ياسر أبو هلالة

الأردن وفلسطين: سؤال الهوية والاخوة

تم نشره في الثلاثاء 28 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 02:00 صباحاً

بقدر ما تكون الهوية مفتوحة تتقدم الدول والمجتمعات وتنفتح أمامها الفرص وتزيد في الوقت ذاته مخاطر الانقسام والذوبان. تشترك هنا هوية بلد صغير مثل الأردن مع هوية بلد قاري مثل الولايات المتحدة الأميركية. فيعكر الحلم الأميركي المبني على بلد المهاجرين كابوس هيمنة ذوي الأصول الإسبانية الذي صرخ صموئيل هانتنجتون صاحب "صراع الحضارات" نذيرا به.

 وفي الدرس العراقي، وآخره ما حل بمسيحيي الموصل، تذكرة لمن يتوهم بأن بلدا في مأمن من أزمات الهوية. فقد توجس الأشوريون مبكرا مع استقلال العراق، ولاذوا بالفرنسيين في سورية أملا في حمايتهم فما نالوها وعدوا خائنين لا يتعاطف أحد مع اضطهادهم، وما حاق بالكرد كان أشد وأنكى، وتعفنت الهوية الوطنية وتفسخت حتى ضاقت بالسنة العرب الذين توارثوا حكم العراق من ايام الراشدين إلى دولة البعث.

 وإن أزهرت رياحين في دروب العلاقة الأردنية- الفلسطينية فإنها تخفي ألغاما، قد تنفجر إن غشيها أعمى. ومن يتعظ بغيره عليه كشف تلك الألغام ووضع شواخص تحذير منها وصولا إلى تنظيفها بكاسحات الألغام. فالهويتان الأردنية والفلسطينية حديثتان، عرفتا بعد انهيار الدولة العثمانية. وأول مؤتمر لأهل فلسطين عقب رحيل العثمانيين كان تحت عنوان "سورية الجنوبية"، وكان أبناء الأردن وفلسطين ينسبون لبلاد الشام أو لمدنهم أو لعشائرهم.

 لم تكن الهوية متضخمة في ذوات الشعبين، حتى جاءت النكبة الفلسطينية، فغدا تضخيمها مشروعا لمواجهة أشرس المشاريع الاستيطانية.

 وتمكن الفلسطينيون بعد فقدان أرضهم من الحفاظ على هويتهم "شعبا" في الشتات يتوق إلى وطنه. في توهج الهوية الفلسطينية جاءت وحدة الضفتين. لم تكن مطلبا شعبيا مثل وحدة سورية ومصر، كانت "ضما أخذ سيرورة وحدة" بحسب الباحث محمد المصري.

 وفي الوقت الذي كان شرط الوحدة لاحقا بين سورية ومصر حل الأحزاب وهي التي طالبت بها، نمت الحياة الحزبية في الضفتين، وفي ظل نظام متسامح عصري تشكلت هوية تحافظ على "الدولة الأردنية" وعلى "القضية الفلسطينية".

 لم تنته وحدة الضفتين بالاحتلال، انتهت بالسبعين وفي اتفاقية عمان التي توصل إليها الباهي الأدغم بين النظام والمنظمة ونصت في بندها الرابع على أن المنظمة وحدها ممثل الشعب الفلسطيني، وتكرس الطلاق في قمة الرباط عام 1974 ولم يتعامل الأردن رسميا مع واقع الانفصال إلا في قرار فك الارتباط عام 1988.

 وبعدها أجريت للمرة الأولى منذ قرار الوحدة انتخابات 1989 من دون دوائر الضفة الغربية. وجد قرار فك الارتباط تأييدا واسعا من الدول العربية ومن الفلسطينيين، لم يكن ذلك فرحة بانتهاء واحدة من أنجح تجارب الوحدة في العالم العربي بقدر ما كان احتفاء ببروز الهوية الفلسطينية من دون شركاء في ظلال الانتفاضة الأولى وإعلان الاستقلال.

