غياب المشاركة المواطنية في أمانة عمان

تم نشره في الأربعاء 4 آذار / مارس 2009. 03:00 صباحاً

عن منشورات أمانة عمان الكبرى أصدرت د. هيام كلمات قبل نحو عامين كتاباً مهماً تحت عنوان "الحاكمية الحضرية الرشيدة - حالة دراسية لأمانة عمان الكبرى". وهي تتناول تجربة الأخيرة خلال الفترة ما بين 1985 و 2005. ومصدر الأهمية هي محاولة هذه الدراسة تحليل واقع أمانة عمان الكبرى، انطلاقاً من فرضية أن مواطني عمان لا يشاركون في اتخاذ القرار التنموي الحضري فيها إلا في حالات نادرة، كما يقول ملخص الدراسة، وأن هذه المشاركة المواطنية "تبقى في حدود تمثيلهم من قبل أعضاء مجلس الأمانة، خاصة المنتخبين منهم".

لم تُضِع هيام كلمات وقتها، فقد اغتنمت فرصة تعيينها عضواً في مجلس الأمانة لمرتين عام 1999 و 2003 لإعداد أطروحة دكتوراه تحت العنوان المشار اليه أعلاه، حيث حاولت تحديد مشكلة دراستها في تدني مشاركة مواطني المدينة في صنع القرار الحضري التنموي لأمانة عمان الكبرى.

حولت د. هيام كلمات اطروحتها إلى كتاب وصل عدد صفحاته إلى نحو 400 صفحة من القطع الكبير. وكنا نتمنى لو أنها حررته من طابعه الأكاديمي المفرط، وحذفت بعض الفصول التي تعتبر من ضرورات الأطروحة الجامعية، لكنها فائضة عن حاجة الغالبية الساحقة من القراء. ومع ذلك فإن صدور الكتاب يعد إضافة مهمة للمكتبة الأردنية التي تشكو نقصاً فادحاً في الأدبيات الخاصة بالحكم المحلي، أو التي تتصدى لأمانة عمان والبلديات الأخرى كدراسات حالة. قَسّمت د. كلمات كتابها إلى أبواب رئيسية خمسة، حيث قامت في الأول منها بتأصيل الإطار النظري للأطروحة، لتنتقل بعد ذلك إلى بحث تطور النظم الادارية المحلية في المملكة، ثم تطور الديمقراطية في الأردن، وخصصت الباب ما قبل الأخير لمدينة عمان وتطورها عبر العصور، لتنتهي إلى تحليل نتائج استطلاع عينة من سكان عمان حول المشاركة في صنع القرار التنموي الحضري، ولتعرض أيضاً حصيلة آراء مجموعتين بؤريتين حول الموضوع ذاته.

ما يعنينا هنا هو ما توصلت اليه د. كلمات في الاستطلاع الذي قامت به على عينة من سكان عمان، والذي تثبت فرضيات بحثها عن تدني مستوى المشاركة لدى مواطني عمان في قرارات الأمانة، وهي فرضيات غالباً ما تتطابق مع الانطباعات العامة لمن يراقب عمل أمانة عمان الكبرى. لكن أهمية ما توصلت اليه د. كلمات انه يقدم القرائن العلمية لما نعتقده ونشكو منه، بينما قد يعتقد القائمون على أمانة عمان، بأنها مجرد تحاملات أو افتراءات، أو انطباعات يعوزها الدليل. فما الذي خرجت به د. هيام كلمات؟!

دلت أجوبة العينة على السؤال المحوري للاستطلاع أن 91,2% من مجتمع الدراسة لم يشاركوا في إبداء الرأي أو في الجوانب المالية أو بالعمل في أية مرحلة من مراحل تنفيذ مشاريع أمانة عمان. وعلى الرغم من إقرار مختلف المستجوبين بأنهم استفادوا من مشاريع الأمانة، بغض النظر عن مشاركتهم في عملية صنع قرار أمانة عمان من عدمه، فإن درجة استفادة الذين أُشركوا في عملية صنع القرار في الأمانة كانت أكبر ممن لم يشاركوا في قرارات الأمانة. بل أن من استفادوا استفادة كبرى مثلوا 43,31% ممن ساهموا في صنع القرار مقابل 8% حققوا مثل هذه الاستفادة العالية ممن لم يشاركوا في اتخاذ القرار.

وبكلمات أخرى، فإن الأقلية الصغيرة من العينة (حوالي 9%) التي شاركت في عملية صنع القرار للأمانة، كانت استفادتها من صنع القرار عالية جداً، تفوق بكثير الذين لم يشاركوا في صنع القرار. ومن بين الأجوبة عن أسباب عدم المشاركة، أفادت فئة من المستجوبين انه لم تتح لهم فرصة المشاركة في عملية صنع القرار، بينما أفاد البعض الآخر أن رأيه لن يؤخذ على محمل الجد. لكن نسبة مهمة من المشاركين أظهرت لا مبالاة واضحة في المشاركة، وهي، بالمناسة، إحدى علل تركز القرار الخاص بمدينة عمان في أمين عمان ومجلس الأمانة: أي لا مبالاة المواطنين وعدم سعيهم للمشاركة.

