زليخة أبوريشة

الفحولة الثقافية

تم نشره في الثلاثاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2008. 02:00 صباحاً

 الفحل في أصل معناه: الذَّكر من كل حيوان، ثم صار ذلك الذكر الضخم المنجب ذا القوة الجنسية والجسدية الفائقة فَيُتَخَيَّر لضراب الإناث (تلقيحهن) والحصول على نسل قوي البنية، وقد يضاف الى ذلك الجمال، كما في الخيل والابل. ثم ذهب المعنى إلى القوة والشدة (استفحل أمر العدو: إذا قوي واشتد في العراك).

 غير أن الفحولة سرعان ما اتخذت لنفسها بُعدا آخر في سياقات أخرى كالشعر مثلا، ففحول الشعراء هم الذين "غلبوا بالهجاء من هاجاهم مثل جرير والفرزدق واشباههما"، وكذلك كل من عارض شاعرا فغلب عليه، مثل علقمة بن عبدة، وكان يسمى "علقمة الفحل" لأنه عارض امرأ القيس. ثم جاء ابن سلام الجمحي فألف كتابه "طبقات فحول الشعراء", فاستخدم الكلمة بمعنى "الشاعر الكبير المفْلِق". ثم ما لبثت الكلمة أن تأدلجت ودخلت حقل الأخلاق فصارت تعني الشجاعة والإقدام والصلابة النفسية. وجميعها صفات للذكر البشري عند مدحه والثناء عليه. غير أن الكلمة ومهما تجولت في المعاني، لا تنسلخ عن معناها الملتصق بالمقدرة الجنسية والافتخار بها. ومع ذلك، فإن الفحولة ظلت في المأثور المكتوب والشعبي وثقافة المجتمع العربي هي القدرة على ممارسة الجنس من دون وهن، مما هو أيضا افتخار الذكور وتباهيهم، مما لا يسمح للمعاني الأخرى أن تستقل بنفسها عن هذا المدلول الحسي المباشر.

 بمعنى آخر، فإن الرابط بين الفحولة المعنوية والفحولة الجنسية وثيق. وهو على أية حال رباط أيدولوجي، لأنه- ومن دون أن يدري- قد خص الذكور -من دون الإناث- بالشجاعة والقوة والصلابة النفسية. اذ لا يجوز "استفحال" الإناث, لأن المرأة اذا استفحلت كانت سيئة الخلق سليطة، وإذا النخلة استفحلت كانت لا تحمل. وهكذا وضعت الأيدولوجيا اللغوية احتياطها للفصل بين الذكور والإناث ومنع أي محاولة ثقافية للمساواة بينهما، فالفحولة - بكل معانيها الإيجابية- تخص الذكور، وما من سبيل إلى أن تخص الإناث بهذه المعاني الإيجابية لالتصاقها أيدولوجياً بذلك الدور الفسيولوجي والبيولوجي الذي يؤديه الذكور لإذكاء الحياة والحفاظ على البقاء. مع أن هذه المعاني تطلبها الحياة وتشترطها في صراع البقاء الذي يواجهه كل كائن بشري -بغض النظر عن جنسه- كلَّ صعود نَفَس وهبوطه. ذلك أن الحياة- يا لروعتها- لا تميّز بين ذكر وأنثى، وتطلب إليهما كليهما أن يتحلّيا أو يتخلّيا، والحياة لا توافق عن أن يذهب خُلُق إلى أنثى من دون ذكر أو ذكر من دون أنثى.. ولكنه الإنسان وجهل الإنسان، وتعنّت الإنسان وضيق أفق الإنسان!

فالعيب إذن في الثقافة التي توجّه المعنى وتحشره في الألفاظ. الثقافة التي توجه الدلالات وتملأ فارغها بالفحولة، فينتفخ الذّكر المسكين بالآمال والطموحات، ويعمل جاهدا على تلبية التوقعات التي سطّرها مجتمعة في دفتر مصيره، وعندما تخذله مقدرته البشرية يغدو في عين هذا المجتمع "مخصيّا" جبانا, ومن ثم, ذليلا مهانا.

