اميركا تتغير ولكن هل من جدوى؟

تم نشره في الأحد 21 كانون الأول / ديسمبر 2008. 02:00 صباحاً

لم تكن عبارات الرئيس الاميركي المنتخب عن التغيير جديدة بالكامل على المزاج الاميركي، فواشنطن التي تتحدث عن التغير عبر انتخاب اوباما، مرت في ادوار من التغيير لا تقل اهمية عما حدث في تشرين الثاني (نوفمبر) 2008. خلال اقل من عقد من القرن الحادي والعشرين مرت واشنطن ومن خلفها دول كثيرة في ادوار من التغيير.هذا التغيير كان في اتجاهين متناقضين، فبعد هجمات سبتمبر 2001 أظهرت واشنطن ردتها على كل ما سوقت له فيما يتعلق بحقوق البشر، وأقامت غوانتانمو  وبررت سياسات التعذيب بكل أصنافه وسخرت العالم لتنفيذ ذلك. واشنطن تغيرت عندما فهمت أن التعددية السياسة لا توجد الا في سياق سياسات المحاور"اما أن تكون معي او ضدي". واشنطن تغيرت عندما اعتبرت العالم مزرعة تتحرك فيه من دون الالتزام باي ضوابط الا ما يؤمن مصالحها.

هذه المرحلة من التغيير تراجعت فيها أصوات الاعجاب بالنموذج السياسي الاميركي، وتراجعت الاصوات المعجبة بالقيم الديمقراطية الاميركية. الاحساس الاميركي بالتبعات السيئة للتغيير الذي حصل من جانبها انعكس واضحا  حين بدأت تسابق الزمن عبر ما يسمى بدبلوماسية التواصل في محاولة منها للتخفيف من حدة العداء للسياسات الاميركية. لقد كان الفهم في واشنطن يركز على ان هناك مشاعر عداء لواشنطن بين العرب والمسلمين، لكن سياق تراجع حالة الاعجاب بالنموذج الاميركي سياسيا كان سببا مباشرا لاتباع استراتيجية التواصل تلك.

اميركا تغيرت في عام 2004 حين بدأ المزاج السياسي يرى في ان ما قامت به اميركا في  سبتمبر لا يخدم اميركا، مزاج بدأت ملامح التغيير فيه من خلال جهد مهم شارك فيه وزير الدفاع  روبرت غيتس حين اعد مع آخرين  عام 2004 دراسة في  100 صفحة يتحدث فيها عن ضرورة تغيير اسلوب التعامل مع ايران، فكرة ربما لم تجد صدى الا عندما  اصدرت لجنة بيكر- هاميلتون تقريرها وتحدثت عن التواصل مع ايران وتحديدا في ما يتعلق بأمن العراق. اميركا والمزاج السياسي فيها تغيرا عندما اصدر مجلس الاستخبارات الاميركية تقريره عن البرنامج النووي الايراني في كامون الاول (ديسمبر 2007) واكد ان ايران جمدت نشاطاتها النووية ذات الطبيعة العسكرية. كان ذلك انعكاسا بان المزاج السياسي والامني في واشنطن يتغير. وتتوالى  خطوات التغيير حين لم يذكر تقرير استراتيجية الدفاع الوطني الاميركية لعام 2008 على خلاف تقارير سابقة – الاسلام ولم يقرنها باي حديث عن التطرف. تلك هي علامات على الطريق يمكن النظر اليها كعلامات  في الطريق تشير الى ان اميركا تتغير، هذا التغير البطيء لا يبدو انه منفصل عما جرى في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر)، بل إن ما حدث –في ظني- حلقة اكتمال مرحلة  الدعوات الخجلة الى تغير الاداء الاميركي في العالم بل وفي الداخل الاميركي.

ان التغير الذي يعيش الاميركيون فرحته الان والذي عبر عنه الرئيس المنتخب بقوله "ان التغييرقد جاء فعلا الى واشنطن"، يبدو انه لا زال بحاجة الى فهم اعمق. فهو بقدر ما يشير الى تغيير مزاج الناخب الاميركي فانه يذكرنا ان هذا التغيير هو لاميركا بالدرجة الاولى، لكنه رغم ذلك نتاج مشروع للانتقادات التي وصلت واشنطن طوال السنوات الماضية، فهو تغيير ساهم في دفع الاميركيين اليه الملايين في العالم، هؤلاء الملايين ربما كانت انتقاداتهم بهدف وقف المقامرات الاميركية في بلدانهم وعلى مستقبلهم، لكن صوته في نهاية المطاف وصل الى الناخب الذي صوت للتغيير في اميركا. لكنه في ذات الوقت صوت لكي يعيد الرئيس لاميركا صورتها "الاخلاقية" التي ما عاد هنا احد قادر على تبرير ما حصل لها.

لقد تغيرت اميركا وهي في تغير، وربما هذا يعكس ديناميكية في المشهد السياسي، لكن وفي غياب اي مساءلة  حول الاثمان الباهظة التي دفعت نتيجة سياسات واشنطن  فإن اسئلة لا تقل اهمية عن مسألة المساءلة  تبقى باقية وهي  اين نحن من هذا التغير؟ هل يفكر اهل السياسية وصناعة القرار في قراءة مكانتهم من هذا التغير؟ وما هي انعكاساته عليهم؟ الاميركيون يفكرون في اولوياتهم في الداخل والخارج ويتغيرون بناء عليها فهل يتعلم الاخرون تلك المهارة ؟

[email protected]

التعليق