د.أحمد جميل عزم

النظام الدولي من منظور الاستخبارات الأميركية

تم نشره في الأحد 7 كانون الأول / ديسمبر 2008. 02:00 صباحاً

نشر "مجلس الاستخبارات الوطنية" الأميركي، الذي يتولى التنسيق بين أجهزة الاستخبارات الأميركية المختلفة، قبل أيام، تقريراً بعنوان "اتجاهات العالم 2025: عالم متحول". يقدم التقرير خلاصة جهد العديد من أجهزة الاستخبارات والباحثين والخبراء الأميركيين وغير الأميركيين، بشأن مستقبل النظام الدولي حتى العام 2025. 

ويتفق التقرير المكون من 126 صفحة، مع وجهة نظر يزداد اتفاق الخبراء حولها، بشأن تراجع "السيطرة" الأميركية في النظام الدولي. لكن التقرير لا يستخدم الوصف الذي خرج به رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، ريتشارد هاس، في مقال نشره في "الفورين أفيرز" قبل أشهر، من وصف النظام العالمي بأنّه نظام "لا قطبي". وإن كان هناك تشابه في تفاصيل تشخيص التقرير للنظام الدولي الحالي مع أفكار هاس.

يقول التقرير إنّ النظام الدولي يتجه نحو التعددية القطبية، وذلك بتزايد قوة الصين والهند ودول أخرى، وبانتقال الثروة المطرد من الغرب إلى الشرق. لكن التقرير يقر أنّ شكل النظام الدولي الراهن، لن يكون شبيهاً بالنظام متعدد الأقطاب الذي ساد في الماضي، وذلك لاعتبارين، أولهما، أنّه رغم تراجع الولايات المتحدة وتراجع هيبتها العسكرية، فإنّها ستبقى الدولة الأقوى عالمياً، أي ستبقى، الدولة رقم واحد، وسيبقى هناك فجوة في القوة بينها وبين الدول التي تليها، أي لن تكون الولايات المتحدة هي القطب الأوحد، أو القوة المهيمنة، ولكن في الوقت ذاته فإنّ الفجوة بينها وبين ما يليها من القوى كبيرة نسبياً.

وما يمكن قراءته بين سطور التقرير، أنّ الولايات المتحدة لن تكون قادرة على التحرك المنفرد في كثير من الملفات، وتحتاج لموافقة، وأحياناً دعم، قوى أخرى مثل الصين والهند وروسيا، التي قد تمتلك قدرة التعطيل في كثير من الملفات والمناطق، كالحد من جدوى استخدام الحصار الاقتصادي الأميركي مثلاً ضد دولة ما. وفي الماضي القريب، كان الاعتقاد هو أنّ القدرة العسكرية الأميركية، كافية للتحرك أحادي الجانب من قبل واشنطن، كما حدث في العراق. وفي أماكن كثيرة من العالم سيستمر الوضع على ما هو عليه، من حيث أنّه لن تقوم قوة عالمية كبرى أخرى بتحدي تدخّل الولايات المتحدة عسكرياً، لكن القدرة العسكرية الأميركية الذاتية، هي التي لا تسعف السياسات أحادية الجانب الأميركية، بسبب إشكالات الإعداد البشري فيها، وبسبب العجز عن أنواع محددة من الحروب، كما اتضح في الحالة العراقية.

ثاني الفوارق بين النظام متعدد الأقطاب المتوقع، والنظام متعدد الأقطاب الكلاسيكي، هو الدور الكبير للاعبين من "غير الدول"، وتحديداً ما يشير له التقرير على أنّه "الشركات والمؤسسات الاستثمارية، والقبائل، والمنظمات الدينية، وحتى الشبكات الإجرامية". وواقع الأمر أنّ هذا الدور للهيئات العابرة للدول، هو دور تشير له باطراد التحليلات السياسية الدولية الراهنة، ولكن من غير المستبعد أن يكون هناك مبالغة في تقييم دور مثل هذه الهيئات والجماعات، ومن الممكن (برأيي) أن يتراجع دورها، لأنّها في جزء كبير منها تعتمد على مظلة توفرها الدول، والآن مع عودة الحكومات لممارسة أدوار أكبر بعد الأزمة المالية العالمية، ومع تراجع المساعدات التي تقدمها الشركات والحكومات للمنظمات غير الحكومية، يتوقع أن يتبع ذلك تراجع دور الهيئات المستقلة من هذا النوع. 

