نادر رنتيسي

ما من ظل عال يستحق المديح!

تم نشره في السبت 24 كانون الثاني / يناير 2009. 02:00 صباحاً

وضعت حرب غزة أوزارها، فكانت أول مواجهة يخوضها الفلسطينيون، منذ ثلاثة عقود، مجردين من حكمة تنهض عادة من الثلث الأول من الحرب، في قصيدة أو مقالة تنضج على مهل، تحفظ سريعا من قراء يتلقفونها، رغبة في إيجاد قالب من المجاز يفرغون به واقعهم المتعدد الاتجاهات والاحتمالات.

أول حرب لا يعيد محمود درويش "روايتها" وفق رؤاه الهادئة، ويؤسطرها، لتصبح قصيدته بعد شهر، وأقل، إلياذة يتتبع القارئ

"كليشيهاتها"، مسقطا الهتاف الصاخب، في زمن الانبهار بـ "الجهاد الصوتي"، والمتاجرة بمفردات السلاح على جبهات غطى العشب صخورها، فصارت ندية بملاسة رمل بحر، أو "هضبة" لا يخرج من رحمها دخان!

لم يعتد درويش أن يحث الشهداء على الموت، وفي ذروة القتل الهستيري في الانتفاضة الثانية، تمنى لو أنه يمشي في جنازة فتى ثقبت قلبه شامة امرأة، عوضا عن الرصاصة، في قصيدته الأكثر إثارة للجدل "حالة حصار" التي قرأ فيها السلام على منْ "يشاطروننا الانتباه إلى نشوة الضوء في ليل هذا النفق".

حتى قصيدته "الأكثر تطرفا"، وشهرة، "عابرون في كلام عابر" التي كتبها قبل أن تبلغ الانتفاضة الأولى، وأثارت جدلا واسعا، في الاتجاه المقابل، من قبل اليمين الإسرائيلي، لم تهتف لموت مجاني، قربانا لأقاليم بعيدة تزودنا بالحطب الكافي لنار دنيوية، نعدها لمن تتلى عليهم فرمانات الخيانة، حضورا أو غيابا!

ولأن "عابرون في كلام عابر" لم تتضمن شيئا من ذلك، واجه الشاعر دعوة قضائية من قبل جماعة يهودية في فرنسا بدعوى معاداة السامية، وذلك من دون أن يتخلى عن دعوات الحوار مع الإسرائيليين سياسيا وثقافيا. نادى برأيه جهارا، في وضح النهار، في موازاة عتمة تشكلت خلالها تفاهمات لنشوء رايات خضراء تحسن الممانعة في العلن، وتخبئ مكرها لغير الماكرين!

شهر إلا نيّف مات الذين "يصعدون إلى حتفهم باسمين"، وتأكد الباقون أنهم على ذمة حياة يقلقها أنها تسربت من بين يدي الموت، ولم تر "دنيا" بعد ذلك، كما لم تعرفها من قبل، في تواتر الموت، متراكما، وإن كان حريصا على إبقاء هامش من لحم نيء، إثر كل غارة، عله ينضج للموت في غارة أخرى!  

شعر كثير كتب في الحرب، تقريري يخلو من المجاز، "حافل" بمضمون " ثوري" لا يقل طرافة عن فكرة معركة ابتكرت لفتح ما كان مفتوحا بالأصل، وتحرير ما كان محررا!

غارة فجنازة تفاقم الشعر، وتقلصت المقاعد أمام الشاعر، حين أخذ الجمهور دوره في المعركة بدرجة "شعراء احتياط"، يتلون آيات "النصر البشري"، ويبشرون بموت بكامل وحدات الدم، حتى فتح قريب لمعبر رفح!

بيد أن الطفل "الغزي" تشهّى موتا هانئا، كذلك الذي خاتل به أمه، مقلدا دراما فقيرة الخيال!

ها قد انتهت الحرب، ويغيب درويش، بعد أن شهد علما، بلون واحد، يمحو علما بأربعة ألوان، لا يخاطب الهاربين من الموت "إذا رجعتم ذات يوم فإلى أي منفى ترجعون"، ولا يأسى، بحكم غيابه القدري عنا، لتوهان البوصلة حين صارت الحرب لأجل الأندلس..، وإنْ حوصرت حلبُ!

