الدستور الأردني ثري بمواد الاعلان العالمي لحقوق الإنسان

تم نشره في الجمعة 5 كانون الأول / ديسمبر 2008. 03:00 صباحاً

      يصادف يوم 10/12 ذكرى مرور خمسين عاماً على ظهور "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان". لم يكن الأردن يومها عضواً في الأمم المتحدة ومع ذلك فإن الدستور الأردني الذي ظهر بعد وحدة الضفتين 1950م جاء ثرياً بمواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

      ولماذا أهتم بتدوين هذه التجربة. أرجو أن ألفت انتباه القارئ أن من أسباب كتابة هذا المقال هو:

1-    أن الأردن ساهم مساهمة كبيرة في تدوين كثير من مواد الإعلان العالمي  لحقوق الإنسان في الدستور الأردني بحيث أن الحريات في الدستور الأردني جاءت متطابقة مع ما ورد في مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لحد كبير.

2-    أن الإعلان العالمي هو الوثيقة المهمة التي دونت حقوق الإنسان في ثلاثين مادة. صحيح أن ميثاق الأمم المتحدة أشار لحقوق الإنسان ولكن لم يفصل ما هي. جاء الإعلان العالمي ودوّنها مادة وراء مادة.

3-    أن الشعب الفلسطيني هو الشعب الوحيد في العالم (الآن) الذي يعاني من التفرقة العنصرية (الابارثهايد) Apartheid  ولا يوجد أي شعب آخر غيره على سطح الكرة الأرضية يعاني من التفرقة العنصرية.

قبل عام 1990 كان هناك شعبان يعانيان من التفرقة العنصرية وهما الفلسطيني والجنوب أفريقي في جنوب أفريقيا. ولكن شعب جنوب أفريقيا أخذ حقوقه وظل الشعب الفلسطيني.

      هناك تقصير كبير في التعامل مع مشكلة الشعب الفلسطيني في مسألة (التفرقة العنصرية). كانت الدبلوماسية في السابق أقوى بحيث تستطيع ردع إسرائيل في هذا الصدد. وفي 11/10/1975 صدر قرار (الصهيونية شكل من أشكال العنصرية) عن الجمعية العامة وللأسف فقد تم إلغاء هذا القرار في 1991م. وظل الدفاع عن الشعب الفلسطيني ضعيفاً... لقد غابت القوى العربية المؤثرة في حركة عدم الإنحياز مثل مصر. ولم يعوض العرب النقص وظلت معاناة الشعب الفلسطيني تزيد يوما وراء يوم.

      وغاب الضغط عن الأمم المتحدة ولعلنا نذكر مجزرة جنين وكيف عجزت الأمم المتحدة عن إرسال لجنة تحقيق بالرغم من أنها انصاعت لطلب إسرائيل أن لا تتضمن اللجنة عسكريين ومع ذلك ظلت حبراً على ورق... علينا أن نتذكر أن القانون الدولي ضعيف إذ لم تكن وراءه دول عظمى... وهنا يأتي دور القيادات ومن المؤكد أن القيادة في جنوب أفريقيا خاضت نضالاً مستمراً ضد التفرقة العنصرية.

      قابلت في منزلي وفي منزل سفير جنوب أفريقيا خبيرا من جنوب افريقيا في مفاوضات التفرقة العنصرية وحدثني عن تجربتهم التي دونها نلسون مانديلا نفسه في كتاب بعث لي نلسون نسخة موقع منه يوم 18/10/1999م والكتاب بعنوان (رحلتي الطويلة من أجل الحرية).

      وفي الكتاب يتحدث عن جهود المفاوضين في تعريف من هو السجين السياسي ومن هو المنفي السياسي. وكان المفاوضون السود يطالبون بتوسيع التعريف. وفي مذكرة (غروت شور) أُلزمت الحكومة برفع الطوارئ... وطالب السود بتشكيل جمعية تأسيسية عامة منتخبة لوضع دستور وأن يختار الشعب أعضاءها.. وقبل ذلك تشكيل حكومة مؤقتة تشرف على الفترة الانتقالية التي تنتهي باختيار حكومة منتخبة. فلا يمكن أن تكون الحكومة حكماً وطرفاً في المباراة كما هو الحال في جنوب أفريقيا.

