د.أحمد جميل عزم

"دول الاعتدال" في عالم من دون أقطاب؟

تم نشره في الاثنين 27 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 02:00 صباحاً

ناقشت في مقالات سابقة اتجاه العالم لما أسماه ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، (عالم بلا أقطاب)، فتراجع قوة الولايات المتحدة ماليا واقتصاديا وظاهرة "عدم الفعالية العسكرية" الأميركية نتيجة الانتشار الكبير للجيش الأميركي عالميّا تنهي الأحادية القطبيّة، ولكنها لا تقود إلى تعددية أو ثنائية قطبية، وذلك لأسباب منها أنّ الدول الكبرى الأخرى غير راغبة وغير قادرة على منافسة الولايات المتحدة على مستوى عالمي واسع ضمن عملية استقطاب دولية. (انظر الغد 30/8).

وبقدر ما أكدت "أحداث أيلول (سبتمبر) 2008"، المالية في الولايات المتحدة تراجع الأحادية القطبية، وبات انتهاء هذه الأحادية واقع يعترف به قطاع واسع من المسؤولين الأميركيين، بقدر ما أكدت الأزمة ترابطية اقتصاديّات العالم، فالصين تراجع النمو فيها لأقل من 10% لأول مرة منذ سنوات في مؤشر على أهمية السوق الأميركية للصادرات الصينية، ومهما استمر نمو عائدات الدخل القومي الصيني، فإنّ التنمية الداخلية تستهلك هذه العائدات بهدف توفير فرص عمل لسكان الصين الـ1.3 مليار شخص وليس لتمويل التمدد العسكري.

كذلك يحد تراجع أسعار النفط، وتراجع الطلب على الطاقة، من العنفوان الروسي الدولي الذي اتسع مؤخرا، لأنّ هذا العنفوان يعود في جزء كبير منه إلى فورة الاقتصاد الروسي بفضل عائدات النفط، وبفضل حاجة الغرب للغاز الروسي. إذا فالعالم يمر بمرحلة اعتمادية تبادليّة اقتصادية هائلة، والدول الكبرى التي يأمل البعض أن تصبح أقطابا منافسة، تحتاج لأن تستعيد الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوربيون عافيتهم الاقتصادية، لأنّ في ذلك طوق نجاة أو شريان حياة لاقتصادياتهم. هذا فضلا عن عدم وجود أيديولوجيا أو إمكانيات بشرية وعسكرية تنبئ بتنافس صيني أو روسي مع الولايات المتحدة على نطاق عالمي.

هذا الوضع من تراجع القوة الأميركية، وعدم وجود منافس عالمي، ينتج ثلاث حقائق على مخططي السياسة الخارجية في كثير من دول العالم أخذها بالاعتبار، أولهما، أنّه في كل إقليم في العالم تقريبا هناك الآن دول طامحة لتغيير التوازن الإقليمي، ولأن تصبح دولة عظمى إقليمية مهيمنة، مدركة أنّه لا توجد الآن منظمات دولية فاعلة لممارسة سياسات الأمن الجماعي، ومستفيدة من تراجع قدرة الولايات المتحدة على حفظ التوازنات الراهنة (الستاتيسكو). ومن الأمثلة على هذه الدول الطامحة للتحول لدول عظمى إقليمية، إيران في الشرق الأوسط، وفنزويلا في أميركا اللاتينية، كما توجد دول متمردة من مثل كوريا الشمالية في آسيا. وهذه الدول تتذرع أمام الشعوب بأنّها تتصدى الولايات المتحدة، ولكنها في الوقت ذاته تعمل على خلخلة الأمن الإقليمي ضمن أهداف توسعيّة.

