فتح الصين، آنذاك والآن

تم نشره في الأربعاء 24 كانون الأول / ديسمبر 2008. 03:00 صباحاً

 كان انفتاح أميركا على الصين بفضل جهود ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر أثناء الفترة من العام 1971 إلى العام 1972 بمثابة طفرة تاريخية. وكانت الخطوة الكبرى التالية الأقل شهرة، رغم أنها لا تقل عن سابقتها في الأهمية، تلك التي اتخذها جيمي كارتر منذ ثلاثين عاماً بالضبط، والتي أسست للعلاقات الدبلوماسية الكاملة بين الصين والولايات المتحدة. ولولا هذا التحرك الذي أعلِن عنه في الخامس عشر من كانون الأول (ديسمبر) 1978، لما كان للعلاقات بين الولايات المتحدة والصين أن تتحرك إلى ما هو أبعد من ارتباط بسيط رفيع المستوى ذي جدول أعمال محدود.

حين رحل الرئيس جيرالد فورد وهنري كيسنجر عن منصبيهما في العام 1977، تركا من بعدهما علاقة ناقصة، وبالتالي غير مستقرة، مع الصين. ورغم ذلك فقد اعترفت الولايات المتحدة بتايوان تحت اسم جمهورية الصين، باعتبارها الحكومة الشرعية الوحيدة للصين. ومنذ العام 1972 احتفظت أميركا والصين بمكتب اتصال صغير في عاصمة كل منهما، ولكن من دون اعتراف. وكانت الاتصالات الرسمية محدودة للغاية، ولم يتجاوز حجم التجارة الثنائية السنوية بين الدولتين البليون دولار. (اليوم أصبح حجم التجارة الثنائية بين الدولتين مهولاً، حيث بلغ 387 مليار دولار).

منذ تولى كارتر منصبه كرئيس للولايات المتحدة كان يحدوه الأمل في تطبيع العلاقات مع الصين. وكان هذا يتطلب تحول أميركا من الاعتراف بتايوان إلى الاعتراف بالبَر الرئيسي. ولقد رأى البعض في ذلك التحول إقراراً بسيطاً بالواقع، ولكنه كان في الحقيقة يشكل خطوة بالغة الأهمية تطلبت قدراً عظيماً من المهارة الدبلوماسية والشجاعة السياسية.

وكان لابد بالنسبة للولايات المتحدة بعد الاعتراف بالصين من العثور على سبيل للاستمرار في التعامل مع الحكومة في تايوان من دون الاعتراف بمزاعمها في تمثيل الصين؛ وفي المقام الأول من الأهمية، كان على الولايات المتحدة أن تظل محتفظة بالحق في بيع الأسلحة لتايوان. ومن وجهة نظر سياسية، كان هناك لوبي تايوان الشهير، وهو من أقوى جماعات الضغط في الولايات المتحدة، والذي كان تحت هيمنة الجناح المحافظ في السياسة الأميركية.

وتحت زعامة "أمير المحافظين" في أمريكا، عضو مجلس الشيوخ باري غولدواتر، وإلى جانبه أبرز المتنافسين بين مرشحي الحزب الجمهوري لانتخابات العام 1980، رونالد ريغان، ظل لوبي تايوان يكافح التطبيع حتى النهاية. (أقام غولدواتر دعوى قضائية ضد حكومة الولايات المتحدة أمام المحكمة العليا للطعن في قرار كارتر، ولكن من دون نجاح؛ وأثناء حملة الانتخابات الرئاسية في العام 1980 تعهد ريغان جزئياً بإلغاء التطبيع، إلا أنه تراجع عن ذلك الموقف بعد انتخابه).

تكشفت هذه القصة الملحمية على مدى أول عامين من إدارة كارتر، بعيداً تماماً عن الرأي العام، باستثناء رحلتين مهمتين إلى الصين، إحداهما قام بها وزير الخارجية سيروس فانس، والثانية قام بها مستشار الأمن القومي زبيغينو بريجنسكي. والعجيب في الأمر أن المشاركين في هذه العملية من جانب الولايات المتحدة، وأنا منهم (كنت آنذاك مساعداً لوزير الخارجية لشؤون شرق آسيا ومنطقة الباسيفيكي) تمكنوا من إبقاء مفاوضاتهم المكثفة تحت غطاء من السرية التامة.

طالب المفاوضون الصينيون بقطع كل العلاقات الرسمية بين تايوان والولايات المتحدة، بما في ذلك مبيعات الأسلحة. وانطلاقاً من علمنا بأن مثل هذا التحرك من شأنه أن يستفز ردود فعل هائلة على الصعيد المحلي، فقد بحثنا عن صيغة تسمح باستمرار الاتصالات الرسمية بتايوان ومبيعات الأسلحة إليها، حتى بعد تراجعنا عن اعترافنا بها وإنهائنا للمعاهدة الأمنية المشتركة التي تم إبرامها أثناء سنوات ولاية أيزنهاور.

