محمد أبو رمان

الأردن، حماس ومصر

تم نشره في الأحد 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 02:00 صباحاً

تشير "تقارير" وتسريبات إعلامية معيّنة إلى أنّ دعوات قد صدرت لقيام الأردن بتولي الوساطة بين فتح وحماس، وتذهب أخرى إلى افتراض وجود وساطة أردنية سرية للتهدئة بين حماس وإسرائيل من أجل عودة التهدئة مقابل التوقف عن إطلاق الصواريخ وإبعاد سيناريو الاجتياح الإسرائيلي. لا تغفل تلك التسريبات الغريبة الإشارة إلى أنّ هذه الوساطة تمثل "بديلاً" عن الدور المصري الحالي، وتحديداً في غزة.

من حيث المبدأ؛ فإنّ المصلحة الحيوية الأردنية تتمثل في المصالحة الوطنية الفلسطينية، وإزالة حالة الانقسام واستعادة وحدة المشروع الفلسطيني في مواجهة إسرائيل، والإبقاء على إمكانية الدولة الفلسطينية قائمة، وربما يمتلك الأردن من الأوراق العديدة التي تجعل من فرص نجاح الوساطة معقولة.

في المقابل؛ فإنّ مصادر رسمية وموثوقة رفيعة المستوى تؤكّد عدم صحة تلك التقارير، وعلى أنّ أية جهود أردنية لن تتم إلاّ بالتنسيق مع الحكومة المصرية، وبالتكامل مع دورها، لا على حسابها.

فالحرص الأردني على المصالحة الفلسطينية يوازيه حرص كبير على صفاء أجواء العلاقة مع مصر، وتفويت الفرصة على أية جهود لـ"تضليل الرأي العام" حول العلاقة بين البلدين، في ظل الضعف العربي الواقع أصلاً.

خطورة تلك التقارير أنّها تأتي في سياق فشل حوار القاهرة بين حماس وفتح، وارتفاع حدة التلاوم بين الطرفين، بالتوازي مع ملامح أزمة صامتة (غير معلنة رسمياً) بين حماس والحكومة المصرية، وكأنّ الدور الأردني بمثابة إعلان فشل للدور المصري.

الأخبار الجيّدة أنّ قيادة حماس نفت عرضها أية وساطات بديلاً عن مصر في الحوار مع حركة مع فتح أو مع الجانب الإسرائيلي، ما يؤكد أنّ تلك التقارير غير صحيحة، وأنّها لا تستند إلاّ إلى تخمينات وتسريبات تفوح من بعضها رائحة "أجندة واضحة" تريد الإيحاء بتدهور علاقة الأردن مع دول عربية صديقة في الفترة الأخيرة.

المفارقة أنّ هذه التسريبات تأتي بعد بعض التقارير "الغريبة" التي تحدثت عن فتور وجمود في العلاقات الأردنية- السعودية، ما تنفيه مصادر رسمية أردنية جملة وتفصيلاً، ولا تصادق عليه أية أرقام أو معلومات أو وقائع، وأسوأ ما في تقارير بعض الصحف الإحالة دوماً إلى "مصادر موثوقة"، فيما توحي المعلومات الواردة فيها أنّها في أفضل الأحوال مصادر "موهومة".

على النقيض من ذلك تماماً؛ فإنّ الدبلوماسية الأردنية تتمع اليوم بعلاقات دافئة وحيوية مع الأقطار العربية كافة، وتربطها مصالح استراتيجية مشتركة بكل من السعودية ومصر، وقد قامت باستدارات تكتيكية هادئة، من دون أية اهتزازات خطرة، وأنجزت مهمة كبيرة تتمثل في الخروج من "سياسات المحاور الإقليمية"، التي وسمت المرحلة السابقة، والأهم من ذلك ملء الفراغ الدبلوماسي في علاقات الأردن مع دول عربية أخرى، تحديداً سورية والحكومة العراقية الجديدة وقطر التي تجاوزت معها الأردن غمامة الصيف بصورة كاملة.

بالتأكيد علاقة الأردن مع حماس لن تكون على حساب مصالحه الاستراتيجية، ولا علاقته بالرئيس عباس، وعلاقة الأردن بقطر وسورية ليست على حساب أي طرف عربي آخر.

ما يجري اليوم هو باختصار "حراك تكتيكي في المربعات الاستراتيجية" الأردنية التاريخية المرسومة بدقة وبعمق مبني على إدراك لطبيعة الموقع الجيواستراتيجي وتحدياته ومصادر التهديد المختلفة.

