جهاد المحيسن

عن محمد طمليه وجريدة الرصيف

تم نشره في الأحد 19 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 02:00 صباحاً

منذ ما يزيد على الأربعة عشرة عاما، ربطتني بالصديق الراحل محمد طمليه صداقة ارتبطت بجريدة الرصيف، تلك الجريدة الساخرة التي لم يكتب لها الاستمرار وهي المحاولة الأولى أردنيا وبحسب ما اعرف، وربما عربيا كذلك في تأسيس صحيفة ساخرة تعنى بشؤون السياسية والمجتمع بروح ساخرة لتلج إلى أعماق مشاكله وتضعها في قالب يسرّي القارئ عن همومه التي يطول الحديث عنها، ولضعف الإمكانات المالية في ذلك الوقت شمر الصديق خالد مساعدة عن ساعديه واحتضن تلك التجربة في بيته وأصبح البيت الذي يمتلكه خالد المكان الذي يتم إعداد الصحيفة فيه، ويتعاقب على العمل فيها في ذلك المكان -بيت خالد مساعدة- مجموعة من الأصدقاء للتحرير والكتابة والتحليل وجمع الأخبار، في حركة دؤوبة لإنجاح ذلك المشروع الطموح الذي ذهب أدراج الرياح كغيره من المشاريع الطموحة التي لا تلقي بالا للتمويل ولا تلقي بالا كذلك للإعلان؛ الأب الشرعي لأي مشروع صحافي، وهكذا ذهبت الرصيف وتفرقنا أنا وخالد والراحل محمد وآخرون ممن لا يتسع حيز الذاكرة لذكرهم.

ويممت شطر بيروت وأمضيت فيها ردحا من الزمن، ولم يعد هنالك تواصل بيننا وحتى عندما عدت إلى عمان كانت لقاءاتي به قليلة ولكن بقيت مع خالد أكثر، فهل اسمح لنفسي بالكتابة عن محمد طمليه؟ وهل حقا كنا في جريدة الرصيف من "المتحمسين الأوغاد"؟ احسب أننا كنا كذلك واحسب أن تلك التجربة لم يكتب لها النجاح من كثرة ما تحمسنا لها في تلك الفترة، وكان محمد يقوم بالإشراف على كل المواد التي تصل إلى الجريدة ويجري تحريرها، في حركة دائبة تسعى لإثبات أن الواقع عبر السخرية منه يمكن تغييره، ولكن أثبتت الأيام عكس ذلك ومضى محمد في طريق السخرية دون أن يلتفت وراءه في قناعة مطلقة أن السخرية هي السبيل الوحيد لتوصيل الرسائل للناس وهي كذلك الأنسب لهم لفهم محيطهم ونقل هموم الناس إلى الناس، ولكن لماذا الناس؟ لأنهم هم الذين يشكلون الهاجس لدى محمد وهم من يغير وهم من يتأثر وهم من يصوت ويصنع الحلم وهم من يضع النخب السياسية والاقتصادية على رقابهم كذلك، لان الناس هم الهم وهم الغاية وهم معقد الرجاء بعد الله، واحسب أن محمد كان على حق في ذلك، فنحن بجديتنا وركازتنا لم نحقق شيئا بينما حقق محمد الكثير للناس الذين كانوا يتلهفون لقراءة ما يكتب ويضحكون من حالهم الذي يبكي. وهكذا كان محمد عابسا لا يعبأ بنفسه، ويربو بها أن تنزلق وراء حمى شراء الذمم واغتيال القلم بشرائه وتوجيهه نحو ما يضحك الناس!

على الرصيف بقي، وفيا لفكرته ولم يغادره ولذا جاءت فكرت الجريدة، فالرصيف الذي كان محمد وخالد يسعيان من خلاله لتجسيد نبض الشارع بقي على حاله وبقي محمد يجلس على طرفه وينظر بعينه الكريمة إلى الأفق لعل الأفق يحمل وميضا ينبئ أن العالم سيتغير، لم يهجره وبقي متصالحا مع نفسه عندما بقي وفيا لفكرته يدافع بكتابته الساخرة عن أفكاره التي هي ليست بأفكار وإنما أحلام محب لوطن يحاول الكثيرون منا قضمه شيئا فشيئا من دون أن نحس بذلك، لعل الموت فيه راحة للمتعبين، لعل الرصيف فيه راحة للمتعبين لعل التعب في ذاته يحمل راحة للمتعبين. على روحك من الله الرحمة يا محمد. وما يزال الرصيف موجودا ولكن من دون متحمسين يرقبون الأفق في بصيص أمل بالتغيير.

  [email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »محمد طمليه ..شمعه تنطفئ لتضيئ لغيرها (حمزة تفاحة ..)

    الأحد 19 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    سيد جهاد المحيسن ..أسعد الله صباحك بكل خير ..اشكرك على هذا المقال المفرح المبكي الذي يحتوي بطياته على الذكريات الرائعة والجميلة والمحزنة في نفس الوقت ..
    والاجمل هي تلك المحاولة التي قد ثابرتم من اجلها ولم يكتب لها النجاح في اصدار جريدة ساخرة لنقل هموم المواطنين والتسريح عن همومهم الكثيرة..
    محمد طمليه ذلك الساخر الذي تمرد على الحياه واستطاع ان يرفض قوانينها وعاش كما يحلو له مثل المتحمسون الاوغاد ومثل تلك النمله الخارجة عن القانون ... محمد طمليه الذي عاش يهزأ بالمرض وبالسرطان وقال السرطان لعبه اتسلى بها وقت الضجر ..والسرطان ارحم من تبسط القدمين ,,هكذا هذا الرجل العظيم استطاع ان يحفر ادبة ومقالاته في ذهون كثير من الناس البسطاء والاقوياء ايضا وبكل تلك السخرية اللاذعة استطاع ان يتفرد وان يكون من اول مبتكري الكتابة الساخرة بالطريقة العبقرية والحاذقة التي تميز بها بشهادة الكثيرين ..
    سيد جهاد عبارتك التي قلت بها ( فنحنا بجديتنا وركازتنا لم نحقق شيئا ، بينما محمد حقق الكثير للناس ).. ابدعت بها واختصر الكلام الكثير
    اشكرك ايها الرائع