البلديات: نحو ديمقراطية تفاعلية

تم نشره في الجمعة 20 شباط / فبراير 2009. 02:00 صباحاً

واحدة من سمات عالمنا اليوم، عالم القرن الواحد والعشرين، أنه عالم مديني، ويزداد تمديناً كل يوم. يقطن في مدن وتجمعات حضرية كبيرة اليوم نحو 2.8 بليون انسان، او ما يقارب نصف سكان العالم، وبالدقة 47% منهم. والأهم من ذلك أن 90% من الزيادة السكانية العالمية خلال العقود الثلاثة الأولى لهذا القرن سيكون مصدرها نمو سكان المدن. وهذه الزيادة السكانية ستصل الى نحو 2.5 بليون نسمة جديدة عام 2030، مقارنة مع مطلع القرن.

يزداد عدد سكان المدن المليونية بسرعة، فهناك 83 مدينة يقطنها حالياً مليون انسان أو أكثر، ونحو نصف هذا العدد (تحديداً 41 مدينة) يتجاوز سكان كل منها الخمسة ملايين نسمة، ويتوقع ان يصل عدد المدن التي يقطنها عشرة ملايين نسمة أو أكثر الى 23 مدينة خلال عقدين فقط.

تقود هذه الأرقام إلى حقيقة مفادها أن التحدي الأبرز لهذا القرن هو الوصول الى ادارة حضرية فعالة، للتعامل مع هذه الزيادة الهائلة لعدد سكان المدن وللمشكلات المترتبة على اكتظاظها، ولا سيما توفير مصادر المياه النقية الكافية وإدارة النفايات والصرف الصحي وتأمين طاقة مستدامة ووسائل نقل آمنة بأكلاف معقولة ورفيقة بالبيئة، والاستخدام الرشيد للأراضي ووقف الاعتداء على الأراضي الزراعية أو القابلة للزراعة.

وتتفاقم المشكلات المارة بصورة خاصة في مدن البلدان النامية، ومنها المدن العربية، حيث تزداد الضغوط السكانية على البنية التحتية التي تتآكل وتفتقر الى الصيانة والتجديد، بفعل الهجرات السكانية من الأرياف الى المدن، وأحياناً بسبب النزاعات والحروب الداخلية وما بين الدول، ما يعاظم موجات الهجرة القسرية والزيادات الكبيرة للتجمعات الحضرية. وتقسم مدن البلدان النامية خطوط طبقية وتنموية واضحة المعالم، ما بين الأحياء الفقيرة والعشوائية والأحياء الغنية أو المحظوظة، حيث تظهر الفوارق فيما بينها على مختلف المستويات، ما يبذر بذور صراعات ونزاعات صامتة، تتحول في أحيان معينة الى مواجهات عنيفة.

وبقدر ما ان عالم اليوم هو عالم يزداد تمديناً وتحضراً فإنه أيضاً، وفي الوقت نفسه، عالم يزداد عولمة، وتطرح الظاهرة الأخيرة تحديات جديدة، لا تقتصر على التأثيرات السلبية اقتصادياً على أعداد متزايدة من سكان المدن، حيث يفقد قسم من سكان المدن وظائفهم جراء النمو المتفاوت للقطاعات الاقتصادية في كل بلد، وحيث تنمو قطاعات ريادية ومتقدمة تقنياً مثل الاتصالات والخدمات وتضمحل في الوقت نفسه القطاعات السلعية التقليدية. وتطرح العولمة على المدن والإدارة الحضرية فيها تحديات أخرى تتصل بهويتها الثقافية ونمط عمرانها وتنظيمها وأساليب الحياة فيها.

هذه التحديات فرضت على علماء السياسة والاجتماع والادارة الانتقال باهتمامهم من المستويات الوطنية الكلية الى المستويات المحلية، حيث تدار شؤون أعداد متعاظمة من السكان على هذا المستوى، من خلال البلديات التي يتعاظم دورها في الحياة اليومية للمواطنين.

ولهذا السبب فقد طورت المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات (International IDEA)، وهي مؤسسة تحظى بسمعة مرموقة في العالم، ومقرها في السويد دليلاً خاصاً لتقييم الديمقراطية على المستوى المحلي، سعياً منها لإرساء قواعد لديمقراطية عالية الجودة، توفر من خلالها المؤسسات العامة، ومنها البلديات، درجات أعلى من المسؤولية والاستجابة للمشكلات الاجتماعية، وتمنح المواطنين صوتاً وتأثيراً أكبر في القرارات التي تنعكس على حياتهم اليومية. جاء ذلك من خلال إصدارها في عام 2001 دليلها المسمى: "الديمقراطية على المستوى المحلي، دليل IDEA العالمية في المشاركة، التمثيل، وإدارة النزاعات والحكم الجيد".

