بناء السلام من خلال الصحة في الشرق الأوسط

تم نشره في الثلاثاء 21 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 صباحاً

قَدّمت منظمات الصحة العالمية عبر أكثر من عقدين من الزمان خدماتها لأناس في نزاعات إقليمية عبر العالم. ورغم أن المبادرات الصحية لم ولن تحقق السلام، خاصة حيث تكثر التوترات السياسية والثقافية والدينية، إلا أنها تشكل أحياناً آخر نقطة اتصال بين الأطراف المتنازعة.

تشكل البرامج الصحية كذلك وسيلة تساعد على زيادة التفاهم بين الشعوب المفرّقة، فتُظهِر قوة التعاون المستدام في بيئات سياسية معادية.

خلال ثمانينات القرن الماضي فُرِضت نزاعات عنفية بين جماعة الكونترا في نيكاراغوا وجماعات الساندينيستا على ضمير المجتمع الدولي وحفّزت منظمة الصحة عبر أمريكا والمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية، للقيام بمبادرة "الصحة كجسر للسلام"، وهي خطة موجهة نحو توفير الرعاية الصحية لشعوب تعيش في مناطق مزقتها الحروب في أمريكا اللاتينية.

وقد نتج عن عملها ما يسمى "أيام السكينة" في السلفادور والبيرو، التي تم خلالها تطعيم آلاف الأطفال ضد الشلل والدفتيريا والسعال الديكي والكزاز والحصبة. والملفت للنظر أن نشاطات منظمة الصحة عبر أمريكا حصلت على دعم المسؤولين في كل من الحكومتين وقوات المتمردين. شكّل القلق على الوضع الصحي أرضية مشتركة.

استُخدِم التوجه نفسه فيما بعد في مناطق أخرى من العالم. أوجدت جمعية الأطباء الإسرائيليين الفلسطينيين من أجل حقوق الإنسان منذ تأسيسها صندوقين للتعامل مع الإهمال الطبي الذي أصبح عادياً في أوساط الفلسطينيين والعاملين المهاجرين الأطفال، هما صندوق الرعاية الطبية للأطفال الفلسطينيين والصندوق الطبي لأطفال العاملين الأجانب. وتُجري المنظمة كذلك نشاطات تدريبية للمهنيين الفلسطينيين في مجال الصحة، وقد أصبحت مدافعاً رئيسياً عن الصحة وحقوق الإنسان في المنطقة.

بدأت العديد من المجموعات الصحية تطوير وتوفير الخدمات الصحية للشعب الفلسطيني في السنوات التي تلت توقيع يتسحاق رابين وياسرعرفات معاهدات أوسلو عام 1993.

وفي العام 1995 دعا ملك الأردن الراحل الحسين مسؤولين من برنامج كندا للتبادل العلمي الدولي لإجراء سلسلة من النشاطات لرعاية تعاون أفضل بين الأطباء العرب والإسرائيليين. شكّلت نسبة فقدان حاسة السمع المشتركة بين الأردنيين والإسرائيليين أساس مشروع لتوفير فحوصات سمعية للأطفال الرضع، حيث تم حتى الآن فحص وإعادة تأهيل أكثر من 145،000 طفل. وقد توسع البرنامج الآن لتشجيع الرعاية الصحية للشباب والتغذية الإنجابية وإدارة الأمراض السارية.

نتيجة لذلك تتمتع كندا والأردن وإسرائيل بنسبة جيدة من النشاط العلمي، وقد عمل الإسرائيليون والفلسطينيون معاً على إصدار منشورات وتنظيم حلقات دراسية علمية. وفي كانون الأول(ديسمبر) عام 2004 تم إصدار النسخة الأولى من "الجسور" Bridges برعاية منظمة الصحة العالمية. تنشر المجلة مقالات كتبها خبراء إسرائيليون وفلسطينيون في مجال الصحة تشكّل نماذجاً للنجاح في بناء جسور التفاهم بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

هذه مجرد أمثلة بسيطة عما كان حتى الآن تعاونا نشطا وملهما جداً بين العاملين في مجال الصحة من الإسرائيليين والفلسطينيين. ورغم قيمتها الواضحة إلا أن هذه النشاطات ليست مدعومة عالمياً. في العام 2005 عارضت مجموعات طبية متنوعة ومهنيون يعملون في مجال الخدمات الطبية في المناطق الفلسطينية المحتلة ما يعتبرونه ضغطاً لم يحن موعده بعد للدخول في تعاون فلسطيني إسرائيلي في مجال الرعاية الصحية.

وحسب الذين رفضوا الاشتراك، هناك أجندة سياسية وراء "الخطة" لفرض التعاون على الإسرائيليين والفلسطينيين. إضافة إلى ذلك فهم لا يؤمنون أن التعاون المهني والأكاديمي يمكنه أن يساهم بحق في التسوية "حيث لم يتم تحقيق العدالة للفلسطينيين".

ورغم وجود بعض الصدق في هذا الموقف، فإن السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين لن يتحقق بين ليلة وضحاها. لا يمكن للمصالحة بين الشعبين أن تتم إلا من خلال توجه تدريجي. وبكلمات رئيس الوزراء الراحل يتسحاق رابين "سوف يتم بناء السلام تدريجياً، يوماً بعد يوم، من خلال أعمال وتصرفات متواضعة وعدد لا يحصى من التفاصيل التلقائية".

هل هناك أسلوب أفضل لبناء السلام بين العرب والإسرائيليين من الشهادة الحية لآلاف النساء والرجال والأطفال؟ بناء جسور الصحة هو أفضل لقاح ضد الحرب في أية منطقة يسودها انعدام الثقة والعنف.

* مستشار دولي في الصحة العامة على الصعيد العالمي، وفائز مشارك بجائزة نادي الصحافة عبر البحار لأمريكا عن مقال عن حقوق الإنسان.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع Common Ground الإخبارية. 

التعليق