عارض الإخوان المسلمون القرار وحدهم تماما، كما كانوا وحيدين في معارضة انفصال الجمهورية العربية المتحدة على ما بينهم وبين عبدالناصر من دماء. تواجه اليوم العلاقة الأردنية الفلسطينية لغما يمكن التحذير منه وتلافيه.

 ففي ظل تعالي الأصوات الإسرائيلية بـ"الخيار الأردني" يظل العُمي في حقل الألغام. فبين مسوق لوجهة النظر الإسرائيلية باعتبارها خيارا وحدويا يبعث رميم وحدة الضفتين وبين ناعق بالدعوات العنصرية التي تجعل الأردنيين والفلسطينيين أعداء بدلا من حصر العداء بالاحتلال الإسرائيلي.

لا مجاملة في تصنيف من يروجون للخيار الإسرائيلي بالخونة، ولا مجاملة في التعامل مع العنصريين الذين يحاولون اللعب على غرائز الناس وتهييجهم واستعدائهم.

فمن يقول إنه ممثل الشرق أردنيين وحدهم أو الأردنيين من أصل فلسطيني وحدهم لا يمثل إلا مخططات الاحتلال الاسرائيلي.

 في إشكالية الهوية يحتاج الإردنيون والفلسطينيون إلى قراءة تاريخهم، والتدقيق في واقعهم. وفيه ما يفتخرون به وهو كثير.

 وفيه القليل مما يخجلون منه. والتشخيص القاسي لا يحمل نوايا سيئة خصوصا إنْ صاحبه العلاج الحاني.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »We need such reviews (Khaled)

    الثلاثاء 28 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    Thank you Mr.Abu helalah for such enlightened thoughts.I have noticed that racial discrimination between Jordanians and Palestinians have increased lately with some people from both parties trying to highlight it.What we need now is a true relationship that disregard all black ideas that play on such trivial and shameful discrimination between the brotherhood of Jordanians and Palesinians .
  • »مفخرة و انجاز (محمد الرواشده)

    الثلاثاء 28 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    تظل العلاقة الاخوية الراقية بين الاردنيين و الفلسطينين مبعث فخر و اعتزاز لكلا الشعبين الشقيقين ذلك انها سطرت اروع الصفحات للعلاقات العربية العربية و هي تلزمنا جميعا ان نرتقي بها و ان ننظر الى ايجابياتها .
  • »الاردن وفلسطين علاقة اخوية تاريخية (عامر التلاوي)

    الثلاثاء 28 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    اشكر الاستاذ ياسر ابو هلاله على مقاله(الاردن وفلسطين : سؤال الهوية والاخوة)
    ما حدث في العراق منذ الاحتلال وحتى يومنا هذا هو جرح قلبي نازف على مدار هذه السنوات العجاف الشديدة الالم على شعب العراق والشعب العربي بشكل عام
    الا ان ماحدث ومازال في العراق لا يمكن تعميمه على دول اخرى باعتبار ان العراق عانى وعلى مدى سنوات طويلة من ويلات الحروب والنزاعات .
    العلاقة الاردنية - الفلسطينية علاقة اخوية تاريخية تميزت بالمحبه ووحدة الدم والمصير منذ الازل وقد اكدالراحل العظيم جلالة الملك الحسين بن طلال طيب لله ثراه على الوحدة الوطنية باعتبارها خطا احمر لا يمكن المساس به لا من قريب او بعيد فالاردن كان وما زال على الدوام ولحكمة القيادة الهاشمية مع اشثقائة في فلسطين ويطالب الاردن وفي كافة المحافل الدولية بالسلام العادل الشامل بما يضمن حقوق الشعب الفلسطيني واقامة دولته على ترابه الوطني تكون عاصمتها القدس, وما زيارات وجولات جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين المعظم لكثير من دول العالم الا خير دليل على الجهود الاردنية الكبيرة لدعم الشعب الفلسطيني وحقة في تقرير المصير
  • »احترام المواطنة هو مربط الفرس (نادين شلبي)

