دعوا المعلم يعلم

تم نشره في الاثنين 5 أيار / مايو 2008. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 14 تشرين الأول / أكتوبر 2014. 03:02 مـساءً

استغرب كثيرا أن يصدر قانون يعود بنا الى عهد أبوية الحكومة، وهي فكرة كنا نعتقد أن عصر الاصلاح الذي مررنا به طلّقها الى غير رجعة.

فجأة نجد هذه الفكرة، أو طريقة التفكير، تمد رأسها في قانون التعليم الذي صدر في الجريدة الرسمية في 16 نيسان (إبريل)، أي قبل أيام، حيث نص القانون الجديد على أن تعليم المواد الدراسية المشروعة في المناهج الحكومية من حق وزارة التعليم فقط، وبهذا تصبح المعاهد التي يستخدمها الطلبة لتقوية أنفسهم في المواد الصعبة ولا سيما في مرحلة التوجيهي مؤسسات غير قانونية. من المستفيد من مثل هذا التشريع؟ لا أحد.

 الوزارة المعنية لن تستفيد من القانون رغم الاقتراح بأن تقوم المدارس بالتدريس بعد الدوام لهذه المواد.

فالوزارة مثقلة وموازنتها بحاجة الى الدعم الكثير ولا سيما أن الأردن أصبحت من الدول التي تراجع فيها الانفاق على التعليم في العشرين سنة الماضية.

لماذا سترهق الوزارة نفسها في الانفاق على الكهرباء والماء والكوادر الإدارية في تشغيل المدارس بعد الدوام؟

المدرس الذي سيحصل على 2.5 دينار في المتوسط عن كل ساعة تدريس إضافية في المدرسة لن يستفيد لأنه كان يحصل على 20 دينارا في الساعة أو أكثر مقابل التدريس في معهد.

وحسب العرض والطلب فإن المعلم الجيد يعطي الكثير من هذه الدروس ويأخذ الكثير، خصوصا إذا ما كان موهوبا وذا سمعة طيبة بين التلاميذ، فيفيد ويستفيد. أما أن يعمل ساعة إضافية مقابل 2.5 دينار فهو سيخسر 17.5 دينار في كل ساعة. وبالطبع سيكون هناك أساتذة ممن لا يرغب في توظيفهم أحد الذين سيجبرون الطلبة على التسجيل في هذه الدروس ليحصلوا على الدخل الاضافي الذي ما كان ليتحقق لهم لولا القانون. أي أن الاستاذ في الصف قد يرغم الطالب على التصرف الخطأ. كما أن الطالب الكسول سيرى فرصة في ذلك لتحسين علاقته مع المعلم من خلال التسجيل في الدروس الإضافية وعدم الحضور.

وبهذا يكون القانون قد شجع على أسوأ الممارسات، وهي تمكين الدخل الريعي أو الاحتكاري لغير الكفؤ.

لا يلام أحدهما، بل يلام التشريع الذي حفز مثل هذه الممارسة.

المعاهد أيضا ستخسر لأنها قد تغلق ابوابها ويخسر الأردن ما يلي: إيجارات 400 معهد، أجور موظفين لـ2800 شخص إذا ما افترضنا أن كل معهد يوظف ثمانية أشخاص، وأرباح أصحاب المعاهد، وضرائب ورسوم ستخسرها الحكومة، وقيمة مضافة في الاقتصاد الكلي فالكل يعلم أن القيمة المضافة مرتفعة جدا في الخدمات.

والتعليم، أهم أنواع الخدمات ورافد التنمية المستدامة، وصانع أغلى ما نملك، ايضا سيخسر.

كما لن يستفيد الطالب من هذا التشريع لعدة اسباب، فقد يرغب الطالب في التعلم من أستاذ يختلف عن أستاذ مدرسته ليتعلم منهجية أخرى في التفكير، أو لأنه لا يتفاعل جيدا مع أستاذ المدرسة وهو أمر متوقع حين يكثر الطلبة في الصفوف، وتكتظ الغرف بهم، ويكون الاستاذ مرهقا يعمل كثيرا وبدخل قليل. فدخل الاستاذ في أي دولة أقل من دخل أي وظيفة أخرى بذات المؤهل، وهذا شيء معروف للأسف، فلماذا نرهقه أكثر ومقابل النزر اليسير؟

وسيتضرر صاحب المبنى، وسائق التاكسي الذي يوصل الطالب أو المعلم، وصاحب المطعم الذي يقدم لهم الساندويتشات، وأناس كثر وعائلاتهم معهم. وستكون النتيجة أن أحدا لن يستفيد من هذا التشريع، كما أن الاجيال (الراغبة في العلم منها أو تلك التي تريد تحصيل معدل أعلى في امتحان التوجيهي الذي كان يجب أن نتركه منذ سنين) أيضا لن تستفيد. فلماذا نلد مثل هذه القوانين؟

أما آن الأوان للأبوية أن تتراجع أمام احترام عقلانية المواطن؟ أما آن الأوان لنا أن نعلم بأن لكل تشريع تكاليف ومنافع، وأن التكاليف لا يجوز لها أن تفوق المنافع؟ هل حسب المشرعون تكاليف ومنافع هذا القانون؟ ربما آن الأوان لذلك.

التعليق