رؤية في التعديل الوزاري ومخاطر المرحلة

تم نشره في الاثنين 2 آذار / مارس 2009. 02:00 صباحاً

بعد أن استوت سفينة الحكومة على الجودي، واستقر حالها على ما توافق عليه الرئيس ومن استشار، وبعد أن غادر السفينة من غادر وعلاها من علا، نرى من واجبنا اتجاه هذا الوطن العظيم أن نشير الى الهنات ومواقع الخلل والخوف، من خلال نظرتنا الى الحقيقة بمعزل عن كل الرغبات التي تحكم ساحات التشكيل والتعديل السياسي الحكومي.

فالتشكيل والتعديل لا يمكن التعامل معهما على أساس أنهما سلعة تنزل الى السوق السياسية بالمزاد السري حينا والمزادات العلنية أحيانا أخرى، فذلك يكرس الضعف والوهن في جسم الوطن، ويخلق تناقضات بين شرائح سياسية ومجتمعية ويجعل من الجغرافيا والعشيرة عاملين وحيدين للاختيار بينما من الواجب أن تكون المصلحة العامة فوق كل اعتبار. بل يجب أن يهدف التشكيل والتعديل الى خلق بيئة سياسية فاعلة قادرة على إزالة كل الدوافع والمحرضات التي قد تعصف بالأخلاق المجتمعية، بل إن هدف التشكيل الحكومي يجب أن يرتكز إلى برامج لإزالة كل مظاهر التردي السياسي والأخلاقي والاجتماعي والقضاء على المظالم الاجتماعية وخلق جو عام ينهض بالشعب في كل مناحي الحياة.

ومن هنا، فإن أي تشكيل أو إعادة تشكيل أو تعديل وزاري يجب أن تأخذ فيه الأوضاع السياسية والظروف الاقتصادية وباقي الشؤون الوطنية العاجلة منها والمؤجلة حيزا كبيرا من التفكير يسبق التفكير في اختيار الفريق الوزاري المؤهل والمتناغم والمنسجم القادر على الإنجاز في ظل الظروف العادية، فكيف يكون الحال في ظل المتغيرات والتحولات والأحداث المحلية والإقليمية والدولية التي تحاصرنا، وتتمثل في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، التي أفرزتها حقبة الفريق الاقتصادي الليبرالي المتشدد من عجز كبير في الموازنة واختلالات في البرامج والمشاريع وفقر وبطالة واتساع الفوارق الاجتماعية وتلاشي الطبقة الوسطى وفساد وإفساد وتراجع في عملية الإصلاح السياسي، وتهميش للدور الأردني في الساحة الشرق أوسطية، وغياب النظام الرسمي العربي وإعصار مالي واقتصادي عالمي قد تمتد إلينا ظلاله الثقيلة، وتوجه أميركي للانسحاب من العراق وانقسامات وانشقاقات في الصف الفلسطيني، وما تفرع عن غزو غزة من أيقاظ للأحلام الإمبراطورية لبعض الدول المحورية في الإقليم، وبروز التيارات الدينية كقوة لا يمكن تجاهلها تعمل كرأس حربة في مواجهة أطماع إسرائيل في المنطقة والتصدي للغزو الثقافي الغربي ومشاريعه التفكيكية.

والأهم من هذا وذاك إحياء الحلم الإسرائيلي الكبير بوصول اليمين الإسرائيلي المتطرف للسلطة بزعامة نتنياهو، هذا الرجل الذي جمع أوراق التطرف من جميع أطرافها وافتأت على الحقائق، واعتبر أن جذور الصراع العربي الإسرائيلي لا علاقة لها بالأساس بالأرض، باعتبار أن هذه الأرض إسرائيلية مسلم بها، وليس للفلسطينيين أية حقوق فيها، وأحال جذور الصراع الى كراهية العرب للغرب لأن إسرائيل تنتمي الى الغرب، بل هي جزء منه، لذلك انتقلت الكراهية العربية الى اليهود كتحصيل حاصل، ناهيك عن البرنامج الذي ضمنه في كتابه "مكان تحت الشمس"، الذي يركز فيه على أهمية احتفاظ إسرائيل بالعمق الاستراتيجي الحالي التي تمثله مناطق الضفة الغربية والجولان، فالضفة تمثل جدارا واقيا في مجال الدفاع عن إسرائيل والتخلي عنها كابوس أمني، وكذلك الأمر بالنسبة للجولان، وكلاهما - أي الجولان والضفة - يشكلان مجالا حيويا بالنسبة لإسرائيل خاصة فيما يتعلق بالمياه.

