أزمة اليسار الإسرائيلي

تم نشره في الاثنين 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 02:00 صباحاً

 

ظهرت في الآونة الأخيرة في إسرائيل مبادرة من شخصيات سياسية محسوبة على اليسار الصهيوني، تسعى إلى تشكيل إطار سياسي كبير، بإمكانه أن يستوعب جمهورا واسعا من مصوتي هذا اليسار، الذين خاب أمله من حزب "العمل" بزعامة وزير الحرب إيهود باراك، وطرح خطاب لا يجدون كل تفاصيله في حزب "ميرتس" اليساري الصهيوني.

وتأتي هذه المبادرة على ضوء التراجع المستمر في قوة هذا اليسار، الذي كان في العام 1992 يسيطر على 56 مقعدا من أصل 120 مقعدا في الكنيست، بينما اليوم لديه 24 مقعدا، وتجمع استطلاعات الرأي الحالية على احتمال تقلصها إلى 19 مقعدا وحتى 17 مقعدا، لحزبي "العمل" و"ميرتس" معا.

بداية هناك ضرورة للتوضيح إلى أن هناك فارقا بين يسارين، اليسار الأكبر نسبيا، وهو اليسار الصهيوني المتمثل في هذين الحزبين، وبين يسار صغير مناهض للصهيونية، يتمثل من خلال حركات صغيرة في الشارع اليهودي.

ومفهوم اليسار الصهيوني تاريخيا في إسرائيل هو أبعد بكثير من مفهوم اليسار السائد في العالم، إذ في السنوات الثلاثين الأولى لإسرائيل كان يتمثل بحزب "المباي"، "العمل" حاليا، مقابل حزب اليمين "حيروت"، "الليكود" حاليا، رغم ابتعاد "العمل" بشكل كبير عن مفاهيم اليسار على المستويين السياسي والاجتماعي.

فحزب "العمل" حكم إسرائيل في العقود الثلاثة الأولى بشكل منفرد تقريبا، وصنع الحروب الاحتلالية، ووضع أسس سياسة التمييز العنصري، وطبقها ليس ضد فلسطينيي 48 فحسب، بل ايضا ضد اليهود الشرقيين، إلى ذلك فإن السياسة الاقتصادية التي اتبعها، كانت هي أيضا سياسة صقرية تصاعدية موجهة ضد الشرائح الفقيرة والضعيفة.

وفي نهاية سنوات السبعين بدأت تظهر حركة "راتس" المنشقة عن حزب "العمل" التي تطورت من انتخابات إلى أخرى، لتتحول إلى "ميرتس" في العام 1992 بجمعها ثلاثة أحزاب.

ولكن قبل ذلك من الضروري الإشارة إلى أن شكل اليسار الذي رأيناه في سنوات التسعين الأولى تبلور بفعل تحركات في الشارع الإسرائيلي مع نهاية سنوات الثمانين، على ضوء انتفاضة الحجر الفلسطينية في تلك الأعوام، التي وضعت إسرائيل في عزلة دولية، وشعر الإسرائيلي على جلده صورته القبيحة في العالم، ولهذا بدأت تنشط قوى في الشارع تبحث عن بديل.

وكل هذا قاد إلى فوز اليسار الصهيوني في العام 1992، بـ 56 مقعدا، منها 44 مقعدا لحزب "العمل" بزعامة رئيس الحكومة الأسبق يتسحاق رابين، و12 مقعدا لحزب "ميرتس"، ولكنه استعان بخمسة مقاعد من كتلتين ناشطتين بين فلسطينيي 48، ليتشكل بذلك جسما مانعا أمام اليمين، 61 نائبا من أصل 120.

وبين العام 1992 و1996 شهدنا انطلاقات العملية السياسية على كافة المسارات العربية وأبرمت اتفاقيات مع منظمة التحرير والأردن.

إلا أن اغتيال رابين في خريف العام 1995، وصعود اليمين إلى الحكم بشكل مفاجئ في ربيع العام 1996 على وقع انفجار الوضع الأمني، أدى إلى تحول في السياسة الإسرائيلية، وعرقلة العملية التفاوضية، كما تراجعت حالة الانفراج التي "نعم بها الشارع الإسرائيلي" على مدى سنوات.

وعلى ضوء هذا فقد منح الشارع الإسرائيلي حزب "العمل" فرصة ثانية في العام 1999، بزعامة إيهود باراك، الذي حمل العملية السياسية إلى مسار صدامي، محاولا فرض حل على الجانب الفلسطيني، لا يتجاوب مع أسس الحل الدائم، ومن هنا جاء العدوان الإسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة، الذي فجر كل العملية التفاوضية، ودمّر كل انجازات الاتفاقيات السابقة مع الفلسطيني.

