إبراهيم غرايبة

عيد الأضحى وارتقاء الإنسان بنفسه

تم نشره في الاثنين 8 كانون الأول / ديسمبر 2008. 02:00 صباحاً

"ولقد كرمنا بني آدم" فهذا الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم يجب أن يضع نفسه في الموضع الذي أراده الله له، ومايزال الإنسان يسعى ليرقى إلى ما أراده له الخالق، أو يناضل لأجل تصحيح كل ما يحيق بهذه الحقيقة الأساسية لتقدم الإنسان ورقيه من اعتداء وظلم وانتهاك، وهكذا فإن الدين والنضال الإنساني هو في حقيقته قائم على التحرر والمساواة، وكلما تقدم الإنسان في ذلك فإنه يقترب من الاستجابة للإرادة الإلهية له بالتكريم.

التقدم الإنساني المؤثر والجوهري لم يكن في الاكتشافات التقنية ذاتها، ولكن في الفكر والثقافة والعلاقات والأعمال الناشئة عن هذه التقنية وحولها، ففي الغرب توقفت النزاعات المسلحة والحروب وحتى الصراعات والاختلافات السياسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ونشأت منظومات للحريات والعدالة والحقوق والمساواة والتضامن والرعاية الصحية والاجتماعية لم تصل إليها البشرية من قبل، التقاعد والتأمين الصحي. يا لروعة هذا الاكتشاف الإنساني العظيم لو استطعنا فقط أن ننسى القنبلة النووية التي أسقطت على هيروشيما وناغازاكي! وقوانين العمل والسلامة والمحاكم والقضاء، والمهن والفنون الجميلة، وإلغاء الرق والعبودية والسخرة، وهكذا فإن المسيرة الإنسانية تبدو في تقدمها ونجاحها قائمة على الارتقاء بالإنسان، وفي المقابل فإن النكسات والكوارث والفشل والتخلف هي الحالات التي تتعارض مع كون الإنسان كريما لا يجوز المساس به.

ونحن نحتفل بعيد الأضحى نشارك الإنسانية والأديان كلها في العمل على تحقيق السلام والحرية للإنسان، وتكون استجابتنا للحكمة الإلهية من الدين والشعائر والممارسات بمقدار ما نرفع الظلم والاعتداءات، فليس من مجال أبدا للجمع بين العيد والظلم، وبين الدين والتفاوت في الحقوق والفرص والموارد، فلا حاجة لله بأموالنا وقيامنا وجوعنا وعطشنا وتعذيبنا "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم"، ماذا يريد الله من صعود جبل أو سعي بين صخرتين أو تقبيل حجر أو طواف حول مسجد أو زيارة لمكان أو رمي حجارة أو ذبح خراف وأبقار وإبل؟ فإن لم يستحضر الناس المعاني والحكم والأهداف الحقيقية للأعمال ولما يقومون به فإنما يهدرون الجهد والمال، ويكرسون الخواء الروحي والفكري، ويهبطون بالإنسان إلى عكس ما يفترض أن يرقوا به.

افتداء الإنسان الذي يعلمنا إياه إبراهيم وإسماعيل، هو رفض ذبح الإنسان على الدوام والأبد، الإنسان يذبح عندما يسلط عليه موظفون ومسؤولون غير جديرين بمواقعهم أو وصلوا إليها وثمة غيرهم أحق بها، ويذبح الإنسان عندما تجبى منه الضرائب ثم تدار على نحو مختلف عن الهدف الذي جمعت لأجله، أو توكل إدارتها وتسييرها إلى فاشلين ومختلسين ومتخلفين.

العيد في حقيقته وجوهره تصحيح لكل قرار أو سياسة أو موقف أو كلمة أو مشروع ينطوي على ظلم وفساد، أو ببساطة هو سؤال عما يفعل الوزراء والنواب والسفراء والصحافيون والكتاب والمديرون والوكلاء بالعباد والبلاد والموارد وما استأمنوا عليه، ففي اللحظة التي يمضي فيها المواطنون اليوم يذبحون الأنعام معلنين رفضهم لذبح الإنسان، فإن الملايين من المواطنين يذبحون في الوقت نفسه (ذبحتونا) بإهدار أموالهم وحقوقهم وبالظلم الذي والفساد والفشل والتفاوت والهدر. المواطنون يذبحون الأضاحي متطلعين إلى السماء بالرحمة، وهناك من يضحي بالمواطنين ويقدمهم قرابين لأجل شهوات ومنافع ومصالح، سيذبح اليوم ربع مليون خروف، وربما ذبح خمسة ملايين مواطن دفعوا الضرائب وقاموا بواجباتهم ولكنهم لم يحصلوا على تعليم وسكن وتأمين صحي ورعاية اجتماعية تتفق مع الضرائب والموارد والعقد الاجتماعي المنظم لحياتهم ومؤسساتهم، ولم يحظوا بتنافس عادل على الفرص والوظائف والمناصب والموارد ومشاركة حقيقية وصحيحة في تحديد خياراتهم واحتياجاتهم وأولوياتهم.

التعليق