كما يعتبر نتنياهو أن مفتاح المستقبل لدولة إسرائيل ولحل كافة مشاكلها السكانية يكمن في هجرة اليهود الى إسرائيل الأمر الذي سيقود الى انفجار سكاني يشكل خطرا على عرب 48، وفق برنامج إسرائيل الرامي لتهويد الدولة العبرية وتهجير الشعب الفلسطيني من الضفة في إطار سياسة توسيع المستوطنات وبناء الجديد منها واستمرار الحصار على مدن الضفة وتحويلها الى جزر مستقلة يصعب العيش فيها.

وواضح أن إصرار إسرائيل على التمسك بما احتلته من الأراضي سيُجهض مشروع الدولة الفلسطينية، ويقود بالتالي الى تصفية القضية الفلسطينية الأمر الذي يشكل خطرا مباشرا على الأردن. ولا يقف مشروع نتنياهو عند هذا الحد فهو وبكل صراحة يحدد شكل السلام الذي يسعى إليه والذي يستثني كليا إعادة الأرض المحتلة الى أصحابها الشرعيين ويكتفي بمبادلة السلام بالسلام على أن يكون ثمن التطبيع العربي الكامل ثمنا بخسا، يقتصر على تبادل تجاري واستغلال للموانئ الإسرائيلية على البحر الأحمر وتعاون مائي وسياحة وسهولة وصول المواطنين العرب الى المؤسسات الطبية في إسرائيل وحصول الأطباء العرب على تأهيل مهني في إسرائيل.. هذا هو السلام الذي يريده نتنياهو.

على الرغم من ذلك فإنّ حجم التحديات التي يواجهها الأردن لا يخيفنا ولا يرعبنا. فالأردن المنيع المحصن بثوابته ونظامه وإنسانه الأغلى قادر على التصدي وقادرعلى الردع. ومع ذلك علينا أن نعي أن هذه المخاطر لا تسمح لنا بالترف في الطرح ولا بالبقاء متفرجين، بل لا بد لنا أن نعد العدة لأسوأ الاحتمالات حتى نكون مستعدين للتصدي لها وحماية المكتسبات الوطنية التي تم إرساؤها.

من هنا، علينا أن نعمل بجد واجتهاد وبكل إخلاص على تعزيز الجبهة الداخلية ضمن رؤى وطروحات مدروسة ومتناغمة مع المصلحة الوطنية ومن برامج عمل تتوافق مع المتطلبات الضرورية والملحة جدا، وأن تعمل على وضع الخطط والبرامج القابلة للتطبيق القريب في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على أن يتصدر لوائح الإصلاحات إرساء مفاهيم الديمقراطية والتعددية التي لا يمكن ترجمتها عمليا إلا من خلال إعادة النظر بمنظومة التشريعات المتعلقة بالحريات العامة بما فيها قانون انتخابات جديد، والتأكيد على المشروع النهضوي القومي ورسالة الثورة العربية الكبرى المرفوضين من جانب فريق في هذه الحكومة، على الرغم من كونهما من ركائز التجديد الضرورية الضامنة لشرعية الكيان والنظام واعتماد سياسات خارجية تخرجنا من دائرة الاصطفافات، بحيث تحكمنا المصلحة الوطنية العليا، التي تنسجم مع خصوصية الشعب الأردني ومشروعه القومي، والخروج من دائرة البرامج الاقتصادية لليبراليين المتشددين وتبني مشاريع وبرامج تراعي الاعتبارات الاجتماعية والإنسانية في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما لا بد من التصدي لبؤر الفساد والقضاء عليها نهائيا خاصة وأن هذا الملف أمسى من الملفات التي تثقل كاهل الأداء الحكومي وتثير الأقاويل في الشارع الأردني وتتعارض مع كل القيم الأخلاقية والإنسانية، وتشكل عقبة كأداء تعترض مسيرة التنمية السياسية والاقتصادية، وبالتالي فقد أصبح لزاما على الحكومة العمل على اجتثاث الفساد من جذوره.