من أكثر النقاط التي تلفت الانتباه في التقرير، ترجيحه أنّ لا تنتهي الهيمنة السياسية الاقتصادية الأميريكية عالميّاً وحسب، بل وأن تنتهي الهيمنة الغربية على المستوى الثقافي الفكري، وبدل اتّباع نموذج التنمية الغربية سياسياً واقتصادياً، فإنّ دولاً أكثر قد يجذبها نموذج التنمية الصيني، ويقصد التقرير بذلك، نموذج "رأسمالية الدولة"، أي انتهاج سياسات السوق اقتصادياً مع انفتاح سياسي واجتماعي أقل.

ويشير التقرير إلى تبعات التغير في توازنات القطبية الدولية، بالقول إنّه من الناحية التاريخية كانت "النظم متعددة الأقطاب الناشئة أقل استقراراً من النظم الثنائية أو أحادية القطبية". ومن الناحية العملية، فإنّ النظام الذي يتوقعه التقرير، ويطلق عليه وصف "التعددية القطبية"، أو "اللاقطبي"، بحسب وصف هاس، سيؤدي حقيقة إلى نوع من التراجع الكبير للقانون الدولي، وأحيانا لفكرة "التدخل الدولي". فمن الواضح أنّ الفرص لإصلاح المؤسسات الدولية، وتحديداً الأمم المتحدة، في سياق النظام الجديد، محدودة، لأنّ درجة السيولة العالية والتنوع الكبير في نوع اللاعبين الدوليين، وفي عناصر قوة الدول وآليات تقييم هذه العناصر، وانتعاش المنظومات السياسية الإقليمية الخاصة بكل منطقة على حدة، سيجعل من المتعذر الاتفاق على أسس إصلاح المنظمة الدولية، وهذا سيتبعه أيضاً صعوبة الاتفاق الدولي على التدخل في كثير من الملفات والدول والصراعات. وهذا يعني، جزئياً على الأقل، أنّ ظهور قوى إقليمية في مناطق معينة تعتدي على قوى ودول أخرى إقليمية أيضاً من دون رادع دولي أو من دون قوى دولية راغبة أو قادرة على التدخل، هو أمر متوقع بشكل أكبر حالياً، ما قد يعقّد كثيراً من شكل العلاقات الدولية في المرحلة المقبلة، ويجعل الدول الصغيرة من دون مظلة حماية دولية، إزاء جيران متحفزين للتوسع الإقليمي.

لعل أهم ما يمكن الخروج به من التقرير الأميركي، أنّ العالم يتجه لنوع جديد من النظام الدولي، الذي يحتاج كثيراً من الفهم والدراسة والتحليل والتخطيط من قبل الباحثين وصنّاع القرار، وخصوصاً في الدول الصغيرة التي كانت تعتمد مظلات حماية أميركية ودولية.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مستقبل الدول العربية في عالم متعدد الاقطاب (عمر خويله - صحفي اردني في البحرين)

    الأحد 7 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    على الدول العربية ان تعيد بناء نظمها السياسية والادارية على اسس ديموقراطية صحيحة وهو الامر الذي سيساهم في ثباتها في وجه المتغيرات الدولية واذا لم تسعى الى تطبيق بروسترويكا عربية جديده ستقع بسهولة في مستنقع الفقر والصراعات الاقليمية التي يزكيها محاولة بعض الدول انتهاز الوضع الدولي القائم بتنمية قدراتها العسكرية والسياسية والاقتصادية ( اسرائيل ايران تركيا الهند الصين باكستان ) الامر الذي سيجعل منها قوة اقليمية قادرة على التدخل وفرض اتجاهاتها السياسية والعقائدية والاقتصادية ومن ثم الاجتماعية 0

    ونظرا للتقهقر العربي بسبب انشغال لعالم العربي بالسياسة عن التنمية نظرا لاعتبار القيادات العربية النجاح السياسي همها الاكبر وهو ما يبدو جليا في الجهل الفاضح في قيمة التنمية الاقتصادية واثرها في النجاح السياسي - فان مستقبل الدول العربية اذا ما استمرت في هذا النهج سيكون في خطر

    فليس هناك قوى خفيه تدير العالم بل ان هناك عالم يدير نفسه وتشكله صراعات النفوذ وتوازنات القوى واذا ما تشكلت التعددية القطبية خلال السنوات القادمة بشكل اوضح فان منظور المصالح الاقتصادية سيكون اداة فاعلة في تحريك السياسة على الصعيد الاقليمي وهو ما سيجعل من الدول العربية مخط نظر القوى الاقليمية وفي الوقت ذاته ستكون السياسة هي المحرك الاساس للاقتصاد على الصعيد العالمي وهو ما سيفقد الدول العربية المظلة التي تستند اليها في حماية نظمها السياسية مما سيجعلها فريسة سهله للداخل المحتقن وللخارج الذي تحكمه صراعات النفوذ وتوازنات القوى 0