العالم السري لختان الإناث في كينيا

تم نشره في السبت 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 02:00 صباحاً

- نيروبي

أثناء نشأتي كطفلة في ريف كينيا، كنت من المعجبات سراً بعملية تشويه الأعضاء الجنسية للإناث. وكنت مقتنعة بفعل أحاديث الصديقات والعجائز أن الفتاة بمجرد خضوعها لعملية الختان تكتسب احترام الناس ويعتبرها الرجال مناسبة للزواج. وربما لهذه الأسباب كنت متلهفة وأنا طفلة لم أتجاوز ثلاثة عشر عاماً من العمر إلى الختان حتى أصبح "امرأة حقيقية".

بيد أن أمي عارضت هذه الممارسة، لأنها كانت (وما زالت) مسيحية مؤمنة وكانت تريدني أن أتعلم وأفلت من مصير العديد من الفتيات في مجتمعي واللاتي تم تزويجهن لرجال أكبر منهن عمراً فخسرن استقلالهن. ولقد حاولت إقناع أمي بالسماح لي بإجراء عملية الختان، ولكنها رفضت.

أغضبني قرار أمي، وفي حالة من الإحباط تحدثت مع عدد من فتيات المدارس. فروت لي كل منهن جانباً مختلفاً من العملية، ولكنهن اتفقن على أن عملية الختان مؤلمة إلى حد بعيد، وأنني لابد وأن أعُد نفسي للنزيف الحاد. ورغم كل ذلك فقد شجعتني كل منهن على إجراء عملية الختان.

على هذا، وفي أحد شهورآب ( أغسطس) أثناء إجازتي المدرسية، قررت أن أعرف المزيد عن ختان الإناث. وقررت أن أشاهد إحدى الفتيات أثناء خضوعها لهذه العملية، وربما أراها تبكي وتصرخ أو تنزف، بل وقد أتحدث معها لاحقاً إذا أتيحت لي الفرصة لكي أتعرف على صورة أوضح لتجربتها.

عقدت العزم على تنفيذ خطتي فذهبت لمشاهدة عملية ختان إحدى الإناث. ولقد غيرت هذه التجربة حياتي، ولكن ليس على النحو الذي كنت أتوقعه. قبل العملية، استمعنا إلى النساء يتغنين بالأناشيد البطولية التقليدية، بينما عكف بعض النساء على شحذ سكاكينهن إعداداً للمهمة الموكلة إليهن. كما أعددن توليفة خاصة من الأعشاب لاستخدامها كمضاد لتلوث الجرح. لم ألقِ الكثير من الانتباه لاستعداداتهن، بل كنت أركز كل انتباهي على ليليان، صديقتي التي كانت تنتظر الختان.

حين بدأ النساء في عملهن، تحول التعبير الذي كنت أراه على وجه ليليان من الترقب المنفعل إلى الخوف ثم الهلع. حتى تصورت أنها قد تغير رأيها وتفر بحياتها.

بيد أنني كنت مخطئة. فقد استلقت على مقعد تقليدي ثم انحنت سيدة عجوز عليها وبيدها سكين. في تلك اللحظة نظرت بعيداً ثم سمعت صرخة حادة. ولكن الصرخة تلاشت بين صيحات التهليل التي أطلقتها حشود من النساء اللاتي كن يراقبن عملية ختان ليليان معي. كن يحتفلن بتشويه ليليان، بينما كنت أنا أتفجع على خسارتها.

في اعتقادي أن ليليان كانت تمر بأسوأ لحظات حياتها. وفي لحظة تبدل رأيي في ختان الإناث إلى الأبد. وبينما تواصلت صيحات التهليل والاحتفال من حولي، عقدت العزم على مكافحة هذه الممارسة بكل ما أوتيت من قوة.

بسبب دعم أمي لي وبفضل تصميمي، نجحت في إبقاء جسدي سالماً. ثم واصلت تعليمي حتى انتهيت من المدرسة الثانوية وارتحلت لدراسة الصحافة في مدينة كبيرة بعيدة عن الديار. واليوم وأنا أقيم وأعمل في نيروبي العاصمة المنفتحة على العالم، أنظر إلى الماضي بمزيج من الرعب والذهول حين أذكر افتتاني في أيام طفولتي بختان النساء.

