جهاد المحيسن

موت في موسم الهجرة إلى الشمال

تم نشره في الجمعة 20 شباط / فبراير 2009. 02:00 صباحاً

شكلت روايات الطيب الصالح انقلابا في الرواية العربية من حيث بساطة اللغة والكشف عن أعماق النفس وصراعها الدائم مع ثقافة الآخر.

في اقل من عام فجعت الثقافة العربية برحيل ثلاثة رموز من أهم رموز الثقافة في العالم العربي، "عبد الوهاب المسيري"، المفكر الذي قضى عمره كله يفكك فكرة الصهيونية، ومحمود أمين العالم، والطيب الصالح الذي عاش الغربة، ولم تعش الغربة فيه فرغم التنقل والهجرة شمالا بقيت مواجعه في داخله وأحياها في دواخلنا.

 تلك الروايات، التي شكلت الكثير من الأبعاد الوجدانية والمعرفية، جعلت من الوطن حالة وجدانية تحل علينا بروح عاشقة تسكن مناطق الحنين والعذوبة الوجدانية في دواخلنا، وشكلت رواياته انقلابا في الرواية العربية من حيث  بساطة اللغة والكشف عن أعماق النفس، وصراعها الدائم مع ثقافة الآخر.

فعندما نتذكر نساء مصطفى سعيد، وهو يغوص في المجتمع الغربي ليعكس لنا ثقافة ومفاهيم جديدة تحتاج للدراسة والتحليل باعتبارها أول مادة خام عن الجنوب، هذا الجنوب المنسي والمجهول بكل طقوسه وخصوصيته وتقاليده، ثم إنّها من جهة أخرى مسبار شرقي لسرد مضاد للثقافة الاستعمارية، وهذا ما جعل "موسم الهجرة إلى الشمال" إحدى مرجعيات إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" كمعادل لنص استعماري هو "قلب الظلام" لجوزيف كونراد.

وكذلك "عرس الزين" المثال الحيوي والصادم على اشتباك السرد مع الواقعية السحرية في تجلياتها المحلّية الخالصة، واستنفار الحواس في الوصف والكشف والاختفاء. الرائحة نفّاذة في حفريات الطيب صالح وهو يجوس عميقاً في فضح "صحراء الظمأ ومتاهة الرغائب الجنونية".

المناخ الحلمي إذاً هو الوجه الآخر لما هو أسطوري، فيما ترتبك اللحظة الواقعية وتهتزّ وسط هذه المتاهة، في بحثٍ محموم عن ذات قلقة وضائعة ومرتبكة، ما انفكت تستنفر حواسها لتضيء أسباب العتمة والغياب والتيه.

عرس الزين مشهد يومي لشكل الحياة المتناقضة يقف الطيب الصالح فيها على واقع محكوم بتناقضه اليومي، هكذا يكون النص متحررا من سلطته متوحدا في صورته المجتمعية، من اللحظة الأولى تلمس البناء المتكامل في تلك الرواية التي يختلط الواقع بالأسطورة، والحقيقة بالخيال.

"يولد الأطفال فيستقبلون الحياة بالصريخ، هذا هو المعروف. ولكن يروى أن الزين، والعهدة على أمه والنساء اللائي حضرن ولادتها، أول ما مس الأرض، انفجر ضاحكاً. وظل هكذا طول حياته كبر وليس في فمه غير سنتين، واحدة في فكه الأعلى، والأخرى في فكه الأسفل، وأمه تقول إن فمه كان مليئاً بأسنان بيضاء كاللؤلؤ".

"ولما كان في السادسة ذهبت به يوماً لزيارة قريبات لها، فمرا عند مغيب الشمس على خرابة يشاع أنها مسكونة. وفجأة تسمر الزين مكانه وأخذ يرتجف كمن به حمى، ثم صرخ. وبعدها لزم الفراش أياماً. ولما قام من مرضه كانت أسنانه جميعاً قد سقطت، إلا واحدة في فكه الأعلى، وأخرى في فكه الأسفل".

"كان وجه الزين مستطيلاً، ناشئ عظام الوجنتين والفكين وتحت العينين. جبهته باردة مستديرة، عيناه صغيرتان محمرتان دائماً، محجراهما غائران مثل كهفين في وجهه. ولم يكن على وجهه شعر إطلاقاً. لم تكن له حواجب ولا أجفان، وقد بلغ مبلغ الرجال وليست له لحية أو شارب. تحت هذا الوجه رقبة طويلة. (من بين الألقاب التي أطلقها الصبيان على الزين "الزرافة"). والرقبة تقف على كتفين قويتين تنهدلان على بقية الجسم في شكل مثلث، الذراعان طويلتان كذراعي القرد... والساقان رقيقان طويلتان كساقي الكركي".

"أما القدمان فقد كانتا مفرطحتين عليهما ندوب قديمة والزين يذكر قصة كل جرح من هذه الجروح... يحكي الزين قصته فيقول: "الجرح دا يا جماعة ليه حكاية" ويستفزه محجوب قائلاً: "حكاية شنو يا عدير؟ يا مشيت تسرق ضربوك بي غصن شوك". ويقع هذا موقعاً حسناً في نفس الزين، فيستلقي على قفاه ضاحكاً، ثم يضرب الأرض بيديه ويرفع رجليه في الهواء ويظل يضحك بطريقته الفذة، ذلك الضحك الغريب الذي يشبه نهيق الحمار. وكان ضحكه قد أعدى الحاضرين جميعاً، فيتحول المجلس إلى قهقهة مروية.

"ويتمالك الزين نفسه، ويمسح بكم ثوبه الدمع الذي سال على وجهه من الضحك، ويقول: أي... أي... مشيت أسرق".

مثل تلك الصور المطبوعة في ذهن الطيب الصالح تأخذك إلى عوالم تزخر بشخصيات تضحكك حيناً وتبكيك أحياناً، وتزرع في قلبك تلك المسحة الإنسانية التي تكشف عن براعة الطيب الصالح في الوصول سريعاً إلى مساحة إحساسات قارئه. وصفيات وسرديات وعالم هو رهن مشهد القارئ وواقعه.

[email protected]

التعليق