدراسية الاولى من عمر ابناءنا ولكن على كل المستويات حتى نعي ما يدور حولنا في هذا العالم الغريب