سيمفونية النفي المشروخة

تم نشره في الأحد 21 كانون الأول / ديسمبر 2008. 03:00 صباحاً

إذا كنت تملك الخبر اليقين فادلُ بدلوك أيها الفهيم. وإن لم تكُ فلا تقحم نفسك في شأن أنت نافيه غدا. بهذه الروحية العميقة التي علّمنا الأجداد أسرارها نتعامل مع تقليعة جديدة قديمة تطالعنا من وقت لآخر تذهب إلى نفي معلومات، على الأغلب صحيحة، تكون الصحف قد نشرتها، وعادة ما ترد في النفي العبارة الممجوجة والتي تصف المعلومات بأنها "غير دقيقة وعارية عن الصحة" وهذا أمر إيجابي في حال كان الهدف منه تصحيح معلومات خاطئة، لكن الأدلة تشير الى أن المسؤولين عكفوا على نفي الأخبار الصحيحة قبل أن يتبينوا الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

ففي الأشهر الماضية عكف مسؤولون على نفي أخبار ثبتت صحتها القاطعة فيما بعد. ومن هذه الأخبار على سبيل المثال ، تصريح لمسؤول حكومي أكد خطأ المعلومات التي نشرت في "الغد" حول فوز شركة "سيبكو 3" الصينية بعطاء التوسعة للمرحلة الثانية لمحطة كهرباء السمرا في منطقة الخربة السمرا، والذي كان يهدف إلى إضافة وحدة توربين بخاري بقدرة 100 ميغا واط. وثبت أن نفي المسؤول صحة هذا الخبر يحتاج إلى نفي. لأن الخبر كان عاريا عن الكذب!.

ومن النماذج الأخرى على انتشار "موضة" نفي الأخبار ما نشر حول أسماء شركات الائتلاف التي تقدمت لمشروع توسعة مصفاة البترول، وتأخر هذا المشروع الاستراتيجي، حيث أكدت، الأيام قبل تصريحات المسؤولين وإفصاحاتهم لدى هيئة الأوراق المالية، بأن هذه المعلومات التي وصفت بأنها "غير دقيقة" هي دقيقة 100%.

ومن الأمثلة أيضا على نفي الأخبار الصحيحة ما تعلق بتأخير عطاء القطار الخفيف الذي يفترض أن ينفذ من قبل الائتلاف الكويتي الإسباني، لتأتي التصريحات الحكومية نفسها وتعلن عن التأجيل، فيلوذ النافون بالصمت بعد ذوبان الثلج وانكشاف ما تحته.

هذه المسلكيات، التي دأبت على عزف سيمفونية النفي المشروخة، غير مقبولة وغير مبررة، لا تعكس عدم التزام العديد من المسؤولين بمعايير الشفافية والإفصاح فحسب، بل تؤكد أن شريحة من المسؤولين لا تعي حقيقة العمل الذي تقوم به وهو الخدمة العامة وخدمة المواطن. كما أنها لا تدرك أن نفيها لأخبار تثبت الأيام صحتها يجعل مصداقيتها، وبالتالي مصداقية الجهاز الحكومي في مهب رياح الشك والريبة.

ولعل انعكاسات هذا السلوك الجديد القديم، أسس لحالة اجتماعية بين المواطنين الذين باتوا يميلون إلى أن كل خبر تؤكده الحكومة غير صحيح وكل ما تنفيه مؤكد.

 آخر التقليعات الجديدة في مجال نفي الأخبار ابتكرها وزير الصناعة والتجارة المهندس عامر الحديدي، إذ بادر إلى نفي أخبار لم يتم نشرها أصلا، وفي هذه الحالة تسجل براءة الاختراع للوزير الذي لم يتوقف عند نفي الخبر بل وصفه، كما جرت العادة وبالديباجة إياها، بأنه  "غير دقيق وعار عن الصحة".

حقا إنه عار عن الصحة، لأنه لم يكن موجودا أصلا وجرى اختلاقه من الفراغ المحض. ولا أدري لماذا أتذكر في هذه اللحظة بالذات حكاية دونكيشوت الذي دأب على مصارعة طواحين الهواء بسيفه الخشبي!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كهل في سن 72 يصرح (د. عبدالله عقروق .فلوريدا)

    الأحد 21 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    اصبح عندي اعتقاد بأن كلمة يا ابنتي تزعج الشخص المسئول أو المسئولة عن نشر التعليقات ..فللأيضاح أنني اعتبر كل انسانةمنتألقة في عملها يا ابنتي ،وانادي أبنتي بأميرتي
    كل ما يهمني يااديبتناهوأن تقرأي تعليقاتي ، ولا داعي لنشرها.فهذا يسرني لو تم ذلك