مات درويش من بعد كل الظلال العالية؛ وها قد انتهت الحرب، وما من ظل عال يستحق المديح، إلا طفل خاتل أمه!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »محمود (محمود العزامي)

    السبت 24 كانون الثاني / يناير 2009.
    كان محمود درويش –رحمه الله- في بدايته يعشق الظهور،ويصغي للمديح،ولا أدل على هذا من قصائده الأولى وهي بيانات سياسية منشدة،ولا يمكن تذوق طعمها إلا قبالة منبر،وكان- رحمه الله- محفوفا بالحظ،تحرك بدأب جنوني،وصل قبل رفاقه إلى مركز حركة فتح،التي استخدمته بمهنة شاعر زمانا طويلا،لكنه في لحظة وعيه أنه أضحى شاعرا مشهورا،تخلى عن أبوة الحركة،وذهب إلى الإحساس بأنه حركة أخرى،أكبر وأضخم وأفضل،كان هناك ضوءمسلط على هذا الشاعر،رغم أن كثيرا من أقرانه،تفوقوا على شاعريته،لكن نقصهم كان العلاقات العامة،وجهة سياسية بحجم حركة،تصرف وتطبع وتوزع وترعى،كان نجما،ووعى نجوميته،ما أصابه ذاته بتضخم تعدى الحدود،وانعكس ذلك عليه،وهو يغالب النثر،في(في حضرة الغياب)كما انعكس عليه وهو ينأى بنفسه عن الناس (الذين صنعوا فحولته)على كل حال نحن المتلقين العرب،يعجبنا دور عبادة النجم والصلاة له،وبقية الأركان،ومبعث هذا أن جينات الفضول لدينا متأصلة،تجعلنا نركض،وراء شخص ،أي شخص معد سلفا،وأصبح جاهزا للركض خلفه..
  • »ما من ظل عالي (neveen)

    السبت 24 كانون الثاني / يناير 2009.
    كلام جميل ومنمق يدل على حس مرهف للكاتب وان الجميع يقف عند هذه الحرب الوحشية وكنا معهم وبجانبهم دما وروحا وها هو كاتبنا العزيز يقول انكم عابرون فعلا عابرون
  • »هراء عبثي (هدى أحمد)

    السبت 24 كانون الثاني / يناير 2009.
    لا صوت يعلو على صوت الانتصار والدماء والتضحيات، سيبقى مثلك يزعقون ويغردون خارج السرب، خارج سرب تنفس بعض نسائم النصر تحت الرايات الخضر، نصر لم تحرزه كل أعلامك العربية مجتمعة.
    وإن كان من اقتباس لدرويش فهو انكم حقا عابرون في كلام عابر. يجب أن تجمعوا اسمائكم وأقلامكم وتنصرفوا فما عادت المرحلة تحتمل عبثية الكتابة.
  • »نصر من الله وفتح قريب ........ للمعبر (ابو عون)

    السبت 24 كانون الثاني / يناير 2009.
    معركة تفرض على شعب اعزل كي يجلس خالد مشعل في قمة الدوحة ونقف ميليشياته على الطرف الفلسطيني من المعبر.
  • »أنخاب الدم العبثي (جوده أبو خاص)

    السبت 24 كانون الثاني / يناير 2009.
    شدني كثيراً عنوان المقالة التي سطرها السيد نادر رنتيسي، وتوقعت أن أقرأ بعض الواقعية في ظل ركام الثرثرات التي آذت مسامعنا عن النصر الأسطوري الذي كان ضحيته فقط 10 آلاف جريح وقتيل!!!!!، ولكن عند قرأءة المقالة وجدتني أطالع كل الواقعية التي حاول الكثير من حماة العبث الديني اخفاءها بغربال الشعارات الفارغة التي مللنا من سماعهاوالتي زادوا فيها هذه المرة العيار في شعارات التكفير التي وزعت ذات الشمال وذات اليمين وكأن يوم الحساب قدحان. شكراً اخي نادر فرغم الرمزية التي استعملتهافي المقالة إلا أنك لخصت آلاف الصفحات مما يجب أن يكتب عن زمن المتاجرة بالدم الفلسطيني، هنيئاً للمنتصرين بتجارتهم وربحهم هنيئالهم بنسخة من مفتاح المعبر الذي دفع ثمنه 10 آلاف من الشعب الفلسطيني من دمائهم ... هنيئا لهم وليشربوا نخب هذا الدم الذي هُدر من أجل فتح ما كان مفتوحا، هنيئاً لهم المفتاح المقدس للمعبر المقدس هذا إن حصلوا على هذا المفتاح بعد أن حققت إسرائيل أهدافهاو(انهزمت) !!!!!!!