تقترح المؤسسة المذكورة، أي International IDEA، مقاربة متطورة لتقييم الديمقراطية المحلية، انطلاقاً من استقراء مكونين رئيسيين للديمقراطية المحلية هما: الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التفاعلية، وتخضع كل منهما للدراسة والتقييم على صعيد المؤسسات والعمليات أو الممارسات في كل منهما.

لقد اعتدنا، تقليدياً، تركيز الضوء على الديمقراطية التمثيلية باعتبارها الميدان الرئيسي لاختبار فعالية الممارسة الديمقراطية، ونعني بها البنية التنظيمية للديمقراطية مثل البرلمان والانتخابات والأحزاب السياسية. وكنا نقيّم صلاحية النظم الانتخابية المستخدمة من أجل التأكد من ترجمة إرادة الناخبين وتوجهاتهم، ولقياس مدى نزاهة وحرية العمليات الانتخابية وفعالية وحيادية اداراتها.

لكن المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات تقترح، فضلاً عما مر مستوى آخر تسميه "الديمقراطية التفاعلية". فهي تقيّم مدى إشراك المؤسسات التمثيلية (كالبرلمان أو المجالس البلدية) للمواطنين في عملية صنع القرارات ووضع السياسات وتنفيذها، وكذلك الأدوار التي يضطلع بها المجتمع المدني في التأثير على القرارات العامة. وفضلاً عن ذلك فإنها تدعو لاختبار وتقييم الممارسات من خلال قياس وتقييم طرق ووسائل مشاركة المواطنين في جانب البلديات والمجتمع المدني المحلي في تقييم السياسات بصورة تفاعلية.

وتشدد منهجية تقييم الديمقراطية المحلية على التقييم النوعي وليس فقط الاعتماد على المؤشرات الكمية او الرقمية، من خلال إشراك جميع المعنيين في عملية التقييم، أي واضعي السياسات والمواطنين والفاعلين السياسيين، الذين يملكون المعرفة المباشرة بالمجتمع المحلي.

كيف تقيس مؤسسة IDEA الادارة المحلية الديمقراطية وجودة ديمقراطيتها ونجاعة طابعها التفاعلي؟ تقول المنظمة المذكورة ان هناك أربع ميزات أساسية للإدارة المحلية الديمقراطية هي: "انفتاحها التام على المواطنين؛ اتسام معاملتها لمواطنيها بالإنصاف والمساواة؛ شفافية بنيتها التنظيمية وإجراءاتها؛ وأخيراً استجابتها لاحتياجات مواطنيها".

وتشدد المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات ان مواجهة المدن لتحديات العولمة والضغوط المعاصرة يتطلب من المدن "اعتماد وتنفيذ جرعات كبيرة من الادارة الجيدة والرشيدة، بما في ذلك اعتماد مجموعة من النظم والعمليات والممارسات الديمقراطية التي تتمتع بصفات الشفافية والنجاعة". وتنتهي الى القول "ان نجاح المدن أو فشلها وتخبطها في مواجهة تحديات التنمية والتطوير يعتمد إلى حد كبير على جودة الديمقراطية في ادارتها بشؤون الحكم المحلي".

الكلام أعلاه كلام جميل ويبدو نظرياً وبعيداً عن واقع بلدياتنا. لكن الخبر الجيد أن المؤسسة السويدية (IDEA) قررت اختبار منهجها لتقييم الديمقراطية المحلية في العالم العربي، من خلال دراسة حالة البلديات في أربع دول عربية هي الأردن، مصر، اليمن والمغرب، وذلك بالتعاون مع مراكز بحثية مختارة في هذه البلدان.

وفي هذا الإطار فقد دُرِسَت عينة صغيرة من البلديات والمجتمعات المحلية في البلدان الأربعة، ووضعت عنها تقارير وطنية، سوف تكون موضع بحث في ورشة اقليمية تعقد في نيسان (ابريل) القادم. لكن قبل ذلك سوف تنعقد خلال آذار (مارس) المقبل ورش وطنية في كل بلد، تستخلص منها توصيات متوسطة وطويلة المدى لتطوير أوضاع البلديات والمجتمعات المحلية في هذه البلدان.

ليس من السهل التكهن بمدى فعالية المنهج الذي اعتمدته IDEA لتقييم فعالية بلديات العالم العربي. لكن لن ننتظر طويلاً حتى نعرف حصيلة هذه التقييمات. المهم ان ضمن بؤرة التركيز التي تنتقل عالمياً نحو المستوى المحلي، لن يكون العالم العربي بمعزل عن هذا الاهتمام الكوني المتعاظم بالمدن والحكم المحلي.

hani.hourani@alghad.jo

التعليق