العراق ومجاهدو خلق: طهران تريده مكسبا سياسيا

تم نشره في السبت 10 كانون الثاني / يناير 2009. 02:00 صباحاً

 

إثر زيارته الأخيرة الى طهران واجتماعه مع كبار مسؤوليها، أعلن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أن حكومته التي تسلمت ملف منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة في معسكر أشرف من القوات الأميركية، عازمة على غلق المعسكر والطلب من أفراده إخلاءه والعودة الى إيران عبر الاستفادة من عفو طهران عن معارضيها، أو الخروج الى إحدى دول اللجوء، مشدداً على أن العراق لن يسمح باستخدام أراضيه ضد دول الجوار.

من دون شك، ينبغي الحفاظ على أراضي العراق خالية من اي نشاط معاد أو إرهابي يستهدف دول الجوار. فالعراق الذي أخذ يستعيد سيادته بعد خمس سنوات عجاف من الاحتلال الأميركي والتدخلات الأجنبية، حري به التزام مبدأ عدم المس بسيادة الآخرين والتناغم الإيجابي مع القوانين الدولية، إضافة الى بذل كل جهد ممكن لبناء الاستقرار والعقلانية في علاقاته الإقليمية. لكن ما يصح الاختلاف فيه معه، هو استعجاله في تقديم هدية ثمينة الى حكام طهران عبر تأكيده أن بغداد ستطرد أعضاء المنظمة لأنها تريد تعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية والتجارية مع إيران.

في الواقع، مطلوب من المالكي إيجاد حل سياسي سلمي يراعي مبادئ حقوق الإنسان لمشكلة معسكر أشرف. لكن القفز على الحقيقة السياسية لمجاهدي خلق وتجاهل المعايير الإنسانية في إخراج مقاتليه من العراق، أمر لا يمكن وصفه سوى بموقف لامسؤول وقصير النظر. فهذه المنظمة التي يصعب الدفاع عن أعمالها العنيفة والإرهابية في الماضي، تجنبت النشاطات المسلحة ضد الحكومة الإيرانية، انطلاقاً من الأراضي العراقية، منذ اليوم الأول لزوال النظام العراقي السابق عام 2003. بل ان الأفراد المقيمين في اشرف، شمال شرقي بغداد، ظلوا خلال السنوات الخمس الماضية مجردين من الأسلحة بما فيها النوع الخفيف. الى ذلك، لم تسجل المخافر الحدودية، العراقية منها والإيرانية، خلال هذه السنوات أي عملية تسلل مسلح لأفراد المنظمة الى داخل إيران انطلاقاً من الأراضي العراقية. يشار الى أن النشاط الوحيد الذي قامت به المنظمة خلال هذه الفترة تمثل في عقدها مؤتمراً تنظيمياً في المعسكر قبل نحو ستة أشهر شارك في جلسته الافتتاحية عدد من الرسميين العراقيين، فيما تولت القوات الأميركية توفير الحماية للمؤتمر. عدا هذا، لم يُسجل لمجاهدي خلق أي حضور آخر، ما دفع ببعض المراقبين الى وصف معسكرهم العراقي بأنه أقرب الى معسكر لاجئين.

ليس القصد من هذا الكلام الدعوة الى الإبقاء على معسكر اشرف، أو إضفاء صفة الشرعية عليه. فشعوب إيران ذاقت، في ثمانينات القرن الماضي، صنوف المرارة والمآسي جراء الممارسات الدموية واللا إنسانية التي دأبت هذه المنظمة على تنفيذها بحق المدنيين بدعم من النظام العراقي السابق. لكن ما يثير التساؤل، هنا، هو صمت أوساط حكومية عراقية عليا عن الوجود غير القانوني لمئات من ضباط وعناصر الاستخبارات وفرق الموت الإيرانية في المدن العراقية.

ثم، كيف يمكن لحكومة عراقية تدعي الوطنية والديمقراطية وتشتهر بكونها جاءت من صفوف المعارضة، أن تتعامل بكل هذه الازدواجية مع الوجود غير القانوني لمعارضين إيرانيين في العراق؟ فإذا كان وجود هؤلاء في معسكر مطوق ومعزول ومنزوع السلاح يستدعي الطرد، أفلا يحق للعراقيين مطالبة المالكي بطرد الإيرانيين الموالين لأجهزة إيران السرية ممن تتستر عليهم الأحزاب الدينية في جنوب العراق؟ أو على الأقل، أليس من المفترض بحكومة عراقية تعمل على وقف عمليات تسلل مزعومة لمقاتلي مجاهدين خلق الى داخل إيران، أن تعمل بنفس الحماس لمطالبة طهران بوقف تسلل عناصرها الاستخباراتية ومقاتلي فيلق القدس الى داخل العراق؟

في كل الأحوال، تلح إيران، منذ زوال النظام العراقي السابق، على طرد مجاهدي خلق من العراق. في الواقع، يعرف الإيرانيون أن هذه المنظمة لم تعد تشكل خطراً على نظامها السياسي أو أوضاعهم الأمنية. ويعرفون أنها لم تعد في حالة قوية تسمح للأميركيين بالتعويل عليها في صراعاتهم مع طهران.  لكن السرّ في إلحاحها يعود الى أن طهران تريد استثمار طرد مجاهدي خلق في اتجاه الحصول على مكسب سياسي يساعدها في تحقيق عدة أهداف:

أولاً، في خرق عزلتها الداخلية والإقليمية والدولية الراهنة عبر الإيحاء الى مواطنيها في الداخل بأن لا مستقبل لأي أمل يعقدونه على أميركا أو أي اعتماد على التعاون معها. فالمصير الذي آلت اليه منظمة مجاهدي خلق في العراق خير دليل على بطلان أي أمل كهذا. كذلك تريد الإيحاء الى العالمين العربي والإسلامي بأنها لا تزال تمتلك قدرة كبيرة على المقاومة وتسجيل الانتصارات السياسية على الأرض وتفتيت أعدائها.

في الواقع، كان يمكن للمالكي أن يستفيد من المثال الكردي. فرئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني واجه مع حزب العمال الكردستاني (التركي)، أزمة شبيهة بأزمة المالكي مع مجاهدي خلق (الإيرانية). لكن بارزاني نجح في تجاوز الأزمة بمسؤولية حينما أقنع أنقرة بإيجاد آلية سياسية وإنسانية لحل مشكلة انتشار مقاتلي الحزب في جبال قنديل. أما المالكي فإنه أخفق في إقناع طهران بإيجاد مثل هذه الآلية للتعامل مع المنظمة. والأهم أنه، عكس بارزاني، سارع الى إعلان التزامه طرد مقاتليها من دون أي مقابل سياسي قانوني. بينما حصل بارزاني على إقتناع تركي بتعامل هادئ وإيجابي مع الأكراد.

خلاصة القول، تريد إيران أن يمنحها غلق معسكر أشرف في العراق مكسباً سياسياً لافتاً يعينها في ظرفها الإقليمي والدولي الصعب. بالفعل، اكدت تصريحات المالكي، في طهران وبغداد، أنه مستعد لتقديم المساعدة الى طهران بغية حصولها على هذا المكسب.  

التعليق