تغييرات السعودية: إصلاح هادئ يقود لنهضة ثالثة

تم نشره في الأربعاء 18 شباط / فبراير 2009. 03:00 صباحاً

حكم السعودية خلال القرن العشرين خمسة ملوك هم عبدالعزيز آل سعود وسعود بن عبدالعزيز وفيصل بن عبدالعزيز وخالد بن عبدالعزيز وفهد بن عبدالعزيز.

فيصل تمكن من لفت انتباه العالم إلى العربية السعودية عندما أعلن الحظر النفطي على الولايات المتحدة عام 1973 وحينها انتقلت السعودية من الهامش إلى مركز السياسة العربية والدولية، وما تزال، وفي عهد فهد كانت تجربة البناء والتحديث التي جاءت بتجربة مجلس الشورى وعدد من المؤسسات العلمية والصحية وفي السنوات الأخيرة من عمره أطلق يد ولي عهده آنذاك عبدالله بن عبدالعزيز في إدارة شؤون الدولة منذ العام 1995.

في 22 كانون الثاني1999 قررت السعودية الإعلان عن الاحتفال بمئوية الدولة، التي مرّ على تأسيسها حتى اليوم أكثر من قرن، وكان ذلك الإعلان إشارة واضحة للأهمية  التاريخية التي تكرست مع عقود الزمن، وتوالى على حكمها ملوك كبار، وكان القرن العشرون قرن البناء والتأسيس بامتياز.

بعد خمس سنوات من مفتتح القرن الحادي والعشرين للمملكة العربية السعودية بدأ عهد سادس ملوك آل سعود من أبناء عبدالعزيز الموحد، وهو الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي ولد عام 1921.

 وتكشف سيرة عبدالله بن عبدالعزيز عن مزامنة تاريخية كثيفة، لسلالة من الملوك المؤثرين في تاريخ العرب الحديث والمعاصر. وهي مزامنة مؤثرة وبالغة الأهمية في تكوين شخصية الملك الذي تبوأ سدة الحكم في لحظة صعبة من تاريخ النظام السياسي العربي الذي عاش وماتزال تداعيات الأحداث الكبرى وعلى رأسها احتلال العراق ثم اليوم حرب لبنان وآخرها حرب غزة.

عاصر عبدالله بن عبدالعزيز موحد الدولة عبدالعزيز آل سعود، وشهد  أهم الأحداث التي جرت في عهود أخوته وخبر عن قرب المؤسسة الحاكمة وإدارة الدولة وأدرك أسرار الديناميكية الاجتماعية التي تحكم الدولة وموروثها، وقد أعطته سنوات عملة في الحرس الوطني ورئاسته في عقد الستينات، خبرة واسعة في قراءة المجتمع، ثم جاءت رحلة الصقل الثانية إبان عهد الملك خالد في منتصف السبعينات عندما عين نائبا ثانيا لرئيس مجلس الوزراء، وفي عهد الملك فهد بن عبد العزيز توطدت خبراته في مدرسة الحكم عندما أصبح وليا للعهد ونائبا أولَ لرئيس مجلس الوزراء.

 انخراطه في مؤسسات المُلك السعودي وإدارته، جعله يكوّن صلات صداقة وثيقة ومتينة مع زعماء الدول العربية والإسلامية والأجنبية، وعلاقته مع الملك عبدالله الثاني ودعمه للأردن كانا بلا حدود.

عريبا بادر أيضا لحل الخلافات أولا يوم دعا لمؤتمر مكة لحل الخلاف الفلسطيني ثم مؤخرا دعوته القادة العرب للمصالحة في قمة الكويت تجسيدا لرغبته في واقع عربي أفضل، وما رسالته مؤخرا إلى الرئيس السوري إلا تأكيد على صدق نواياه وان ما قاله في الكويت لم يكن لشهوة أو لمناسبة عابرة.

لكن الملك المهتم بحوار الأديان والذي أطلق اكبر المبادرات الحوارية من مكة إلى مدريد وصولا إلى واشنطن منغمس في هموم مجتمعه إلى حد كبير، فخلال ثلاث سنوات من الحكم منذ آب 2005 استطاع أن يمسك بخيوط حاجات المجتمع، وهو يتحسس همومه ويتابع أخبار الناس، ويعي ماهية التغيير الذي يجب أن يسير إليه المجتمع ولكنه تغيير لا يرتبط بضغط خارجي أو دعوة مفتعلة، فهو مدرك لخيوط النسيج الاجتماعي وقارئ دقيق لما يناسب مجتمعه، فبرغم كل الضغوط التي قيلت عن تشدد السعودية وبرغم كل ما أثير من حديث عن واقع المرأة السعودية فإنه كان يتلقى الخبر والواقعة ولكنه يتأمل مطولا في الرد حتى كانت تغييراته الأخيرة التي أعلن عنها السبت الماضي وطالت نحو 150 موقعا قياديا في إدارة المملكة.