النقلة النوعية في الدبلوماسية الأردنية خلال الشهور الأخيرة تمثل استعادة السياسة الأردنية المعروفة بالاشتباك الإيجابي والحياد الصحي في كثير من الملفات الداخلية لدول أخرى، فضلاً عن نزع بؤر التوتر والأزمات مع الأشقاء العرب، وهذه السياسة تحظى بإجماع رسمي وشعبي وتلقى ارتياحاً كبيراً في الأوساط السياسية العامة.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاعلام الرسمي وحق المواطن (بانا السائح)

    الأحد 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    نعم, هناك حراك اردني مميز على صعيد استعادة العلاقات الاردنية العربية مع بعض الدول و تعزيزها مع دول شقيقة أخرى. و لكن ما يبدو لي غير واضح هو حال الاعلام الرسمي لتوضيح ما يقوم به الاردن في هذا المجال المهم. نتابع الجولات الكثيرة للدول المختلفة التي يقوم بها جلالة الملك و تكون الاخبار او التحليلات الاخبارية هي في أغلبها خالية من مضمون المهمات الاساسية للزيارة و النتائج التي من الممكن أن يلمسها المواطن الاردني. بلا أدنى شك أن هناك تحرك أردني يتميز بالثبات و لكن ما نرجوه هو أن يأخذ اعلامنا الرسمي في حسبانه حق المعرفة للمواطن الاردني لأن هذا من شأنه تعزيز الانتماء و المسؤولية.
  • »سياستنا الخارجية في الطريق الصحيح (عبدالله اسمر)

    الأحد 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    أشكر الكاتب على مقاله.
    السياسة الخارجية لاردن تسير بالطريق الصحيح بعد سلسة اخفاقات سادة المرحلة السابقة . فتحسين العلاقات مع عدد من الدول العربية والانفتاح الجزئي على حماس.لكن على الاردن اتمام الصمرة بلعب دور في فك الحصار وانهاء الانقسام بين فتح و حماس. وذلك سيمون بمثابة نجاح كبير اسياستنا الخارجية.
  • »الاتجاه نحو الافضل (احمد سمارة)

    الأحد 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    بلا شك ان الخطوات الاردنية الاخيرة .. تتجه بالاردن نحو الطريق الصحيح .
    تعزيز العلاقات مع العرب جميعا حكومات وشعوب وفصائل بغض النظر عن المحاور التي ينتمون اليها .
    ومن ثم تحسين العلاقات مع المعارضة في الداخل - وان كانت بحاجة الى المزيد من التقدم - تعزيزا للصف الداخلي
    كل هذا يعطي الاردن قوة اكبر في المضي في لعب دور اساسي في المنطقة .. ويجعل من موقفها الافضل في اي مرحلة قادمة.

    كل التخوف من اعداء الوحدة .. والانفتاح على الاخر .. الذين يحفرون ويحفرون .. ولكن كل ما نأمله ان يكونوا كما قال المثل : " كمن يحرث في ماء البحر " اي بلا طائل .

    شكرا للاستاذ ابو رمان على هذا المقال .. وكلي امل ان لا يكون هو ايضا من الذين ذكرهم في مقاله .. الذين " يستندون الى مصادر موهومة .. وان يبني كل مقالاته وتحليلاته على مصادر موثوقة ..وبالاخص في مايخص جماعة الاخوان المسلمين وحركة حماس .

    كل الشكر والتقدير
  • »سياستنا الخارجية في الطريق الصحيح (عبدالله أسمر)

    الأحد 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    اشكر الكاتب على مقاله.اتسمت السياسة الخارجية للاردن في لبفترة الاخيرة بمجموعة من النجاحات على صعيد اعادة العلاقة الى طبيعتهامع العديد من الدول العربية الفاعلة كسوريا وقطر.ولكن باعتقادي أن الصورة الايجابية يجب أن تكتمل بأن يأخذ الاردن دوره الحقيقي في ملف القضية الفلسطينية بكل أبعاده بما فيها المصالحة بين حماس وفتح,لان المصالحة بينهما مصلحة أردنية بامتياز. وأذا استطاع الاردن أن يلعب دورا في المصالحة وفي فك الحصار عن غزة سيكون ذلك بمثابة نجاح أردني أقرب الى التاريخي.