ضبط الأعصاب قبل ضبط الأسعار

تم نشره في الاثنين 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 02:00 صباحاً

 

كما لو كانوا مشدودين كقوس نشاب، هكذا أتفرس في حركية الناس من حولي. نزق يعلو ويهدر كموج البحر العاتي. متحفزون للانقضاض على أي نأمة أو همسة أو نسمة هواء. متوترون كأنما هموم العالم تكدست بين جوانحهم. بَرمون من كل شيء وجاهزون للقتال.

هذا مقطع عرضي للأردنيين في نهاراتهم ومساءاتهم. دائما هم على عجلة من أمرهم كأنهم على موعد مع رئيس الوزراء، ولك أن تتخيل مشهد سيارة تتعطل أو تتباطأ في المسير عندما تشع الإشارة الضوئية باللون الأخضر. إن أطنانا من السباب والشتائم وحركات اليدين والأصابع تنهال على السائق المسكين الذي لو عزم على أن يقتص من كل واحد منهم، لدفعه ذلك إلى ارتكاب مجزرة. وكم من المشكلات أنجبها مثل هذا الخطأ البسيط الذي لا أخال سائقا نجا من براثنه يوما ما.

فإذا كان السائق الذي انهالت عليه اللعنات من ذوي الدم الفائر، أو من أولئك "القاعدين على الكرزم" فالويل والثبور وعظائم الأمور لكل من اقترب من قناته أو مس كرامته. أما إن تعوذ من الشيطان وعدّ للعشرة فإنه يكون من الطائفة الناجية، ما يمكنه من إكمال مسيرته وكأنما أذناه محشوتان بالطين والعجين.

وفي ضوء هذين الخيارين، تتحدد مسارات حياة بأكملها، كما يفيدنا الخبير العالمي في مهارات الإدارة والقيادة الشخصية ستيفن كوفي في القاعدة المسماة (10/90). وتقول هذه القاعدة إن 10% من الحياة تتشكل من خلال ما يحدث لنا، والـ90% من الحياة يتم تحديدها من خلال ردود أفعالنا.

ويوضح كوفي أننا لا نستطيع منع السيارة من أن تتعطل أو الطائرة من الوصول متأخرة عن موعدها، وهو ما يشكل 10% مما يجري في الحياة، لكننا نستطيع أن نتحكم في 90% من الوقائع التي يتم تحديدها من خلال ردود أفعالنا. لذا ينصحنا ستيفن كوفي: لا تدع الآخرين يدفعونك للتصرف بحماقة. ويوضح إذا أبلغك أحد الأشخاص بعض الأشياء السيئة عنك، فلا تكن مثل الإسفنج، بل دع الهجوم يسيل عليك كما الماء على الزجاج، ولا تسمح للتعليقات السلبية بأن تؤثر عليك. فردة الفعل الإيجابية لن تفسد يومك، بينما ردة الفعل السلبية قد تؤدي إلى فقدانك الأصدقاء أو فصلك من العمل أو قد تجعلك في حالة من العصبية والتوتر والإرهاق، وقد تدفعك إلى الندم الأبدي.

ولنا أن نتخيل كم من القابعين وراء قضبان السجون، كان بمقدورهم أن يكونوا أحرارا لو أنهم تحكموا في ردود أفعالهم، أو لو أنهم تريثوا كثيرا قبل أن يطلقوا العنان على آخره لطاقة الشر الكامنة في نفوسهم؟

ولدى كل واحدة وواحد منا من الحماقات المختزنة في الذاكرة ما يكفي للتوقف برهة وسؤال النفس: لو أننا تريثنا قليلا، ألم يكن بالإمكان إيقاف مشكلة، أو على أقل تعديل التحكم في امتداداتها التي تكون أحيانا ذات عواقب وخيمة؟

ولعل الأزمات التي تحيط بنا إحاطة السوار بالمعصم، تجعلنا أشد ما يكون في حاجة إلى ضبط الأعصاب قبل المطالبة بضبط الأسعار وضبط النفقات الحكومية وضبط التسيب والإخلال بالسلم الأهلي والنفسي والاجتماعي.