لم نجد لذلك أية سابقة في القانون الأميركي أو الدولي. وبنصيحة من هربرت بروانيل، وزير العدل السابق في إدارة أيزنهاور، قام محامو وزارة الخارجية بصياغة قانون العلاقات مع تايوان، وهو قانون لا مثيل له في التاريخ الأميركي، والذي سمح لحكومة الولايات المتحدة بالاستمرار في مزاولة أعمالها التجارية مع تايوان، بما في ذلك مبيعات الأسلحة، من دون الاعتراف بها.

ولكن حين شرحنا للمسؤولين في الصين السبب وراء أهمية هذه الخطوة حتى يتسنى لنا الاعتراف بالصين، وجدنا منهم إحجاماً عظيماً. كانوا راغبين في التجارة وغير ذلك من المنافع المترتبة على الاعتراف، والتي كان من شأنها أن تعود بالفائدة على كل من البلدين في أيام الحرب الباردة، حين كانت الصين تعادي الاتحاد السوفييتي بشراسة، حتى أنها كادت تخوض حرباً ضده قبل ذلك ببضع سنوات. ولكن تايوان ظلت تشكل عقبة ضخمة شبه مستحيلة.

ثم جاءت الطفرة في أواخر العام 1978، وكان كارتر حريصاً على توقيتها بحيث تأتي في أعقاب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. وربما كان العامل الأشد أهمية في هذه الطفرة يتلخص في ظهور دينغ شياو بينغ كزعيم جديد للصين. (كان ماو قد توفي في العام 1976).

نجح دينغ، الذي أرغِم ذات يوم على إدانة نفسه أثناء جنون الثورة الثقافية، في تحقيق أعظم تقدم يمكن تخيله بعد تعقد المفاوضات. ففي خريف العام 1978 تمكن أخيراً من اكتساب القدر الكافي من السلطة لإبرام اتفاق مع الولايات المتحدة: وبموجب ذلك الاتفاق لن "توافق" الصين على مبيعات الأسلحة الأميركية إلى تايوان وغير ذلك من الأنشطة، إلا أنها سوف تستمر في التطبيع على أية حال. وكان ذلك مثالاً تقليدياً للأسلوب التفاوضي الصيني: الثبات على المبدأ، والمرونة في التفاصيل.

لقد أغفلت ذكر الكثير من الأحداث هنا ـ كانت المفاوضات في غاية التعقيد ـ ولكن كان ذلك هو جوهر ما توصلنا إليه. وفيكانون الثاني  (يناير) 1979 قام دينغ بزيارته التاريخية إلى الولايات المتحدة، والتي بدأت بعشاء خاص في بيت بريجنسكي، ثم بلغت ذروتها بعشاء الدولة الأكثر أهمية أثناء سنوات كارتر (شهد ذلك العشاء أيضاً حضور نيكسون في أول زيارة يقوم بها إلى واشنطن منذ استقالته؛ وكنت في ذلك اليوم أجلس إلى مائدة نيكسون، وما زلت أحتفظ بقائمة طعام وقع عليها جميع الحضور في تلك الليلة).

في منزل بريجنسكي تحدث دينغ عن أحلامه من أجل الصين التي كان يدرك أنه لن يعيش إلى أن يراها. كان على يقين من قدرة الصين على تعويض السنوات الضائعة التي تجاوزها فيها العالم، ولكن ليس من دون الدعم الأميركي. وكان على استعداد للتعاون من أجل احتواء الاتحاد السوفييتي، حتى أنه وافق على إنشاء مراكز تصنت سرية للاستخبارات الأميركية على طول حدود الصين لتتبُع الصواريخ السوفييتية.

لقد توقع دينغ بكل دقة عمليات تبادل واسعة النطاق للطلاب، والتكنولوجيا الحديثة، والتجارة. بل وكان أبرع من أي مسؤول أميركي في توقع الإنجازات والفوائد التي ستترتب على انفتاح الولايات المتحدة على الصين. ولكن حتى دينغ لم يكن بوسعه أن يتصور بشكل كامل النتيجة الأهم لذلك الإعلان في الخامس عشر من كانون الأول (ديسمبر) 1978 ـ والتي تلخصت في نشوء العلاقات الثنائية الأعظم أهمية في العالم حتى اليوم.

* مساعد وزير الخارجية لشؤون شرق آسيا ومنطقة الباسيفيكي أثناء فترة تطبيع العلاقات مع الصين في العام 1978.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق