كوسوفو تبحث عن أصولها

تم نشره في الجمعة 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 02:00 صباحاً

اكتسبت كوسوفو شهرتها (عندما أعلنت استقلالها في 17/2/2008) باعتبارها أول دولة أوروبية من حيث نسبة المسلمين فيها (حوالي 95%) إلا أن علمها الجديد بنجومه الستة لا يشير الى أنها دولة قومية للغالبية الألبانية الساحقة (حوالي 92%) بل أنها دولة الأقليات إذا صح التعبير. وإذا استثنينا الأقلية الصربية "الكبيرة" (حوالي 5%) نجد أن كل واحدة من الأقليات الأخرى (التركية والغورانية والبشناقية الخ) لاتصل الى عتبة 1% من عدد السكان في كوسوفو.

الأقليات الموجودة في كوسوفو تنقسم الى نوعين: أقليات معروفة الأصول، كالصرب والبشناق والأتراك والغوران، وأقليات مختلف حول أصولها. ومن هذه الأقليات لدينا الأقلية المصرية والأقلية الأشكالية Ashkali. وإلى عهد قريب كانت هاتان الاقليتان تعتبران فرعين من الأقلية الغجرية (الرومية حسب التعبير الرسمي)، ولكن السنوات الأخيرة حسمت الفرز بين هذه الأقليات الثلاث (الغجرية والمصرية والاشكالية).

وعلى الرغم من الإجماع على ان هذه الجماعات/ الأقليات الثلاث جاءت الى البلقان من الشرق، إلا أن مفهوم "الشرق" أصبح يفرق بين الجماعات بدل أن يوحدها. واذا كان "الشرق" محسوماً بالنسبة الى الغجر (الهند) إلا أنه ليس محسوماً بعد بالنسبة الى الأقليتين المصرية والأشكالية.

وفي الواقع ما يميز هذه الاقليات عن بعضها هو اللغة والتواصل الثقافي/الاجتماعي والعلاقة مع الآخر. فالغجر أو "الروما" فقط حافظوا على لغتهم (التي اصبحت مكتوبة الآن) وثقافتهم الخاصة بشكل يميزهم بوضوح عن الآخرين.

أما "المصريون" و"الأشكاليون" الذين كانوا يعتبرون من الغجر، فقد فقدوا لغتهم الأصلية التي هي مثار خلاف وأخذوا لغة الوسط الذين يعيشون فيه (الالبانية)، ولكنهم لا يزالون متماسكين كجماعة اثنية متميزة بملامحهم وعاداتهم وتقاليدهم وعدم اختلاطهم مع الآخرين.

وإذا كان الأصل قد حسم عند الأقلية "المصرية"، حيث يوحي الاسم الجديد لهم بأن اجدادهم قدموا من مصر قبل حوالي عشرة قرون كما يقولون، مع ان مصر لم تعترف بعد بمصريتهم، إلا أن هذا الأمر (الأصل) لم يحسم بعد بالنسبة للأقلية "الأشكالية". فهناك من يرى أن اجدادهم قد جاؤوا من فلسطين، وبالتحديد من عسقلان Ashkelon، وهناك منهم من  يقول أنهم من بقايا الاشكينيين في بلاد فارس القديمة الذين انهارت دولتهم في 224م، ولكنهم نسوا لغتهم الأصلية لبعدهم الطويل عن موطنهم القديم.

والى أن تكتشف هذه الجماعات أصولها الحقيقية وتنال الاعتراف بها خارج كوسوفو، فإن الحكومة الكوسوفية تعاملهم على هذا الأساس، أي كجماعات اثنية متمايزة ولهم كوتا لتمثيلهم في البرلمان الكوسوفي. ونظراً لتردي حالتهم المعيشية بسبب تسرب أولادهم من المدارس وعدم قدرتهم على المنافسة في سوق العمل مع الآخرين، فقد وضعت الحكومة الكوسوفية بالتعاون مع الأمم المتحدة "استراتيجية اندماج الأقليات الغجرية والمصرية والأشكالية في كوسوفو 2007-2017"، التي أخذت على عاتقها وضع كل الامكانات المتاحة حتى يمكن لافراد هذه الأقليات الثلاثة الاندماج في المجتمع والتخلص من كل تمييز ضدها.

وفيما يتعلق بالأقلية الغجرية التي هي الأكبر في كوسوفو (حوالي 50 ألفا) توضح المعطيات الواردة في هذه الخطة الاستراتيجية الغبن الحاصل بحقهم حيث أن نسبة الأولاد الذين يكملون التعليم الثانوي والجامعي لا تتجاوز 5ر4% في كوسوفو، وهي أحسن بقليل من الدول المجاورة كألبانيا (3ر4%) والجبل الأسود (7ر3%) ولكنها أقل مما هي في صربيا (9%) وفي مكدونيا (11%).

ومع انتشار التعليم في أوساط هذه الأقليات حتى يصل الى المتوسط العام في 2017، يمكن القول أن أفراد هذه الأقليات قد يصلون في المستقبل القريب إلى اكتشاف وطن الأجداد في الشرق وإلى حسم مسألة الاسم وما تثيره من إشكاليات.

mohammad.arnaot@alghad.jo

التعليق