قانون المعلومات الائتمانية... مرة أخرى

تم نشره في الأحد 7 كانون الأول / ديسمبر 2008. 02:00 صباحاً

أعلنت الحكومة قبل ايام نيتها إعادة صياغة قانون معلومات الائتمان بالتعاون مع القطاع الخاص. الغريب أن قانون معلومات الائتمان صدر فعلا في عام 2003 لكنه لم يطبق بعد، لماذا تأخر تطبيق هذا القانون لخمس سنوات أو ست إذا ما احتسبنا ان هذه الحكومة ستحتاج الى عام على الأقل لبلورته قبل أن يقره البرلمان. 

ما هو قانون المعلومات الإئتمانية؟ حسب أفضل الممارسات العالمية يسمح هذا القانون لشركات متخصصة (في بلد صغير كالأردن ينصح باثنتين أو ثلاث شركات بدلا من واحدة وذلك لضمان المنافسة والابتعاد عن المصالح الشخصية في التقييم) بجمع المعلومات الائتمانية عن الاشخاص الطبيعيين والاعتباريين الذين يمارسون أي نشاط اقتصادي سواء من خلال الشراء أو البيع، فيجتمع لدى هذه الشركات معلومات حول تاريخ الاشخاص الائتماني، ويضعون من خلال معادلات تقييما لهذا الشخص وقدرته على الاقتراض أو التسديد لما عليه من التزامات مالية ائتمانية.

ولا يسمح القانون لأي شخص بالاطلاع على هذه المعلومات إلا بعد حصول الطالب لهذه المعلومات عن شخص ما بموافقة الشخص كتابة والتصريح له بالتحقق من تاريخه الائتماني مقابل رسم بسيط يدفعه الشخص طالب الائتمان لشركة المعلومات الائتمانية.

يكمن نجاح نظام معلومات الائتمان في ضمان جودة البيانات، وسبل احتساب النقاط الائتمانية لتقييم التاريخ الائتماني، بحيث تكون موثوقة وتعكس الوضعية الحقيقية للمقترضين، وتراعي بشكل صارم حقوق المستدين.

الفائدة الأكبر لهذا القانون هي تمكين أولئك الذين يحصلون على عدد مرتفع من النقاط نتيجة جودة تاريخهم الائتماني من الاقتراض بشروط سهلة ودون الحاجة الى رهن عقار أو كفالة آخرين، أي أن القانون يكافئ من يفي بديونه ويدفعها في وقتها. وبذلك يخلق التاريخ الائتماني لصاحبه نوعا من الرأسمال المعنوي (السمعة الائتمانية الحسنة) يمكنه من الحصول على الائتمان فتنمو الريادية والابداع في الأردن بدلا من أن يكونا حكرا على أولاد الموسرين وأصحاب العقار فقط.

ماذا يحصل حاليا؟ بدلا من أن تكون المعلومات الإئتمانية ملكا للشخص صاحب التاريخ الائتماني يعطيها لمن يشاء أصبحت المعلومات محجوزة لدى البنك الذي يتعامل معه شخص ما فيحتكرها البنك ويصبح العميل مرتبطا مع هذا البنك مدى الحياة على الرغم من عدم رضاه عن أداء البنك أحيانا. وبهذا سلب البنك التاريخ الائتماني للشخص وتمكنت البنوك من احتكار هذه المعلومات لتستخدمها في الحصول على ما يسمى بالريع الحكري.

كما شجع عدم مشاركة البنك للمعلومات الائتمانية لعملائه مع البنوك لآخرين على عدم وجود وازع الكفاءة لاندماج البنوك وأبقاها بأحجامها الصغيرة على الرغم من حث البنك المركزي لها على الاندماج لمواجهة المنافسة من الخارج وتحسين الأداء.

ايضا، بما أن قاعدة معلومات البنوك منقوصة لا تشمل الدفعات النقدية للمواطن وديونه النقدية أو المورقة من خلال سندات دفع (كمبيالات)، أصبح التاريخ الائتماني الموجود حاليا لدى البنوك أقل بكثير مما هو مطلوب، بل وبدائي يفتقر الى التقييم الموضوعي ويسمح بالتأويل والشخصنة في الإقراض.

وبدلا من التاريخ الائتماني درجت العادة لدى البنك المركزي (وأعتقد أنها ألغيت حاليا) على نشر أسماء الاشخاص الذين لم يسدد لهم المستدينون شيكاتهم بدلا من نشر أسماء الاشخاص المسيئين بعدم التسديد وإيجاد قائمة سوداء توزع على البنوك باسماء الاشخاص الذين كتبوا شيكات مرتجعة ومنعهم من فتح الحسابات أو الحصول على دفاتر شيكات بأسمائهم.

طبعا نتيجة هذه الممارسات الواضح عدم فعاليتها وما تنتهجه من فضيحة وتأثير سالب على السوق، أصبحت المعاملات الائتمانية في الأردن معاملات متخلفة جدا ساعدت في تقليل حجم النشاط الائتماني وادت إلى حصول تشوهات في السوق كالشيكات المرتجعة التي أصبحت قيمتها بالمليارات لأن الدائن ليس لديه إلا حجم بسيط ومنقوص عن تاريخ المستدين ويفتقر الى الادوات العلمية الموضوعية في تقييم هذا التاريخ.

الخسائر الناجمة عن عدم تفعيل قانون أقره البرلمان منذ خمس سنوات حتى الآن بلغت بلايين الدنانير، والخسارة التنموية على سوق النقد والمال في الأردن وعلى الاقتصاد ككل قد تفوق ذلك بكثير إذا ما احتسبنا كلفة: 1. عدم تحديث القطاع المصرفي، 2. وعدم تمكن آلاف من الاشخاص الذين احترموا التزاماتهم المالية على مدى سنين من الاقتراض، 3. والمشاكل التي تواجهها المؤسسات الصغيرة ومتوسطة الحجم في الحصول على قروض على الرغم من كونها تعاملت بجدية ونزاهة مع تاريخها الائتماني، وغيره من التشوهات التي أعاقت نمو الأردن وهي كثيرة.

السؤال الآن يجب أن يكون: من أعاق تفعيل قانون أقره الجهاز التشريعي؟ ولماذا؟ أعتقد ان الإجابة ستأتي مغمغمة وأننا سنكتشف أن هؤلا يعتمدون سياسة "لا تفعل شيئا لكي لا تخطئ"، ما أقبح هذه السياسة المحبطة والتي يجب أن تكون بائدة في أردننا الذي يريد التقدم والإنجاز.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التقيم الشعبي الظالم والمتخلف (sami asali)

    الأحد 7 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    شكرا على المقال . نحن في امس الحاجة لذلك القانون. للاسف يتم التقيم بالسوق حاليا بشكل شعبي عشوائي ظالم وغير مدروس.