العراق: تأجيل الانتخابات أرحم!

تم نشره في السبت 20 كانون الأول / ديسمبر 2008. 02:00 صباحاً

لا تخفي قطاعات عراقية عدة مخاوفها من أن تؤدي الانتخابات المحلية الخاصة بمجالس المحافظات، المقرر إجراؤها في العراق نهاية كانون الثاني المقبل، (عدا المحافظات الكردية الثلاث أربيل والسليمانية ودهوك، إضافة الى محافظة كركوك المتنازع عليها) إلى تفجير موجة مرعبة من المواجهات السياسية والدموية.

فحالة الاستقطابات الحزبية الحادة والاحتقانات التنافسية والطائفية والفئوية بدأت هذه الأيام بفرض هيمنتها على بغداد والبصرة وبقية المدن الجنوبية والوسطى بشكل أقوى وأخطر من السابق. كما أن الخلافات بين القوى الشيعية نفسها أولاً، وبين هذه القوى وقوى سنية عربية في وسط العراق وغربه ثانياً، باتت توحي بسوداوية الغيوم التي ستتجمع في سماء العراق في فترة انتخاب مجالس المحافظات.

صحيح، للديمقراطية والحرية أثمان يجب دفعها. لكن الاصح أن هذه الأثمان قد تلتهم الديمقراطية ذاتها، خاصة في بلد كالعراق لم تنضج فيه حتى الآن أفكار التعددية والتسامح وقبول الآخر والرضى السلمي بالنتائج الانتخابية. في الواقع، شهد العراق في فترة السنوات الأربع الماضية انتخابات ناجحة ونزيهة وخالية من المشكلات الكبيرة. لكن الحالة الراهنة مختلفة، خصوصاً في ظل التصدعات الحاصلة في قائمة الائتلاف العراقي (الشيعي) الموحد الحاكم. إضافة الى تفاقم وتيرة الخلافات بين أحزابها التي تمتلك ميليشيات مسلحة أو شبه مسلحة كالمجلس الإسلامي الأعلى وحزب الدعوة والتيار الصدري وحزب الفضيلة الإسلامي.

في الأعمّ، يمكن للمشهد العراقي أن يواصل إفراز مزيد من الخلافات والمشكلات. لكن الواضح أن اقتراب موعد انتخابات مجالس المحافظات أصبح يصب مزيداً من الزيت على نيران هذه الخلافات. فالكل يتنافسون على مقاعد مجالس المحافظات لمعرفتهم بالتأثير الكبير لنتائج هذه الانتخابات على الانتخابات البرلمانية المقبلة نهاية العام المقبل. في كل الأحوال، يمكن تلخيص أهم المواضيع الخلافية المتوقع لها أن تلعب دوراً مؤثراً في تعقيد مسار انتخابات مجالس المحافظات كالتالي:

- الخلافات المتفاقمة بين رئيس الوزراء نوري المالكي والأطراف المؤتلفة معه داخل قائمة الائتلاف الحاكم. فرئيس القائمة رئيس المجلس الإسلامي الأعلى السيد عبدالعزيز الحكيم لم يخف ملاحظاته أن المالكي ينوي استثمار انتخابات مجالس المحافظات لجهة التوسّع الحزبي على حساب القوى الإسلامية المؤتلفة معه، وذلك بهدف التحضير لتعزيز فرصه الخاصة ببناء دولة مركزية تحت قيادته.

يشار الى أن المالكي أعلن قبل فترة قصيرة قائمة خاصة بحزب الدعوة الذي يترأسه، ما يعني، في رأي كثير من المراقبين، أنه بات يتهيأ للخروج كلياً من قائمة الائتلاف الموحد.

- المواقف المتعارضة في شأن مجالس الإسناد التي تأسست بأمر مباشر من المالكي. فرئاسة الجمهورية رفضت الفكرة ودعت الى حلها. وفي مرحلة لاحقة رفع أمر البتّ فيها الى المحكمة الدستورية العليا. أما المجلس الإسلامي الأعلى فأكد أن المالكي يهدف من ورائها الى تقوية نفوذه الحزبي والانتخابي في المناطق الجنوبية والوسطى.

فيما قال التيار الصدري إن المالكي لم يقض على جيش المهدي إلا ليخلي الساحة لمجالسه التي لا تختلف عن الميليشات العراقية الأخرى سوى في مقدار الدعم الحكومي المتوفر له. أما الأكراد فأعلنوا رفضهم للمجالس واعتبروها عقبة أمام التوافقات السياسية العراقية ينبغي إزالتها خصوصاً لكونها ترمي الى نشر نفوذ حزب الدعوة في مناطق متنازع عليها مثل كركوك وديالى.  