لكن 63% من أفراد العينة أفادوا بأنهم يرغبون بالمشاركة في صناعة قرار الأمانة لو اتيحت لهم الفرصة، والنسبة نفسها تقريباً أفادت بأنها قادرة على المشاركة بدرجة متوسطة أو عالية. والملفت أن أكثر من نصف المستطلعين أفادوا بأنهم راغبون في الانخراط في حملات أو جهود للتمكين (تدريب، توعية) ليصار إلى تفعيل مشاركتهم في عملية صنع القرار الخاص بأمانة عمان. ولقد تجلت هذه الاستجابة بنسبة عالية لدى الشباب. هذا، وتعتقد أكثرية العينة أن جهود تمكين المواطنين هي أولاً مسؤولية أمانة عمان الكبرى، ثم تليها جهات أخرى مثل النقابات المهنية ومراكز التدريب المتخصصة.

 وبالعودة إلى أجوبة المجموعات البؤرية التي جمعتها الباحثة، من مناطق ومهن وأعمار وثقافات مختلفة وتشمل ذكوراً وإناثاً، فقد جاءت معززة لما خرج به الاستطلاع المشار اليه آنفاً. فالمجموعة البؤرية الأولى والتي تضم عينة من سكان عمان الغربية (الصويفية)، استخلصت ما يلي: أن "المدعومين والمتنفذين" تتم خدمتهم بسهولة بعكس "البسطاء"، وأن مفهوم مشاركة المواطنين في قضايا الأمانة (المدينة) غير مُدرَك من قبل المواطنين، ولذلك فإن على أمانة عمان أن تعزز قدرة المواطنين على المشاركة في عملية صنع القرار فيما يخص مدينتهم ومشاريعها. لقد سجلت الدراسة من ناحية أخرى أنها لم تلحظ لدى هذه المجموعة البؤرية توجهاً سلبياً تجاه الأمانة، لكن المجموعة أخذت على أمانة عمان أنها لا تتيح مشاركة المواطنين في صنع القرارات التنموية المتخذه من جانبها.

ولاحظت الدراسة أن لدى المجموعة البؤرية رغبة واستعداد للمشاركة في مناقشة الأمور المتعلقة بمدينتهم وللتطوع من أجل القيام بأعمالها لصالحها، لكنهم بحاجة إلى تمكينهم عن طريق التوعية والتدريب. وأخيراً دعت المجموعة المذكورة إلى تفعيل اللجان المحلية للأحياء كشكل للتمثيل والمشاركة في عملية صنع القرار.

أما المجموعة البؤرية الثانية التي ضمت بعض ممثلي مناطق عمان الشرقية (ماركا)، فقد شددت على أن مستوى النظافة في مناطقهم تدنى عن مستواها السابق. وأن الأمانة تقوم بأعمال جيدة، لكنها ليست أولوية لهم (مثل بناء الجسور والأنفاق)، فالأولوية بالنسبة لهم هي النظافة ومكافحة الحشرات. وانتقدت المجموعة تركز المرافق الثقافية للأمانة في عمان الغربية بينما المناطق الشرقية محرومة منها، وسجلت هذه المجموعة نوعاً من الشعور بوجود محاباة للمناطق الغربية الغنية على حساب المناطق الشرقية من عمان.

وعموماً كانت هذه المجموعة البؤرية أكثر انتقاداً، حيث سجلت أن الأمانة لا تأخذ برأي السكان، ودعت إلى مأسسة مشاركة المواطنين في عملية صنع القرار في الأمانة. وأخيراً أظهرت المجموعة رغبتها الجماعية في المشاركة، إذا فُتِح لهم باب الحوار الخاص بالمدينة وأعمال الأمانة، وأظهروا استعدادهم للخضوع لدورات تدريب على مهارات الحوار والتأثير.

إن الخلاصة التي يخرج بها قارئ الكتاب/ الدراسة هي أن تدني مشاركة العمّانيين في القرارات المحلية التنموية التي تتخذها أمانة عمان، كانت وما تزال مشكلة تعاني منها المدينة وسكانها حتى اليوم. فقد أجريت الدراسة في مرحلة سابقة للمجلس الحالي للأمانة، لكن لا يبدو أن حلولاً وضعت للحد من حالة  إقصاء المواطنين عن عملية صنع القرار، وربما تفاقم هذا الوضع أكثر.

لقد استخلصت دراسة د. هيام كلمات بأن هناك شعوراً عاماً بالاستفادة من مشاريع الأمانة، وربما مايزال هذا هو شعور العمانيين اليوم. لكن هذا الرضى لا يمنع هؤلاء من الشكوى من إقصائهم وتهميشهم، ومن الطابع المركزي والأبوي لعملية صناعة القرار في الأمانة. كيف لا والقوانين والأنظمة المؤطرة لعمل الأمانة تشجع على ذلك. كما أن ضعف ثقافة المواطنة عموماً ومواطنة المدينة، قد فاقم لا مبالاة المواطن، وإحساسه بأن لا رأي له في قضايا مدينته ومستقبلها.

تُشكر أمانة عمان على دعمها نشر كتاب "الحاكمية الحضرية الرشيدة- حالة دراسة لأمانة عمان الكبرى"، لكن السؤال الذي بقي من دون اجابة: هل قرأ أعضاء مجلس الأمانة الاستنتاجات التي خرج بها الكتاب؟ من قرأ، وماذا فهم، وماذا فعل؟

hani.hourani@alghad.jo

التعليق