في ظل تلك الظروف والمعطيات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، التي أوردناها سابقا، والتوقعات بأن تفرز هذه المرحلة متغيرات كبيرة في نهجنا وسياساتنا من أهمها استبدال الفريق الاقتصادي الليبرالي المتشدد الذي أرهق موازنات الدولة عبر العقد الأخير من الزمن بفريق اقتصادي وطني يراعي كافة الاعتبارات، وفي مقدمتها الاعتبارات الاجتماعية والإنسانية، والعمل على اختيار وزراء سياسيين يتسمون بالكفاءة والقدرة على القيادة والتناغم ويتمتعون بمكانة مميزة وقواعد واسعة تؤهل الحكومة للتصدي لاستحقاقات المرحلة القادمة.

لكن جاءت الولادة العسيرة للتعديل مغايرة لمعظم المعايير والمعطيات التي بنينا عليها آمالنا. فرغم مكانة دولة الرئيس وكفاءة البعض واحترامنا للباقي، فإنّ الحقيقة التي لا شك فيها أن القاعدة التي اعتمدت، والتي تمثلت في تبادل الوزارات والإبقاء على فريق الأجندات واعتماد الجغرافيا والعشيرة دون الكفاءة، لا يمكن أن تولد وزارة يحكمها التجانس والانسجام قادرة على تحمل المسؤوليات في دوامة الأعاصير والعواصف التي ستجتاح المنطقة، خاصة بعد أن بدأت ملامح المتغيرات الإقليمية تتضح أكثر من أي وقت مضى. وما التطورات التي حصلت في إسرائيل في الآونة الأخيرة والتصريحات التي صعدت على سطح الأحداث هناك إلا مؤشر واضح على مدى الخطر الذي يحدق بالنظام العربي بشكل عام والأردن بشكل خاص.

إن المهام المنوطة بالحكومة لن تكون كما درجت عليه العادة سهلة وطبيعية، لذلك فإننا سنكون بحاجة إلى فريق قادر على صناعة القرار مهما كان القرار صعبا، والخروج ببرامج سياسية واقتصادية وإعلامية متطورة قادرة على الرد على كل الأصوات التي ترددت والتي ستتردد في الفترة المقبلة، وسيكون من صلب مهامها ترجمة السياسات التي تدعم موقف الأردن الوطني وتبني على توجهات القيادة الأردنية.

ما نكتبه وما ننبه منه ليس نظرة افتراضية أساسها النزوع الى التطرف في الطرح، أو انعكاساً لهوىً في النفس، بل إننا ننبه مما نراه ونستشعره ويراه ويستشعره كل المخلصين المتنبهين للأخطار المحدقة بالوطن، والواعين الى ضرورة الإصلاح الداخلي، وقد يغيب ذلك عن أعين الغارقين في مسائل التشكيل والتوزير والتعديل باستمرار. فالوطن ليس حقيبة، ونحن لسنا مسافرين.

*أمين عام حزب الجبهة الأردنية الموحدة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الرؤية (youmna)

    الاثنين 2 آذار / مارس 2009.
    ما لم يقله الكاتب ان التعديلات الوزارية غير منعة فلا احد يعلم لماذا اقيل فلان ولما بقي الاخر ولماذا وعى اي اساس تم تبادل الحقائب الوزارية وما لم يقله ايضا ان المواطن الدافع للضريبة من حقة ان يكون له رأي فيما يجري فرواتب ومكافئات الوزراء والنواب والاعيان العاملون منهم والسابقون هي من خزينة الدولة واذا علمنا ان اكثر من ثلثي هذه الموازنة يتأتى من الضرائب المباشرة كضريبة الدخل والضرائب غير المباشرة كالمبيعات والجمارك وغيرها من الضرائب الكثيرة لعلمناان من حق المواطن الذي يكد ويتعب ويبق الدم ان يكون له رأي في كل ما يجري
  • »الشركه الاردنيه (فاروق العبادي)

