حروب الأشقاء الفضائية!

تم نشره في الاثنين 5 كانون الثاني / يناير 2009. 02:00 صباحاً

 

على الرغم من الدور الهام، الذي تضطلع به الفضائيات العربية في التغطية اليومية لوقائع الحرب الإسرائيلية على غزة ومشاهد دمارها المريعة، إلا أن تعاطي معظم هذه الفضائيات مع حرب غزة اتسم حتى اللحظة بتسييس بين رتب وإن اختلفت مضامينه سقطات إعلامية غير مقبولة.

فالبعض منها، مدفوعاً بالأجندة السياسية لقوى إقليمية توصف "بالاعتدال" تنظر إلى حركة حماس بريبة وترى في إمكانية إضعافها كنتيجة للعمليات العسكرية الإسرائيلية فرصة سانحة للخصم من رصيد قوى "المقاومة-الممانعة" في الشرق الأوسط الموصوفة بالتشدد، عمد إلى التقليل من أهمية أحداث غزة وإلقاء لائمتها بجانب إدانة الفعل الإسرائيلي على حماس وخياراتها الاستراتيجية الرافضة للتسوية السلمية.

في حين نزع البعض الآخر من الفضائيات القريبة من الممانعين إلى إدارة حملة اتهامية ضد قوى الاعتدال وعلى رأسها مصر بتحميلها مسؤولية الحرب الإسرائيلية على غزة بادعاء تواطؤها مع تل أبيب ومشاركتها في حصار الفلسطينيين ومن ثم صناعة صورة لحماس ومن ورائها المدنيون الفلسطينيون كضحية مؤامرة إقليمية عربية في الصميم ومصرية بامتياز ترغب في تصفية المقاومة وتسليم المنطقة لإسرائيل وللولايات المتحدة.

وفي السياقين تم توظيف العديد من الاستراتيجيات الإعلامية اللافتة التي طالت المشاهد الملتقطة والمفردات اللغوية المستخدمة والقضايا محل النقاش وكذلك من تم استدعاؤه من المحللين والخبراء. فلدى البعض من فضائيات الاعتدال لم يرق ضحايا الفلسطينيين في غزة إلى مرتبة الشهداء، بل هم "قتلى المواجهات بين إسرائيل وحماس" والعمليات الإسرائيلية المتوالية لا تستأهل التوصيف كحرب على القطاع وإنما يشار إليها "كورطة غزة".

بينما سعت فضائيات الممانعة إلى التركيز قبل كل شيء على الصور المؤثرة للضحايا المدنيين واعتمدت لغة بالغة العاطفية غابت عنها المعلوماتية واتسمت بطابع تهييجي واضح. وبطبيعة الحال انعكس ذات الانقسام وذات التناول القاصر على القضايا المعالجة والمحللين المستدعين، فمن اهتمام بتقديم شرح لمسؤولية حماس عن "ورطة غزة" على ألسنة قريبين من السلطة الفلسطينية في رام الله وممثلين لقوى الاعتدال، غيب بقية عناصر المأساة إلى انشغال مستمر قارب حد الهوس "بالتواطؤ العربي" مع إسرائيل في حربها استدعيت للتعبير عنه رموز منتمية إما إلى التيارات الإسلامية واليسار أو وثيقة الصلة بعواصم الممانعة في الشرق الأوسط.

إلا أن التباين في تقييم الدور المصري إيجاباً وسلباً مثّل المحك الرئيسي لصياغة وجهتي النظر المتقابلتين في الفضائيات العربية. دافعت فضائيات الاعتدال عن تمسك مصر بإغلاق المعابر بينها وبين قطاع غزة وفقا لالتزاماتها الدولية وفتحها فقط أمام المساعدات الإنسانية ولعلاج الجرحى الفلسطينيين، وفاتها انتقاد أن الموقف المصري الرسمي كان بمقدوره الاحتجاج على الحرب الإسرائيلية على غزة بخطوات دبلوماسية تصعيدية من قبيل سحب السفير المصري من تل أبيب أو إبلاغ السفير الإسرائيلي في القاهرة بأن وجوده غير مرغوب به إلى حين، أو التحرك بسرعة مع عواصم إقليمية ودولية للضغط من أجل وقف فوري للعمليات العسكرية وغيرها من الخطوات التي بينها وبين فتح غير مسؤول للمعابر أو إعلان للحرب على إسرائيل مسافة شاسعة.