    الثلاثاء 28 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    هذا المقال كان يمكن أن يكتب قبل عشرين سنة أو أكثر. المعادلة اليوم بسيطةالأردن بلد عصري يحترم المواطنة من خلال الدستور والقوانين وكل الناس سواسية بغض النظر عن أصولهم ومنابتهم. الحديث يجب أن يكون عن استخدام البعض الصراع العربي-الاسرائيلي لتشويه المواطنة وتمييز فئة على حساب آخرى. هناك توتر سببه محاولات التمييز وعدم المساواة والاعتداء على المواطنة. الأردنيون من أصل فلسطيني يشكلون حوالي نصف عدد المواطنين إذا لم يكن أكثر، والبعض يتحدث عنهم وكأنهم أقلية مثلها مثل المصريين أو العراقيين، والبعض ينظر إليهم وكأنهم قنبلة ديمغرافية. هنا مربط الفرس. حتى المحرر لديه أحياناً حساسية من الحديث عن المواطنة فيستبعد تعليقاتنا من النشر.
  • »الهويه والاخوه (هبه)

    الثلاثاء 28 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    بدي اشكر الاستاذ ياسر على كل مقالاتو ومقال اليوم بالذات عم يكتب باقلامنا كلنا وعم يكتب الي نحنى الاردنيين والفلسطينيين بنحس فيه.
  • »أبدعت (خود)

    الثلاثاء 28 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    شكراً استاذ ياسر على هذا المقال الرائع.كأردنية لم أتربى على العنصرية أتألم وأنا أرى أخي الأصغر، وهو طالب جامعي، وهو يتشرب تدريجياً أفكاراً غريبة عن الاردنيين والفلسطينيين.أعتقد بأن الجامعات وحدها من تخلق هذه النزعة.أنا لم أميز بأن جارنا أبو عدنان فلسطينياً،رغم لهجته الواضحة، الا بعد دخولي الجامعة واستماعي الى الاصول والانساب لكل فرد في هذا البلد
  • »الى حد بعيد ضم الضفة لم يكن خيارا (جواد عباسي)

    الثلاثاء 28 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    مع نهاية الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء وما تلاه من قرار التقسيم وحرب 1948 كانت بريطانيا العظمى لا تزال الفاعل الاكبر في المنطقة ولهذا انتكست مساعي الحاج امين الحسيني ودعمت بريطانيا ضم الضفة الغربية الى الاردن –الذي كان يعتمد كثيرا على مساعدات بريطانيا- وهو الضم الذي لم تعترف به رسميا الا بريطانيا والباكستان. وبدأت وحدة الضفتين بداية مضطربة خصوصا مع تأسيس حكومة عموم فلسطين برئاسة الحاج امين الحسيني في قطاع غزة بدعم من الحكومة المصرية. كذلك فان نزوح الاف الفلسطينين الى الاردن وحصولهم على الجنسية الاردنية بموجب قرار وحدة الضفتين اوجد تداخلا بين الهويتين الحديثتين (الاردنية والفلسطينية) بحيث قويت هاتان الهويتان بموجب التداخل الديموغرافي والاقتصادي بالاضافة الى المنافسة السياسية على تمثيل اهل الضفة الغربية ما بين المؤسسة الرسمية الاردنية والحركة الوطنية الفلسطينية (في حكومة عموم فلسطين اولا وفتح ومنظمة التحرير الفلسطينية لاحقا)
  • »ملاحظة (محمد علي)

    الثلاثاء 28 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    ارجو تثبيت خانة الافكار والمواقف وعدم تحريك عناوينها لان هناك صعوبة في اختيار المقال الذي نرغب بقرائته