    الاثنين 2 آذار / مارس 2009.
    معالي ابوهزاع السؤال من يوقف ما يفعل الفريق الاقتصادي الذي ما زال يعمل في التشكيله الحكوميه ومتى يصبح التفكير عند اغلب المسؤولين ان الاردن مقر لا مفر ومتى تشكل حكومات
    تخدم الاردن الوطن وليس دولة المصالح والجنسيه والمصالح الموسميه.
  • »تفاؤل (سهير منصور)

    الاثنين 2 آذار / مارس 2009.
    نشكر معالي ايمن المجالي عن ما اورده في مقاله , واننا نفخر ان تقال الاراء بتجرد ومنطقية ومن غير السعي الى المنفعة الذاتية وهذا يدعو لاحترام الرأي وتفهم ماورد فيه,
    ان موضوع التعليق (تفاؤل) اصبح شيء من الماضي لاننا كل مرة نقول لعل وعسى ان يكون القادم افضل وما نقرؤه من تصريحات يجعلنا نتفاءل بان حال الوزارات سيتغير للافض وانه سيكون هناك مسؤولون على درجة من العلم والوعي بعيدا عن المحسوبية , ولكن وكان هذا النهج المتبع لا نعرف غيره.
    لعل وعسى بابقائنا على حس التفاؤل يأتي اليوم الذي نرى فيه شخوص قادرة على حمل المسؤولية بكل ما نواجهه من تحديات على جميع الاصعدة .
    وكل تعديل ونحن بخير
  • »معالي ابو هزاع اهل للسياسه (سليم المجالي)

    الاثنين 2 آذار / مارس 2009.
    لا شك بأن المرحله من الخطوره ما يستوجب ان تتظافر كافه الجهود لبلوره رؤية موحده وصناعه حاضر ومستقبل مشرق للاردن وانا شخصيا" ارى في طروحات الجبهة الاردنية الموحدة ما يغني المسيرة
  • »أظن أننا نعيش في ورطة وأنا لست من المتشككين (زياد الباشا)

    الاثنين 2 آذار / مارس 2009.
    ان هناك أزمة متفاقمةوهي من فعلنا لعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة بالسرعة اللازمة.
    وباعتقادي ربما هناك نوع من الترهل وعدم الاكتراث في التعاطي مع الوضع الراهن.معالم هذا الترهل واضحة مثل"عدم حل الأمور العالقة مثل أزمة البورصات والتخففت على الناس وتييسر تعويضهم بسرعة من الأموال المحصلة.أما معالجة الرئيس لموضوع التضخم في أسعار النفط كان بفعل تقبل الناس ولا فضل له في ذلك. وعليه فأن الفريق الحاكم من رئيس ومحافظ بنك مركزي وفريق إقتصادي لا يتمتع بأهلية قراءة المعطيات ولا التعامل مع هذه القراءة. أن هنالك تحرك نشط في كل دول العالم من الولايات المتحدة الى أوروبا الى "أسيان" واليابان والصين ولكن المشهد عندنا يخلو من الحركة وللأسف . شو القصة وعليش مركننين مش فاهم.لا أريد التحدث بالسياسة فهنالك من أقدر مني ولكن نحن بحاجة الى تغيير سريع للتعامل مع الوضع .
  • »المجاليوون هم رجال المهمات الصعبة (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الاثنين 2 آذار / مارس 2009.
    أن خلفيتك السياسية والعائلية تؤهلاكا لأن تطرح على الدولة رؤيتك عن قانون الأانتخابات .فبدون هذاالقانون سنظل نتخبط أكثر وأكثر ..
    أرجو أن يأتي حزب الجبهة الأردنية الموحدة عن تعريف من هو الأاردني ، وماذا يطرح الحزب لأيجاد قانونا للأنتخابات
    حينها سينضم الكثير من المواطنين ، وأنا اولهم حينما تتضح أمامنا رأيكم السديد بهاتين النقطتين ..علما بأنني دوما أقول بأن المجاليين هم رجال المهمات الصعبة ,فالمغور له رحمة الوالد باذن الله دفع روحه الطاهرة ثمنا لحلف بغداد