تميز عبدالله بن عبدالعزيز بالتوجه نحو الحداثة العاقلة، مع التمسك بالتقاليد الاجتماعية والأسس التي بنيت عليها الدولة السعودية وأهمها احترام الشريعة. والتمسك بهذه المبادئ لم يحل دون التوجه نحو الإصلاح والتغيير بخطى ثابتة.

التغيير صباح السبت الماضي يقرأ على أنه ضد التشدد والانغلاق وهو ما يفسر المجيء بشخصيات معتدلة في قيادة هيئة كبار العلماء ومجلس الشورى والقضاء وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

العلماء في السعودية أصحاب نفوذ ولهم تقدير وموقعية في بنية الدولة منذ التحالف التاريخي بين أمير الدرعية ابن محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب سنة 1157هـ/1744م، ومنذ ذلك التاريخ منح ملوك السعودية احتراما وتقديرا لدور رجال الدين العلماء المؤثرين على المجتمع، وكانت هيئة كبار العلماء مقتصرة على علماء المذهب الحنبلي، بيد أن التغييرات الجديدة أدخلت إلى جسم الهيئة علماء من كافة المذاهب السنية وهو ما يؤشر على أهمية التعدد الثقافي في حركية المجتمع.

السعي نحو الإصلاح الهادئ، كان متزامنا مع الإعلان عن مشروعات اقتصادية ضخمة ومنها مدينة الملك عبدالله الاقتصادية وعدد من المشروعات المشتركة مع دول العالم، وتوسعة الحرمين بشكل يجعل عوائد النفط ذات أثر على حياة الأفراد والمواطنين وفي تأهيل القضاء ومأسسة حقوق الإنسان وطالت التغييرات قيادات عسكرية وثقافية وجاءت بوزير مثقف وهو السفير السعودي في لبنان عبد العزيز خوجة وحملت إلى وزارة التربية والتعليم الأمير فيصل بن عبد الله بن محمد.

داخليا يضع التغيير الأخير السعودية في مرآة الإصلاح العاقل من حيث تمكين المرأة وإصلاح القضاء وضخ دماء جديدة في قيادة الدولة، وعربيا يطرح التغيير الذي حصل النموذج السعودية على انه نتاج جهد وطني داخلي بعيد عن وصاية المؤسسات والدول الغربية وإقليميا يثبت التجديد أن انشغال الدولة أي دولة بدور إقليمي يجب أن لا يؤجل أي استحقاقات.

بين السياسية والاقتصاد تتجلى حكمة الملوك، إنها معادلة التنمية الإنسانية التي يسعى إليها عبد الله بن عبد العزيز، فهو الذي خبر أثر الطفرة النفطية على المجتمع السعودي في السبعينيات، وهو الذي يوجهها اليوم نحو آفاق سديدة بعيدة عن مظاهر الاقتصاد الاستهلاكي بقدر ما استهدف منها بناء قوة مجتمعية جديدة قادرة على خلق بيئة اجتماعية مختلفة عن مورثات الأزمنة السابقة.

استهدفت إصلاحات الملك عبد الله بن عبد العزيز منذ توليه الحكم وحتى تغييرات صباح السبت الماضي الإنسان السعودي، وجاء ذلك من خلال الإعلان عن زيادة رواتب موظفي الدولة بنسبة 15% ثم الإصلاحات في سوق المال السعودي، والإعلان عن طرح مصرف الإنماء برأس مال أربعة بلايين دولار تطرح 70% منها للاكتتاب العام للمواطنين، وعمل على توسعة الابتعاث للخارج، وانضمت في عهده المملكة إلى منظمة التجارة العالمية، كما انه دعا إلى حوار وطني وانفتاح إعلامي مع التأكيد على المهنية والمصداقية واضعا بذلك ميثاق شرف للإعلام النزيه والحر.