وما هو هذا المجتمع الذي يعقد الآمال في حل مشكلاته الكبرى على أعضاء الذكورة وفحولتها؟ إنه ما من شك مجتمع لم يخرج بعد من فكرة "القطيع" الحيواني البهيمي... مجتمع لم يذهب بعد الى إنسانيته... والا ففيم يُبقي على هذه المفاهيم البدائية في رأسه? وَلِمَ ما يزال يتصرّف تجاه الحياة وتجاه المرأة كأنه "فحل ضِراب"؟

 [email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تصرف المحرر هو نوع من الفحولة الذكورية (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الثلاثاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    الأديبة المتألقة دوما وحتى على مقاعد الدراسة
    لقد أثنيت على مقالك ، وكوني ذكرا أردت بأن افرغ ما بجعبتي في تعلليقي على مقالك الفوق العادة كما عودت قرائك.
    ولكن عقلية المحرر أو المحرره لم تتناسب مع عقليتي ،وكان حسمهم العنبف بعدم نشر تعليقي المناصر لأرائك تحديا للمفهوم الحضاري ..وكنت أرغب بأن ينشروه ..وكان يهمني أن تقرأيه أنت ..فلذا أرجو التكرم والأتصال بالمحررأو المحررة ليطلعاك عليه
  • »إلى المحرر (سامي عوده)

    الثلاثاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    يعني صراحة كل ما كتب بالأعلى و الأسفل تم تمريره مع ما فيه من مغالطات و بلاوي زرقه و كل ما كتبانه كان دعاء فقط و ومع ذلك لم يتم وضعه ، للأسف الشديد جدا هذا ليس من اخلاق الشخص الموضوعي المريد للحق بل هذا من يتبع هواه و يريد التحكم ، إلى الله المشتكى
  • »وين تعليقي (رنا)

    الثلاثاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    ارجو النشر فليس هنالك ما يسيء الى السيدة ريشة
  • »خذي ما تشائين وابقي أنثى (سند البنا)

    الثلاثاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    لا جدال في كون الذكر والأنثى متساويين كبشر جسدا وروحا ومواهب وغمكانيات ولا مجال لأفضلية أحدهما على الآخر ...لنكفَّ عن هذا إذن ولنكفَّ عن الباس ثقافتنا لبوس التمييز والعنصرية ضد المرأة وتحميلها وزر سوء فهمنا لها وانطلاقنا من مشاكلنا النقسية في معالجة الأمور خاصها وعاِّمِّها فهذه نغمة فقدت كل شجوٍ فيهاوبإمكان أقل الناس ثقافة وإنصافا أن يستشهد بآلاف الشواهد من ثقافتنا في إنصاف المرأة ووضعها في موضعها من التكريم والاحترام والمساواة كما بإمكان أي متجن أن يستشهد بما يشاء من انحرافنا عن ثقافتنا ليئبت ظلمنا للمرأة ويلبس ذلك للثقافة العربية الإسلامية واعيا او غيرواعٍ للبعد الذاتي الذي يحركه ويخرجه عن الانصاف.
    وأستغرب ممن يكتب الشعر كيف يستنكر اللجوء إلى المجاز في التعبير فمن العبقرية في أي أمة أن تلجأ إلى المجاز في وعيها الجمعي ولعل الأمثال خير متال على ذلك وهو أمر يدل على رقي هذه الأمة وإعلاء طريقة تعبيرها بالتهذيب من دلالاتها المباشرة الفجة الصادمة إلى لغة تشفُّ ولا تبدي وتوحي ولا تكشف ولعمري ان ذلك مستوى تفاخر به أمة وصلت إليه وحق لها ذلك.
    سيدتي لا أشك للحظة أن الرجل صنو المرأة وأن المرأة بقامة الرجل بل واعلى كثيرا وكثيرا جدا وهي لا تتقاصر إلا حين تريد أن تكون رجلا .مالذي يضير المراة حين يسمى الرجل فحلا مادامت تختص بالخصب وما لذي يضيرها حين يسمى الرجل قويا ما دامت تختص بالحنان واللين ،من قال أن الفحولة تجدي دون خصب وأن القوة تجدي حين يفتقد الحنان واللين ..من قال هذا .لأي سبب وهدف ومشروع نفتح معركة مع ذواتنا وننحرها .من اي شق أسود في جدار الروح تتسرب مثل هذه الدعاوى وتتفشى وتهلك ذواتنا المؤنثة والمذكرة بل ذاتناكبشر كعرب ومسلمين .هل من أجل تعبير مجازي يدل على العبقرية قصرنا عن وضعه في موضعه نستحق كل هذا الجلد وهذا القصف المركز على لساننا وعقولنا وأجسادنا وأرواحناوأدوات ذكورتنا وأدوات أنوثتنا .
    سيدتي خذي مني كل شئ واتركي لي أمومتك.خذي كل ما شئت واعطني خصبك . خذي كل شئ واعطني حنانك ولينِك.
    خذي ما تشائين وابقي بكل بهائك عالية وامراة وسيدة ثم اقتليني إن شئت .
    وتذكري أن الحياة بدون أنثى لا يعول عليها وما من رجل يريد أن يكون فحلا لولا وجود المرأة .وماسعيه لتسمية نفسه بالفحل إلا استجداء لاعتراف أنثاه الخصبة به.
    سيدتي لقد وسعتنا اللغة معا ، لو أردنا ،وأحسناها ،وأحسنا الثقة بأتفسنا وبها.

