إبراهيم غرايبة

فرص جديدة تتشكل في اقتصاد المعرفة

تم نشره في السبت 21 شباط / فبراير 2009. 02:00 صباحاً

أتاحت شبكة الإنترنت المجال لتطبيقات جديدة متخصصة لإدارة عمليات عالمية تجارية وثقافية وعسكرية ومهنية وتعليمية بتكاليف قليلة

إذا كنا نتحدث عن عالم تعتمد نسبة كبيرة من خدماته وأعماله على المعرفة والاتصالات والإنترنت فإلى أين سيؤدي ذلك؟

عندما أتيحت شبكة الإنترنت للعامة في منتصف التسعينات بدأ يتجمع في الشبكة آلاف الملايين من الشركات والأفراد يتبادلون المعرفة والخدمات والسلع، ونشأت على الفور شركات عملاقة لتقديم الخدمات عبر الشبكة مثل ياهو وغوغل وأمازون، كما نشأت قواعد وادوات جديدة للتأثير والمعرفة، لخدمة القضايات السياسية والبيئية والتسويق، والعلاقات التجارية، والعمل المهنى المشترك في كل المجالات.

وأتاحت هذه الشبكة المجال لتطبيقات جديدة متخصصة لإدارة وتنظيم عمليات عالمية تجارية وثقافية وعسكرية ومهنية وتعليمية بتكاليف قليلة، وجُعلت العالمية في العمل والعلاقات عملية يمكن أن تكون فردية أو تقوم عليها شركات صغيرة، ولم تعد حكرا على الدول والشركات العملاقة، فالعمل الدولي أو متعدد الجنسيات لم يعد يعني بالضرورة استثمارات هائلة، ولكنه قد يشمل مكاتب تجارية ومهنية فردية ومؤسسية صغيرة أيضا مثل البرمجة والمحاسبة والاستشارات والخدمات الإعلامية والإعلانية وتصميم البيوت والعمائر وشبكات التدفئة والتبريد، وهكذا فقد نشأت في الشبكة وحولها مجموعات هائلة من الأعمال الصغيرة، مثل مكاتب المحاسبة والتصميم والإعلان والصحافة التي تقدم خدمات لجهات أخرى حول العالم بلا حاجة للانتقال إلى هناك كما كان الأمر في السابق، ولا يقتصر العمل على تبادل  الخدمات عبر الشبكة ولكن أيضا العمل  المشترك، أو تقسيم العمل والمؤسسة الواحدة، كأن يكون التصميم في الأردن والمحاسبة في الهند والإنتاج في القاهرة وذلك لمؤسسة واحدة متوسطة أو صغيرة الحجم، أو إحالة أجزاء من العمل لجهات أخرى قد لا تخطر على بال، مثل تنظيم الحجز لشركات الطيرات عبر مجموعة من ربات المنازل أو الأفراد العاملين في منازلهم أو مكاتبهم الخاصة.

أنظمة الطلب الحاسوبية هذه حولت الإنترنت من مستودع عملاق بلا حدود إلى ساحات وورش ومكاتب عمل، تقدم صورة بالأشعة السينية لمريض في بوركينا فاسو لطبيب يعمل في مستشفى أرافيند الهندي، وتنظم عمليات للتسويق والشحن والتحكم والاتصال والخدمات والتحويلات المالية.

وكانت محركات البحث العملاقة عبر الشبكة مثل ياهو وإم إس إن وألتا فيزتا وغوغل طريقا واسعا في البحث عن المعرفة والخدمات والشركات والأفراد والنصوص والصور والموسيقى والكاتلوغات لأغراض الصيانة والتسويق والمواصفات.

ولكن الأمر أبعد من ذلك وأعقد بكثير، فمحركات البحث تقدم خدمات استرجاعية بلا حدود لعدد هائل من الأغراض والأهداف في البحث العلمي والصيانة والتسويق والاتصال والرسائل التجارية والإدارية والعقود والطلبيات المختلفة والمواصفات، هذه المصادر المفتوحة تتلقى وتعطي في كل لحظة من الخدمات والمعطيات والمعلومات على نحو يصعب اليوم وصف تداعياته ومتوالية تطبيقاته وامتدادها في نسيج الفرص والحياة، ولكنا نحتاج جميعا مفكرين وباحثين ومهنيين متخصصين وأفرادا عاديين أن نطلق العنان لخيالنا وأفكارنا لنحيط بالحياة والعالم والفرص والأعمال في المستقبل القريب والبعيد.

ومن الاستخدامات الجديدة التي لم تستقر تداعياتها بعد في المصادر المفتوحة  ظاهرة "البلوغز" والموسوعات المفتوحة على الإنترنت للتحرير والإضافة والتصحيح مثل موسوعة "ويكي بيديا" والمعروفة بموسوعة الناس، فقد بدأ المشروع بمئات من المقالات المتخصصة التي أعدها أساتذة جامعيون وضعت على الإنترنت ودعي الجمهور للمساهمة فيها، وتحوي الموسوعة اليوم أكثر من مليون مقالة في 50 لغة، وصارت أكثر شعبية من الموسوعات التقليدية مثل بريتانيكا، وبرغم أنها تبدو فكرة مجنونة فإنها تتحكم بنفسها وتصحح الأفكار والمعلومات وتتيح المجال للمناظرة والرد وطرح وجهات النظر المختلفة، ولا تبقى المساهمات المتحيزة والخبيثة عليها بل تحرر وتغير بسرعة.

ولا تقتصر الفرص المجانية على موسوعة ويكي بيديا، فأنت تستطيع أن  تبني مجانا مجموعة عملاقة من الكتب والبرامج والموسيقى واللوحات الفنية والصور والدراسات والمخططات والكاتالوجات لجميع الأغراض والاهداف العلمية والعامة والتجاية. إن مكتبة تضم ملايين المصادر لم تعد مشروعا هائلا تقوم عليه دول غنية ومتقدمة، ولكن يستطيع شاب نشط أو فرد عادي إنشاء مثل هذه المكتبة بإمكانيات فردية محدودة لا تتجاوز جهاز حاسوب مرتبطا بشبكة الإنترنت، وكذلك الأمر بالنسبة للتعليم والتدريب والتطوير المهني في كل المجالات والتخصصات.

وقد أمكن لشركة ITC  في الهند تقديم خدمات في جميع أنحاء الهند للمزارعين لمعرفة الأسعار بواسطة الإنترنت، وهي بذلك حصلت على أرباح كبيرة وفي الوقت نفسه فقد ساعدت المزارعين في الهند على التخلص من استغلال الوسطاء والاستغفال والابتزاز الذي كانوا يخضعون له بسبب عدم قدرتهم على الإحاطة بالخيارات الممكنة لهم لتسويق منتجاتهم.

ومن شأن التوسع في العمل التجاري والمعرفي بين الفقراء تحقيق تحولات اجتماعية وثقافية بينهم تخلصهم من الضعف، وتنمي الانتماء والمشاركة، والإحاطة بخيارات عدة لإسماع أصواتهم وللحصول على خدمات أفضل وتسويق خدماتهم ومنتجاتهم، وتتقدم بهم هذه الحالة إلى مستويات اجتماعية وديمقراطية تعزز الحكم الرشيد والجودة في الإدارة والخدمة، وترتقي أيضا بمستوى أعمالهم وسلعهم، وتطور حالة التنافس في الأسواق والأعمال، وهي حالة اجتماعية واقتصادية سرعان ما تنعكس اقتصاديا ومعيشيا وإنتاجيا على الأفراد والمجتمعات.

فيمكن الحصول على استشارات ومراجعات ومراقبة فنية اليوم في الزراعة والإنتاج والطب والصناعة والإدارة بلا حواجز ولا اعتبار للمسافات وبتكلفة قليلة، وأمكن مشاركة فئات كثيرة في العملية الاقتصادية والإنتاجية كالنساء والعائلات وسكان المناطق البعيدة والمعزولة وكبار السن وذوي التحديات الحركية.

 [email protected]

التعليق