      وطالب المفاوضون السود بإنشاء مؤتمر تفاوض متعدد الأحزاب يتولى تشكيل الحكومة المؤقتة ويحدد المبادئ العامة والمهام وأعمال الجمعية التأسيسية. كان السفير يتحدث بكل سعادة عن هذه التحضيرات التي أدت إلى نجاح المفاوضات.

      إن كتاب مانديلا يستحق القراءة لمن يرغب في معرفة طريقه للحرية. ومن أراد أن يعرف الظروف أكثر يمكنه قراءة كتاب وني مانديلا زوجة ولسون مانديلا وهو بعنوان "شيء من روحي". لقد أغرق العراقيون المكتبات بترجمة الكتاب.

تجربة شخصية ثانية:

      وفي مكتب الأمم المتحدة في القاهرة تعرفت أثناء عملي في مصر على السيدة نجاة قصار زوجة توفيق أبو أتله المحامي الشهير وهي من أشهر وأنشط الموظفات وهي سورية الأصل والثقافة والأصالة وكانت دائمة الترحيب وقد استعانت بي لإلقاء محاضرات في يوم 21/3 ذكرى مذبحة شارب فيل وهو يوم التفرقة العنصرية.

      وقعت المذبحة يوم 221/3/1960 في شارب فيل  Sharpville مدينة صغيرة جنوب جوهانسبرغ. ذهب مدنيون بينهم عدد من النساء يدعمهم حزب المؤتمر القومي الإفريقي للتعبير عن احتجاجهم على تصريحات المرور وهي إجراءات تعيق حركة السود. كان في مركز الشرطة الذي أحاط به المتظاهرون (75) شرطياً أطلقوا النار على المتظاهرين؛ (700) رصاصة أصابت (69) شخصاً بينهم نساء وأطفال وقتل بعضهم وهو يحاول الهرب من الخلف.

      وتدخل مجلس الأمن لأول مرة في جنوب أفريقيا وألقى اللوم على الحكومة وانهار سوق الأوراق المالية وفرت رؤوس الأموال من البلد وبدأ البيض في ترتيبات هجرة... كل ذلك والحكومة تقول إن هذه مؤامرة شيوعية.

      وفي يوم 28/3 عبّرت الجماهير عن غضبها وأحرق الزعيم البرت لوتولي تصريحاً للمرور وأعلن الاعتصام في البيوت (مثل ما فعل الخميني مع الشاه) وتجاوبت الآلاف من الناس وأحرقت تصريحات المرور وتجمع (50) ألفا في كيب تاون ووقع شغب.

اعتقال مانديلا:

      وفي يوم 30/آذار بعد تسعة أيام من المذبحة اعتقل مانديلا مع أربعين زميلاً له من دون أمر اعتقال رسمي ولم تتح له فرصة إحضار محام ولم يبلغ ذويه بمكان اعتقاله.

لماذا اهتم العالم بجنوب أفريقيا أكثر من فلسطين:

      نلاحظ أن اهتمام العالم بقضية جنوب أفريقيا كان أكثر من فلسطين دائماً.. هل يرتبط هذا بالخصم وقوته وأن الصهيونية أقوى مثلاً.. في سيرة مانديلا أنه ابن سيد بحكم السلالة ويرتبط بعائلة تيمبو الملكية وملك التيمبو نصب والد مانديلا زعيماً لقرية. وأصل التيمبو من الملك وزيدي.

      لقد بدأت تجربته السياسية في جامعة ويتس Wits وكان الطالب الأفريقي الوحيد في كلية الحقوق. كان بعض الأساتذة يقولون إن الأفريقيين غير مؤهلين لمهنة المحاماة، ويبدو أن تأثير الهنود عليه في الجامعة كان قوياً وكانت هذه المجموعات هي طلائع وكان سياسته للدفاع عن المظلومين.