والحقيقة الثانية، أنّ الدول الإقليمية التي تسعى لحفظ الاستقرار والتوازنات، أصبحت في موضع أفضل نسبيا في علاقتها مع الولايات المتحدة، لأنّ الأخيرة أقل قدرة على التحرك الأحادي، فلا يمكن لواشنطن أن تستغني مثلا عن تعاون دول مثل الأرجنتين والبرازيل في أميركا اللاتينية. وفي آسيا لا يمكن العمل دون التفاهم مع الصين واليابان لمواجهة تحدي كوريا الشمالية. وفي الشرق الأوسط فإنّ إيران عامل تحدّ للقوة الأميركية، بينما الدول المعتدلة الحليفة (دول الخليج العربية ومصر والأردن) تكثر من النقاش والتحفظ والرفض لكثير من الأمور، بما فيها كيفية التعامل مع إيران، والعراق، وفلسطين، ولم يعد ممكنا تكرار سيناريو التحرك الأحادي كما حدث في العراق. وثالثا، لا يمكن للولايات المتحدة التأثير اقتصاديا في كثير من مناطق العالم دون تعاون قوى عظمى مثل أوروبا والصين وروسيا، معها، أي أنها قد لا تجد قوى عالمية تقف في وجهها وتنافسها، ولكنها لا تستطيع أيضا تنفيذ سياساتها دون تعاون تلك القوى، ومثال ذلك، إيران، إذ لا يمكن لواشنطن فرض عقوبات مؤثرة عليها دون تعاون صيني وروسي ودون تعاون دول المنطقة.

الولايات المتحدة تدرك هذا الواقع الجديد، وتسعى لإقامة منتديات أمنية لكل منطقة من مناطق العالم على حدة، تكون هي شريكا في كل منها، بينما تنضم الدول الكبرى الأخرى لبعضها ولا تنضم للبعض الآخر. ولا يوجد سوى القليل جدا من الاهتمام بإصلاح الأمم المتحدة، حيث باتت واشنطن تنظر إلى مجلس الأمن الدولي بأنّه مجرد منتدى بين منتديات أخرى للنقاش، وربما لإقرار ما اتفق عليه في اتصالات ثنائية وإقليمية.

في السياق العربي، كان إطار ما يعرف باسم "دول الاعتدال العربي"، أي دول الخليج العربية (أو جزء منها) إضافة إلى مصر والأردن، يعد محاولة جادة لبلورة سياسة إقليمية منسقة تطرح موقفا عربيا موحدا أمام واشنطن وبمواجهة سياسات لدول أخرى بالمنطقة. وشيوع فكرة الأنظمة الإقليمية الفرعية، عالميا، في المرحلة المقبلة، يعني ضرورة تفعيل مثل هذا العمل المشترك لتحقيق عدة مهام ووظائف حيوية، أولها، أنّ تراجع آليات التدخل الأميركي والدولي والمساعدات اقتصاديا وعسكريّا يجعل السعي لتطوير نظام إقليمي للتعاون الاقتصادي والأمني والعسكري، بين مثل هذه الدول التي يوجد لها سياسات متقاربة أمر ضروري، وبحيث يقوم هذا التعاون على تبادل المنافع وفق أسس منهجيّة متفق عليها، بعيدا عن الدبلوماسيات الثنائية والمتناثرة لترتيب العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية بين هذه الدول.

وثاني الوظائف، صياغة مواقف موحدة إزاء سياسات أطراف أخرى في المنطقة، خصوصا محوري إيران والولايات المتحدة، والاستعداد لسيناريوهات مختلفة متناقضة، أولها سيناريو التصعيد، إذ يجب الاستمرار بالقيام -على نحو ما جرى في الفترة الماضية- بتأكيد رفض خيار الضربة العسكرية أو التصعيد غير المحسوب ضد إيران، ومحاولة التواصل مع إيران لتتبنى سياسات عقلانية. كما يجدر الاستعداد لسيناريو نشوء تفاهم بين المحور الإيراني وواشنطن على حساب مصالح وأمن هذه الدول. وكذلك لسيناريو، محاولة إيران بالتعاون مع أنظمة أو جماعات سياسية أخرى ممارسة الهيمنة وتغيير خريطة توازنات القوة الإقليمية سواء بوسائل القوة الناعمة أو الخشنة، والتصدي لهذا السيناريو قد يأخذ أشكالا متنوعة مثل الانفتاح والتعاون مع إيران بغرض إيجاد علاقة تكاملية ومصالح متبادلة تزيد من تكلفة أي عدوان إيراني، وقد تأخذ شكل الاحتواء أو التصدي الدبلوماسي والأمني.

ثالث الوظائف، السعي للعمل مبكرا للتأثير في أجندة المرحلة المقبلة الإقليمية، بالنسبة للولايات المتحدة، خصوصا فيما يتعلق بالعراق وفلسطين. وفي تفعيل المبادرات العربية للسلام، وللدفع باتجاه ترتيب البيت الفلسطيني.

رابع الوظائف، هي قيادة المحاولات لإصلاح وتطوير منظمات العمل العربي المشترك، وتحديدا جامعة الدول العربية، على أسس عملية وفاعلة.

التعليق