- المشكلة الثالثة التي تزيد من تعقيدات الحالة الانتخابية أن تياراً شيعياً علمانياً بزعامة القاضي وائل عبداللطيف، يدعمه حزب الفضيلة الإسلامي يعمل من أجل تحويل مدينة البصرة الى إقليم مستقل. في هذا الصدد، يرى عبداللطيف أن استمرار نفوذ حزب الفضيلة في مجلس محافظة البصرة ضمان لنجاح مسعى تشكيل الإقليم الفيدرالي المستقل. لكن المجلس الإسلامي بزعامة الحكيم يعارض الفكرة ويعتبرها محاولة لوأد فكرته القائلة بضرورة إقامة فيدرالية شيعية موحدة مؤلفة من تسع محافظات جنوبية بينها البصرة وعاصمتها النجف الاشرف.

أما المالكي الذي دعا قبل فترة الى إضعاف سلطات الأقاليم، فيتخوف من أن يفضي تشكيل إقليم البصرة الى إضعاف حلمه في دولة مركزية قوية، خصوصاً أن البصرة هي الميناء الوحيد للعراق وتضم ثروة نفطية كبيرة بينها حقل الرميلة الذي يعتبر أكبر حقل نفطي في الشرق الأوسط.

- المشكلة الأخرى التي يُتوقع أن تضيف مزيداً من التعقيدات على الحالة السياسية العراقية هي أجواء التحضير للاستفتاء الشعبي على الاتفاقية الأمنية مع واشنطن. فإيران، ومعها طيف مؤثر من القوى السياسية الشيعية العراقية، في مقدمها التيار الصدري، تحاول استثمار انتخابات مجالس المحافظات في بغداد والمحافظات الأخرى في اتجاه الحصول على رفض شعبي كاسح للاتفاقية.

صحيح، قد لا يعكس الرفض تأثيراً كبيراً على مصير الاتفاقية التي تم التصديق عليها من قبل البرلمان العراقي، وجرى توقيعها، قبل ايام، من قبل الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش ورئيس الوزراء العراقي، إلا أن الرفض في حد ذاته يمكن أن يخلق أزمة سياسية ودستورية في العراق يصعب تجاوزها. أكيد أن هذا لن يتحقق من دون السيطرة على مجالس المحافظات من قبل القوى الرافضة للإتفاقية. 

- الخلاف الآخر الذي لا يزال يحتدم، وإن في شكل خفي، هو المتعلق بمستقبل الانتخابات في محافظة كركوك. فبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) أوصت في فترة الخلافات التي نشبت في أروقة البرلمان العراقي حول المادة 24 من قانون إنتخاب مجالس المحافظات، بتأجيل انتخابات مجلس محافظة كركوك الى نهاية عام 2009. كما أوصت، في الوقت ذاته، بقيام لجنة برلمانية مؤلفة من الأطياف السكانية لكركوك بإعداد تقرير خاص حول الحقائق السكانية والإدارية في المدينة. لكن المشكلة أن هذه اللجنة لم تنجز شيئاً حتى الآن، فيما الخلافات لا تني تتعمق في صفوفها حول كيفية إعداد التقرير والحقائق الواجب إدراجها في نصه.

لكل هذا، يصح التوقّع أن أزمة خطيرة في طريقها الى التشكّل في العراق. والأخطر أن عوامل الدفع لهذه الأزمة لا تتمثل في الإرهابيين أو أعداء العراق الجديد أو تدخلات الجوار، إنما تتمثل في اللعبة الديمقراطية (الانتخابات) المفترض بها أن تدفع الى السلم الأهلي وحل المشكلات عبر صناديق الاقتراع. والأكثر خطورة أن هذه اللعبة تجري في دولة منخورة من الداخل كالعراق بدأت فيها سلطات الاحتلال تتهيأ للرحيل.

فيما الحالة على هذه الشاكلة، يصح طرح سؤال أساسي أمام أنظار الحكومة العراقية: أليس من الأجدى للحكومة أن تقترح على البرلمان العراقي تأجيل انتخاب مجالس المحافظات في العراق الى فترة زمنية أخرى، وذلك لإعطاء مزيد من الوقت لإيجاد حلول توافقية قادرة على نزع صواعق التفجير عن الخلافات والصعوبات السياسية الراهنة؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاغلبيه الصامته (ماجد البصري)

    السبت 20 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    استاذنا الكريم الاغلبيه الصامته في العراق والمتطلعة للتغير الحقيقي لم يرد لهم صدى في مقالك بهذه الانتخابات ستجد هذهي الاغلبيه الصامته حاضره بقوه وهم اصحاب التغيير الحقيقي