ونقول هذا بدافع الايجاز، لنصل إلى استنتاج أن خريف العام 2000 كان تحولا ليس فقط لتدمير العملية التفاوضية، بل أيضا لتراجع كبير في توجهات الشارع الإسرائيلي، ليعود إلى حضن اليمين واليمين المتشدد، "رمز القوة"، الذي بإمكانه أن ينقذه من "العدو الذي يريد أن يبيد كيانه"، وهي مقولات كانت سائدة طوال السنوات، وتراجعت نسبيا في سنوات التسعين فقط.

وأدت هذه التحولات إلى تراجع قوة اليسار الصهيوني باستمرار، وإذا ما قلنا إن حزب "ميرتس" حافظ على مواقفه الايجابية تجاه القضية الفلسطينية، رغم موقفه الرافض لحق العودة، وموقفه المتلعثم نوعا ما من القدس المحتلة، فإنه دفع ثمنا بتراجع قوته باستمرار.

أما حزب "العمل" فقد كشفت قيادته بزعامة باراك عن وجهها الحقيقي، بأنها لا تختلف من حيث الجوهر عن مواقف ما يسمى باليمين المعتدل، في أفضل الأحوال، ولكن هذا لم يسعفه، وهو مايزال يسجل التراجعات وبات أقرب إلى الانهيار.

من هنا بالإمكان القول إن أزمة اليسار من حيث المبدأ تكمن في غياب الخطاب السياسي البديل الواضح والنهج بموجبه، وهو ما كان قائما إلى حد ما في سنوات التسعين، وقد تشتت مؤيدو هذا الخطاب بين خيبة أمل وعودة إلى أحضان اليمين، أو الوقوف جانبا والابتعاد عن دائرة الحسم، المتمثلة بالعملية الانتخابية، مقابل تزايد حماسة اليمين ودوره الفعال في العملية الانتخابية والسياسة.

وعلى أساس هذا الاستنتاج راحت تلك الشخصيات، التي في غالبيتها جاءت من حزب "العمل"، حيث كانت تتبوأ مناصب قيادية رفيعة، لتنعش هذا اليسار وتعيد له بعضا من قوته، من خلال توسيع اطار حركة "ميرتس" وزيادة قوتها البرلمانية.

وهناك عقبات جدية أمام هذه المحاولة، أهمها اقتراب موعد تقديم لوائح الترشيحات للانتخابات البرلمانية في نهاية الشهر المقبل، وإطار كهذا بحاجة إلى فترة تسويق واقناع ليست قصيرة، لاستنهاض مجموعات خاملة في الشارع الإسرائيلي واسترجاع قوى غادرت معسكر اليسار، وما يزيد صعوبة المهمة هي الأجواء السلبية السائدة في الشارع.

ولكن هناك عقبة لا أقل وزنا من العامل الزمني، وهو أن هذه المبادرة جاءت من شريحة، رغم مواقفها الايجابية، إلا أنها بنظر الشارع الإسرائيلي تبقى "شريحة النخبة"، ليست متغلغلة بين السواد الأعظم في الشارع الإسرائيلي.

في هذه الأيام، بدأت إسرائيل تلمس أكثر رياح الأزمة الاقتصادية، التي ستطال بالدرجة الأولى الشرائح الفقيرة والضعيفة، وفي دولة طبيعية، ويسار بمفهوم حقيقي، فهذه فرصة سانحة للانقضاض على الشارع، ليس فقط بأجندة سياسية بل بأجندة اقتصادية بديلة، ولأن إسرائيل تبقى دولة غير طبيعية، فمن شدة السخرية، أن المرشح الأقوى لتولي رئاسة الحكومة القادمة، هو من يوجه له أصبع الاتهام الأساسي باتباع سياسة اقتصادية وحشية تجاه الفقراء، أو كما يسمونها في إسرائيل "سياسة اقتصادية خنازيرية" بنيامين نتنياهو، زعيم معسكر اليمين. 

bjaraisi@gmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إذا زالت الفوارق نفاوض من (جمال بدر الدين)

    الاثنين 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    الكاتب برهوم جرايسي يستعرض أزمة اليسار، في حين أنه لم يعد قيمة لهذا اليسار، اليوم نحن أمام سياسة اسرائيلية واحدة بوجوه ثلاثة لا تختلف "العمل" و"الليكود" و"كديما"، ويبقى السؤال الاساسي ما حاجتنا للمفاوضات أمام سياسة كهذه؟