      بدأوا بدراسة القانون وهناك قوانين تكبل الأفارقة ومنها قانون الأراضي (1913) الذي سلبهم 87% من الأرض التي ولدوا عليها وقانون ضواحي المدن (1923) الذي خلق الأحياء الفقيرة وقانون إدارة شؤون السكان الأصليين (1927) الذي ربط البلد ببريطانيا بدلاً من زعماء القبائل وقانون الحواجز العرفية (1926) الذي حال دون إسهام الأفارقة في مزاولة المهن وقانون تمثيل السكان الأصليين (1936) الذي أسقط أسماء الأفارقة من السجلات العامة للناخبين.

      والأهم أنهم رفضوا استيراد أيديولوجيات أجنبية حتى لو كانوا بحاجة إليها مثل الشيوعية.

التأثر بالهنود:

تأثر مانديلا بطريقة الهنود في الاحتجاج على قانون حيازة الأراضي للآسيويين الذي حد من حركة الهنود وقيد من حقوقهم في شراء العقارات فشن الهنود حملة مكثفة لمدة عامين من الاحتجاج... وللأسف خاضوا الحملة وحدهم ولم يساعدهم السود. وانبهر مانديلا باحتجاج الهنود على الظلم والطغيان وأصبحت الحملة الهندية نموذجاً له.

كان عام 1947 حاسماً إذ أنهى التدريب فيه وإذ أصبح عضواً في اللجنة التنفيذية للحزب الوطني وبدأوا العمل المشترك ضد العدو المشترك وتعاونوا مع الهنود.

وفي عام 1950 بدأت مقاومة القوانين العنصرية مثل قانون تسجيل السكان الذي يصنف المواطن حسب العرق، وقانون المجموعات العرقية، الذي يلزم الهنود بالسكن في مناطق معينة وكذلك السود.

واستمرت القوانين العنصرية واستمرت المقاومة... وفي عام 1952م استلم ألبرت لوتولي الحزب وهو ابن مبشر... وانخرط الجميع في النضال والدفاع عن المظلومين في ظل هذه القوانين العنصرية ... التي كانت تتزايد وكان النضال ضدها يزيد.

موقفنا من ظفرالله خان:

      يرتبط الهنود والباكستانيون بقضايانا وفي عام 1948 وقف ظفر الله خان مندوب الباكستان موقفاً رائعاً في كلمة ألقاها أمام الجمعية العامة مدافعاً عن فلسطين وكانت النتيجة أن شيخ الأزهر قال عنه (كافر) لأنه (قادياني) وهنا كتب الصحفي أبو الفتح وقال "انعم به من كافر".

وأخيراً عودة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

      عندما وضع الدستور الأردني عام 1952 كان المغفور له الملك طلال ملكا وقد رعى بطريقة تلفت الانتباه الحريات، وجاء الدستور الأردني مليئاً بمواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وخاصة ما يتعلق بالحريات ولقد دونت هذه التجربة بطريقة مفصلة في جميع المحاضرات التي ألقيتها في أكاديمية الشرطة الملكية خلال الأعوام (1995-2005) وكانت الأكاديمية وما زالت تهتم اهتماماً بالغاً بحقوق الإنسان وتدريسها ومتابعة ما يستجد فيها وأن ثقافتهم الكبيرة حول هذا الموضوع واهتمام الأكاديمية الموصول هو خير تطبيق عملي للإعلان العالمي ومواد الدستور وقبل أن أتوقف عن الحديث أشير لاهتمام ضباط الشرطة بهذه المادة واستذكار تفاصيلها في كل مناسبة. وهذا ليس مفاجأة فأول مادة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان جاءت من مقولة عمر بن الخطاب عن الحريات وأن الناس ولدوا أحراراً متساوين في الحقوق والواجبات.

Abudayeh@hotmail.com

التعليق