    ولثقافتنا العتبى حتى ترضى
  • »بين الأنوثة و الفحولة بون... (Bara)

    الثلاثاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    لقد ارتقيت مرتقا صعبا، و أخذت بالظاهر بعيدا عن الدلالة، وما هكذا تورد الإبل يا دكتورة، فالخصيان، ذموا لموقعهم الاجتماعي كمماليك ليس إلا، فالعبرة بالموقع الاجتماعي الذي حتم عليه ان يكون مخصيا. أنما الأنوثة، فلها كل قيم الحنان، و العطف، و الرحمة، أتعجب إن كانت كل هذه الصفات العظيمة تخص المرأة، بل إن شئت اجمعيها بكلمة الأنوثة، أعود و أقول أنك غضضت الطرف عن كل هذه الصفات الأنثوية العظيمة، والتفت إلى الفحولة،تريدين المساواة، فعجبا لك يا سيدتي.
  • »وليس الذكر كالانثى (غادة شحادة)

    الثلاثاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    لم الفكرة من المقال . هل المقصود الاعتراض على عدم المساواة بين الرجل والانثى؟ لان الفرق بينهما واضح وجلي ولا وجه للاعتراض عليه , الرجل الحقيقي هو القوي الذي يمسك بزمام الامور بعقل وحكمة وقوة تحتوي انوثة المرأة وتحميها والمرأة تحتوي الرجل بحنانها وعطفها وهدوئها ومتى انسلخت المرأة من انوثتها وتخلى الرجل عن رجولته عمت الفوضى التي نراها الان فلا تعرف الرجل من المرأة وبالطبع ليس من الناحية الشكلية
    اما اذا قصدت ان العالم العربي فقد فحولته فهذا لا شك فيه ولكنهم لم ولن يصبحوا نساء لان معنى هذا ان نون النسوة اصبحت تهمة او انتقاص وهذا مالا نرضاه ابدا . نحن نفتخر بانوثتنا ولا نريد من يساوينا بالرجال ولاتنسي ان المرأة التي تهز المهد بيمينها تهز العالم بيسارها هكذا نحن ولن نقبل بمن يقول او يحاول ويعمل على مساواتنا بالرجل لان معنى هذا ان نفقد صفاتنا التي ميزنا الله بها لصالح صفات ليست لنا لاننا لن نستطيع مسايرة الركب وعندها ينشأ جنس ثالث فلا بقينا نساء ولن نستطيع العيش بصفات الرجل
    ثم لمن يتسائل عن تفضيل الرجل للمرأة في الاسلام , فقد حفظ الاسلام للمرأة حقها بما يتناسب مع نعومتها فالزم الرجل بحمايتها ورعايتها حين قال ( الرجال قوامون على النساء) وهذه ولاية تكليف وليست ولاية تشريف الخلاصة ان حقوقنا محفوظة تماما ولانريد من يخترع لنا حقوقا يكفينا التذكير بها
  • »كلام من الآخر روعة وبلغة الثقافة العربية ( طكع ) (البقعاوي)

    الثلاثاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    بأتمنى من كل الكتاب في جريدة الغد يقتدوا بالكاتبة الكبير زليخة أبو ريشة .. هي الموضوع إلي بتنقرأ ..
  • »??>>?? (حمزة مازن تفاحة)

    الثلاثاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    المقال غير واضح ومفهوم ولا يدل على غاية او هدف كتب لاجلة ..بالاضافة الى ضعف الفكرة .
    وان كنت تقصدين العدالة والمساواة ، فهل المساواه تريدينها حتى في الفحولة ..
  • »عجب (محمود العزامي)

    الثلاثاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    لم يسجل النقد الشفوي العربي،على مدار تاريخه،مثل هذه النتائج التي لا تتصل بصلة لمقدماتها،الشعر الجاهلي،وهو أصدق أنواع الأدب العربي(نجا من السلطتين،المال والسياسة)وقف إلى جانب المرأة،ولم يظهر،ما يسمى(الفحولة)إلا في ساحات المعارك،التعميم بفكرة الفحولة،تفرغ حقب طويلة من مضامينها،وتحكم عليها أحكاما غير موضوعية.ولك الاحترام.
  • »فحولة الرجل وخصوية المرأة (نادر)

    الثلاثاء 23 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    مقابل فحولة الرجل هنالك خصوبة المرأة، وبالتالي فان المرأة في موروثنا ولادة تنجب الرجال الذين سيقودون البلاد.
    مع كل ما تقدم فانني اجد الكاتبة ما زالت تعيش في العصور القديمة والموروث ولا تنظر الى العصر الحديث الذي اصبحت فيه فحولة المرأة اقوى من فحولة الرجال، وان من حق الرجل المطالبة بالمساواة في حقوقه مع المرأة في التعليم والعمل.