 بيد أننا مطالبون، قبل ذلك وبعده، بضبط المساحات المتآكلة من الأمل الذي لولاه لأضحى العيش ضيقا ومستحيلا.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا بد من التحلي ببعض الصبر (لينا خالد)

    الاثنين 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    اتفق تماما مع الاستاذ برهومة في ما جاء في مقاله، حيث انني الاحظ اننا شعب على حافة الانفجار ولو لاتفه الاسباب، ولا يبرر هذا ابدا باننا نعيش تحت ضغوط معيشية هائلة، فعدد لا باس به من الشعوب العربية تعيش تحت افظع الظروف ومنذ زمن بعيد ولا تزال تتحلى بهدوء الاعصاب النسبي كشعب مصر الشقيق،
    قبل يومين كنت وزوجي على وشك الاصطدام بسيارة ونحن نرجع بسيارتنا للخلف مما اثار غضبنا، وما انا خرجنا من السيارة حتى فوجئنا بالشابين من السيارة الاخرى يخرجون منها بكل هدوء ويسالوننا بكل كياسة ان كنا تضررنامع ان الخطأ قد صدر منا اصلا، كم تمنيت لحظتها ان نتصرف جميعا بهدوء ولو حتى نسبي في مثل هذه الظروف حتى نمتص غضب الاخرين ولا تتحول اي مشكلة صغيرة الى مأساة
  • »ابحث عن التربية (حافيظ العلاونة)

    الاثنين 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    أتفق مع الكاتب الجميل موسى برهومة فيما ذهب إليه لأن الثقافة التي تمارس على الأفراد في المجتمعات الشرقية تجعلهم مأخوذين بالنزق وضيق الروح، فالأب متبرم في البيت لأن هذا السلوك في نظر المهووسين بالسلطة من شيم الرجل الجاد والشرقي العتل، وينسحب المشهد على أفراد الأسرة، فأغلب النماذج التي نراهانماذج عصابية، فقد سيطرت صحراؤنا على النفوس حتى غدت كالقاع الصفصف لا ماء فيها ولا عذوبة.
    إن هذه الحركة الؤوب لا تخبئ وراءها فعلا حقيقيا بل قشورا ذاوية.
    دعونا نتعاطَ مع الحياة بيسر وسكينة سنجد فضاءها أرحب وهواءها أعذب، دعونا نتشبث بالأمل والتصالح مع الأشياء ستتع الحياة لكل جميل ومفرح فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
    هنيئا للغد برئيس تحريرها وهنيئا للقراء الذين يتلقون وجبات لا تعترف إلا بالمدهش والبديع
  • »ردود الأفعال تعبير صادق (سندس داود)

    الاثنين 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    كثير من ردود الأفعال قادر على خدش قلوب و تحقيق انكسارات و تأسيس متاهات لعلاقات انسانيه كادت أن تكون جميله كحلم. المشكله بمن يعزم على أن يتأبط شرا و يستل السيف و يوجهه من غير أن يرف له جفن. إن منظومة تقييم العلاقات الانسانيه و النظره للاخر و لانفسنا هي التي تشكل ردود أفعال مشبعه بالقبح أو مترعه بالجمال حتى التحضر. للاسف الشديد يتعامل بعض الناس مع الأخر بحسب تصنيفات يعدونها هم بانفسهم و على هذا الأساس تقاس ردود أفعالهم! فمن يعتبر الأخر هامشيا أو لا اهميه له لا يأبه لردود أفعاله معه التي قد يكون لها أثر يدمي القلب. و من يعتبر الأخر هامه تبلغ السماء سيترفق به كنسيم عليل يداعب الأغصان. رد الفعل هو تعبير صادق عما يجول بالنفس حتى لو كان جارحا للاخر أو مشوها لصورة صاحبه وذلك لانه يخرج دون تخطيط في أغلب الأحيان ويكون تعبيرا صادقا و مباشرا عن مدى شعورنا بالاخر أولا و أنفسنا ثانيا. فمن أحب و احترم نفسه و الأخر بكل تجرد و اخلاص سينعكس ذلك على ردود أفعاله. أن من تجترهم ردود أفعالهم إلى زنزانة الحياه أو القضاء تكون ردود أفعال انتجتها انانيتهم أو الحقد المتوغل في أرواحهم عليها أو على الأخر. وقع رد الفعل القاسي أشد ألف مره من وقع الندم لانه ينزف. و قد يتسامح بعض المنكسرين نتيجة ردود أفعال فتكت باحلامهم وخانت مشاعرهم لكنهم سيفقدون الشعور بالامان، قد يلملمون جرحهم و يخفوه في عتمة القلب ويتجاوزون مرحلة البكاء على مصابهم. و يبقون على خيط موده يذكر دائما أنهم لن يكرهو بالرغم من الطعنه.
  • »تحية (محمود العزامي)

    الاثنين 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    إنني أغبط زملاءك في الجريدة،وقد يسّر الله لهم مديرا يمتلك كل هذه الأفكار النيرة في التعامل مع الآخرين،وأهنئك على المكان الذي تبوأته،ظانا أنك ابن الثقافة والأدب،قبل الصحافة،ذلك أن هذه المهنة مثلها كمثل السياسة تتحرك وفق أجندات ومصالح،أتمنى أن تنجو من ربقتها يا موسى،وأجدك أكاديميا مبدعا في إحدى جامعاتنا المحترمة.
    لك ولجميع زملائك وقرائك المحبة والاحترام،،،