لقد أفلت من التشويه، ولكن العديد من الفتيات من مجتمعي الكيني الريفي ما زلن يخضعن لعملية "التشويه" حتى يومنا هذا. ففي الشهر الأخير فقط في ناروك، وهي البلدة الأقرب إلى قريتي التي نشأت فيها أثناء طفولتي، توفيت فتاة كانت تبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً بعد خضوعها لعملية الختان استعداداً لتزويجها لرجل لديه خمس زوجات بالفعل. وحين توفيت الطفلة، تآمر أبوها وخطيبها على دفن جثمانها سراً في الأدغال. بيد أن الشرطة الكينية علمت بوفاة الطفلة واتخذت الإجراءات القانونية ضد الرجلين.

بيد أن عقاب مرتكبي جريمة ختان الإناث ما يزال أمراً نادراً، وما تزال هذه الممارسة مستمرة على الرغم من حظرها قانوناً. وكما أخبرني أحد العاملين في مجال رعاية الأطفال في ناروك: "ما لم تتغير المفاهيم فإن الجهود الرامية إلى مقاومة هذه الممارسة سوف تذهب سدى".

الحقيقة أن نظرة الآباء إلى هذه الممارسة بدأت تتغير ولكن ببطء. ولكن الحكومة قادرة على بذل المزيد من الجهد بطبيعة الحال. وتدعو إحدى المبادرات الجديدة إلى الاستغناء عن خدمات الزعماء المحليين كلما ارتفع عدد الإناث المتسربات من التعليم.

والحقيقة أن المنطق وراء هذه المبادرة قوي ومقنع: فإذا ما استمرت الفتاة في الذهاب إلى المدرسة فإن هذا من شأنه أن يجنبها التعرض لعملية "الختان" والزواج المبكر. وبمجرد تحصيل القدر الكافي من التعليم فقد يصبح بوسع الفتيات أن يخترن لأنفسهن ـ كما فعلت ـ وأن يقاومن المعاملة السيئة المهينة على أيدي أفراد أسرهن وجيرانهن.

ولكن في نفس الوقت يتعين علينا أن نفعل الكثير لمكافحة هذه الممارسة في كينيا وفي كل مكان آخر من أفريقيا. والمعارضة الدولية ذات فائدة عظيمة في هذا السياق. فقد نجحت الجهود التي بذلتها الأمم المتحدة وأوروبا لعقود من الزمان في شد الانتباه إلى هذه المشكلة وحث الحكومات الأفريقية على تجريم مرتكبي هذه الممارسة.

ولكن لأن مسألة تشويه الأعضاء الجنسية الأنثوية مرتبطة بمجموعة واسعة من الممارسات التقليدية التي تتضمن الهيمنة على أجساد الفتيات وعقولهن، ولأن هذه التقاليد ما تزال متمكنة من عقول بعض الأفارقة، فلن يتسنى لنا منع هذه الممارسة إلا من خلال الجهود المكثفة من جانب الأفارقة أنفسهم. وبنجاحنا في تغيير نظرة أصدقائنا وجيراننا إلى الأمر فسوف نتمكن من إنقاذ المزيد من الفتيات من هذا المصير.

* كاتبة ومصورة لدى صحيفة نيروبي ستار اليومية في كينيا.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما هو الدرس المفيد للاردنيين (BELAL)

    السبت 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    حاولت ان اتفهم العبرة من طرح مثل هذا الموضوع في صحيفة اردنية وللاسف لم اجد اي سبب مقنع.
    لو تم طرح هم من الهموم الكثيرة التي تفيد مجتمعنا لكانت الفائدة اعظم
  • »لنعمل نحن النساء على دثر هذه الظاهرة (سميرة الكردي)

    السبت 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    بايدينا نحن ايضا مساعدتك سيدتي الكاتبة من خلال تثقيف المرأة العالمية ولجان المرأة وجمعياتها المنتشرة حول العالم للقضاء على هذا الظلم الواقع على فتيات بعمر الزهور وذلك من خلال : التحدث والالتقاء مع فتيات ونساء تعرضوا لهذه المجزرة وواقع حالهم الان بعد مرور فترة من الزمن ، كما يمكن للطبيبات والممرضات الموجودات في مراكز المرأة والطفولة من تثقيف الاخريات المرغمات على ممارسة هذه العادة التقليدية التي وجب عليه ان تزول تماما، كما المعلمات في المدارس لديهم دور كبير في وصول الفتيات الى الامان المرجو والحياة الزاهرة ، والاعطاء المستمر .