خيبة أمل تنموية إعلامية

تم نشره في الجمعة 6 شباط / فبراير 2009. 02:00 صباحاً

 

قبل عامين ونيف عقد في عمان المؤتمر الدولي الخامس للإذاعات المجتمعية (أمارك) برعاية رئيس الوزراء السابق معروف البخيت، وأعلن معالي ناصر جودة الناطق باسم الحكومة في حفل الافتتاح الذي حضره مندوبون عن 93 دولة دعم الأردن للجهود الرامية الى تطوير الإعلام المجتمعي.

خلال ذلك المؤتمر طلب عدد من المشاركين الأجانب إمكانية تدريب إعلاميين على مبادئ الإعلام المجتمعي وتم اقترح منطقة الأغوار كإحدى المناطق المحتاجة إلى مثل تلك الإذاعات وفعلاً تم إرسال خبراء لتدريب أردنيات على الإذاعات المجتمعية وتم التواصل مع العديد من ناشطات المجتمع المدني بهدف إقامة إذاعة مجتمعية للأغوار.

هذا الأسبوع وبعد سنتين من التدريب والعمل على إيجاد تمويل واستئجار مقر في قرية الجوفة والتواصل مع أهلنا في الأغوار ومع النواب والمسؤولين وبعد توفر كافة شروط إقامة إذاعة "زهرة الأغوار" النسائية وأيضا الحصول على موافقة هيئة تنظيم الاتصالات قرر مجلس الوزراء الموقر في جلسته التي عقدت في 27/1/2009 رفض طلب إقامة الإذاعة من دون إبداء أي سبب.

قرار مجلس الوزراء (رقم 3923) ينص على عدم فتح محطة بث لتغطية منطقة وادي الأردن والأغوار الشمالية والوسطى باستثناء البرامج السياسية والإخبارية. ويبدو ان قرار الرفض شمل محطات أخرى غير محددة (هناك إشاعة انه تم رفض ترخيص 13 محطة).

قرار المنع جاء في فترة عدم وضوح حكومي وغياب رؤية واضحة لمستقبل المرئي والمسموع في الأردن. هناك من يقول إن هناك فوضى في الإذاعات، ولكن يبقى السؤال لماذا لا يتم توضيح الرؤية الحكومية بصورة شفافة ومن دون الإضرار بالاستثمار الإعلامي في الأردن.

فعند رفض طلب ترخيص إذاعة غير إخبارية وغير سياسية من دون إبداء السبب فإن الرسالة للمستثمرين رسالة سيئة للغاية. ورغم أن قانون المرئي والمسموع المؤقت (رقم 71 لعام 2002) يجيز للحكومة رفض أي طلب من دون إبداء الأسباب، إلا أنه من المفضل وفي ظل الرغبة الحكومية في الانفتاح والمكاشفة أن يتم توضيح الأمر للمستثمر، والجهات الداعمة والشركات المتقدمة للطلب تحتاج إلى معرفة أسباب الرفض كي يتم تعديله.

مشكلة رفض طلب إذاعة نسائية في الأغوار يعارض الرؤية الملكية بوضوح، فجلالة الملك أوضح في آخر تصريح له حول الإعلام ضرورة دعم حقوق المرأة وزيادة توعية المرأة الأردنية بحقوقها. فقرار رفض إقامة إذاعة نسائية يعارض التوجهات الملكية ويعتبر نكسة صارخة لمحاولة جلالة الملك والملكة إرساء قواعد جديدة في طريقة التعامل مع المرأة الأردنية وحقوقها. 

كما ويخالف القرار التوجيهات الملكية التي أعلن عنها الملك باعتبار عام 2009 عاماً للزراعة في الأردن. فأية رسالة يتم توجيهها لمزارعينا في الأغوار. هل الرسالة أن التوعية الزراعية خارجة عن تنمية الزراعة أم هل الرسالة أن منطقة الأغوار منطقة خارجة عن اهتمامات الحكومة الأردنية في مجال الزراعة؟ 

أتساءل فيما إذا تمت استشارة وزير الزراعة مزاحم المحيسن في مسألة إقامة إذاعة مجتمعية في الأغوار كونها منطقة زراعية. فأية رسالة تلك التي تم فيها منع إقامة إذاعة مجتمعية في منطقة زراعية من دون التشاور مع وزير الزراعة!

لقد خطا الأردن خطوات كبيرة منذ تولي جلالة الملك عبدالله الثاني العرش الهاشمي. أذكر أنه في عام 2000 عندما التقىت معه مجموعة من الإعلاميين الدوليين وكنت معهم، سألت جلالته عن متى سيتم ترخيص إذاعات خاصة ورد أنه خلال عامين سيتم خصخصة الإعلام المرئي والمسموع. وفعلاً تم إصدار قانون المرئي والمسموع عام 2002 وتم بموجبه إصدار عشرات تراخيص الإذاعات والتلفزيونات المحلية.  وكان لي الشرف أن تكون إذاعتنا، راديو البلد من أولى تلك الإذاعات المرخصة عام 2005.

بعد ذلك تبدّى تراجع حكومي منذ عدة سنوات، حيث أصبح الرفض هو الوضع الطبيعي وليس الاستثناء، وأصبح الغموض وعدم الوضوح يطغى على سياسة الأردن الإعلامية.

لست متشائماً. فهناك العديد من الأردنيين والأردنيات في الحكومة وفي البرلمان وفي المجتمع المدني المؤمنين بفتح الأثير للإعلام الصادق والحر. وقد يكون الحل في إصدار قانون جديد يتم خلاله إغلاق الثغرات الموجودة في القانون الحالي والذي يسمح للحكومة التعسف في إصدار أو عدم إصدار التراخيص ويتم إيضاح المعايير للرخص بحيث تتماشى مع المعايير الدولية ومع حاجة الأردن إلى تنمية من خلال إعلام مستقل وحر وإعلام مستوحى من تصريحات الملك والذي قال مراراً إن الصحافة في الأردن يجب أن يكون سقفها السماء.

* مدير عام راديو البلد وموقع عمان نت

التعليق