علائم النهضة السعودية الثالثة تبدو بشكل اكبر في قطاعات التعليم والاقتصاد وتشجيع الاستثمار، وجعل المواطن شريكا في بناء الدولة، فهي بهذا النهج  محاولة لخلق ثقافة جديدة لتعميق قيم المواطنة.

الاحترام للمرأة والتأكيد على ضرورة نيلها لحقوقها هو من صلب رؤى عبدالله بن عبدالعزيز ومن هنا جاء التغيير بنورة الفايز التي درست الاجتماع والتقنيات التربوية وعملت في حقل التعليم لتكون نائبا لوزير التربية والتعليم لشؤون البنات.

يبدو الملك السادس في تاريخ السعودية عازما على تأكيد مبدأ شراكة الدولة مع المجتمع، وهو ما حاول المؤسسون الأوائل تأكيده حين كانوا يشيدون بنيان الدولة، وثبت نجاحه في ذلك الوقت، وبالتالي فان القارئ الجيد لسياسات عبدالله بن عبد العزيز يجد انه ملك أدرك ضرورة الالتفات إلى شرائح المجتمع بكل ألوانها الفكرية وخلفياتها الاجتماعية، ممن دون إهمال لأي فئة أو إقصاء لجهة ما على حساب جهة أخرى. إذ انه أدرك أهمية مشاركة الناس لهمومهم وجعلهم شركاء للدولة في سياساتها.

سياسات الصفح، بالغة الأثر في سلوك الملك عبدالله بن عبدالعزيز فالضغينة لا تجد مساحة في قلبه، والصفح عنده اقرب شيء من قلبه إلى عقله، وقد ظهر ذلك بعاطفته الشديدة التي جعلته يذرف دمعاً مرتين، في عامه الأول، مرة أولى على رفيق الدرب الذي أهله لان يكون من بعده ملكاً قوياً، وكان البكاء حين دُفِنَ أخوه المرحوم الملك فهد، والمرة الثانية حين التقى بطفلة لأحد رجال الأمن الذي استشهد في مطاردة لقوى الإرهاب والتطرف الظلامية، ثم كان قبل نحو شهر في الكويت لا يستثني أي زعيم عربي من مأساة الواقع العربي الراهن.

الثقافة والإعلام في سلم أولويات خادم الحرمين فهو المتابع الدقيق للنشاط الثقافي والفكري،  وكان دوما يشدد على أن يتبع الإعلام السعودي احدث الأساليب لكن مع حرية منضبطة ومسؤولة، والذي يرويه عنه فيصل بن عبدالرحمن بن محمد معمر الأمين العام لمركز الملك عبدالعزيز المشرف على مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، يؤكد أن الملك عبدالله رجل حُكم ومشروع تحديثي مجتمعي وثقافي بكل ما للكلمة من معنى، فهو يتابع -حسب الرواية- إعداد الزوار للمكتبة ويلاحظ حجم ارتيادهم، ويناقش في المسائل الفكرية.

ليس من المهم التوقف عند تغييرات الرياض من باب السرد أو الإطراء بقدر ما يجب التمعن في الكيفية التي آلت بها للحدوث، فهي تغييرات قاد لها عمل لجان فنية دقيقة حددت الاحتياجات وراقبت مواضع الخلل وأوصت بما يجب فعله، وكانت لها استجابة مجللة بالحكمة.

 Mohannad.mobaidin@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »انه حقا ملك القلوب (عدنان مخلوف)

    الأربعاء 18 شباط / فبراير 2009.
    حقيقة الملك عبدالله بن عبد العزيز هو مالك للقلوب بقدر ما هو مالك لزمام الامور في بلاده لديه كل الصفات الواجب توفرها في الملك واقل ما يمكن ان اقول عنه انه عربي اصيل يمتلك قلب كبير رجوله وشهامه بلا حدود عاطفته جياشه وهناك مره ثالثه ذرف فيها الملك عبدالله الدمع وكانت حينما حضر الى الاردن معزيا في جلالة المغفور له بإذن الله الحسين بن طلال حين استفبله الملك عبدالله الثاني في مطار الملكه علياء كان واضحا على خادم الحرمين التأثر الشديد . انه ملك يستحق منا جميعا كل الحب والاحترام والتقدير. ومني لك يا ملك القلوب كل الحب والانحناء امام شموخ قدرك وصدق مشاعرك وعظمة انجازاتك وفقك الله واطال في عمرك وسدد خطاك