أما فضائيات الممانعة فأدارت، عوضاً عن توجيه نقد مشروع لقصور الدور المصري ومحدودية فاعليته، حملة فجة ضد مصر الرسمية وكأنها هي من يضرب غزة، وجاءت بالقاصي والداني للهجوم على حكومتها الحالية، بل والتشكيك في دورها التاريخي المسؤول إزاء القضية الفلسطينية إلى الحد الذي دفع بعض "المحللين" شديدي السطحية إلى إعلان عريضة اتهام كريهة ضد مصر وسمتها بخيانة العرب والتخلي عن حقوقهم.

تكلف مثل هذه السقطات، وهي كرست حال الانقسام بين العرب وشغلت الرأي العام باختلافات الأشقاء بدلاً من إعطاء الأولوية لتناول المذبحة التي ارتكبتها إسرائيل في غزة والدعوة إلى إيقافها، فضائيات الاعتدال والممانعة، الكثير من مصداقيتها المهنية. كما أنها أظهرت أن تسييس الإعلام المرئي العربي لا يقتصر على القنوات الحكومية فقط، بل يتجاوزه إلى الفضائيات التي أملنا جميعاً في أن تكون بداية تشكل محيط إعلامي عربي حر ومهني.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما هي مبررات اغلاق المعبر (عامر)

    الاثنين 5 كانون الثاني / يناير 2009.
    الحقيقه لا اعتراض على التحليل بشكل عام ... غير انه اغفل الحقيقة الكبرى وهي ان ارتباط كل دولة يبدو انه هو الذي يحدد الاعتبارات التي تتمسك بها وترمي ما سواها ... مصر وتحت حجج وذرائع واهيه تقف ضد امتها وتاريخها وضد شعبها ومصالحها ... عن مصر النظام يتحدثون ... فعمن تدافع ايها المواطن المصري؟؟
  • »عندك شك؟ (saad)

    الاثنين 5 كانون الثاني / يناير 2009.
    هل عند الكاتب شك في أن مصر لعبت دوراً مخزياً ومفضوحا بالحرب على غزة؟ اذا كنا نعتبر انفسنا اشقاء وأهل ونتشدق بواجبنا نحو الاهل والاخوة وحقوقهم علينا، فماذا قدمنا لهم في هذه الظروف العصيبة؟ متى نبرهن على صدق اخوتنا وصدق شعورناتجاههم واحساسنا بمصابهم اذا لم يكن في مثل هذه الظروف؟ والانكى من ذلك انك تضطر للسؤال متى يتوقف اخواننا عن خذلاننا وكف اذاهم عنا؟
    مصر لا تريد امارة اسلامية على خاصرتها وانما تقبل بكل رحابة صدر بامارة يهودية او امارة علمانية عميلة لليهود، أرأيت ايها الكاتب المحترم ما هو المعنى الزائف للاخوة؟ للاسف اخوتنا لا تقوم على روابط الدين والعروبة وانا على مصالح ضيقة لا ترتقي لمستوى اكثر من الحرص على توفير مناخ داخلي ودولي لتوريث الحكم واستمرار احتلال كرسي الحكم بأي ثمن، مقابل اي شيء حتى لو كان التخلي عن نصرة الاخ ودفع الظلم عنه وأظن أن النظام المصري الآن لن يحرك ساكنا حتى لو احتل جزء من مصر العزيزة اذا كان في تحركه خطرا على كرسي الحكم وتوريثه