مشكلة شركات البورصة الأجنبية أين بدأت وما سببها؟

تم نشره في الأحد 28 أيلول / سبتمبر 2008. 02:00 صباحاً

 

يعتقد بأن حجم المبالغ التي استثمرت لدى هذه الشركات تفوق 500 مليون دينار، وأدى استدانة البعض ورهن بيوتهم وعقاراتهم من أجل الاستثمار لدى هذه الشركات الى هبوط حاد في أسعار الاراضي في الشمال، كما أثرت في بورصة سوق عمان المالي بمئات ملايين الدنانير.  

وإذا أردنا توصيف الوضع الحالي فلقد شهدت مكاتب الشركات المتعاملة بالبورصة الأجنبية تهافتاً كبيراً في الآونة الأخيرة من قبل مواطنين مودعين مبالغ مالية لديها مطالبين بارباحهم واموالهم، بعد توقف بعضها عن توزيع الأرباح منذ شهرين فيما قامت بعضها بإغلاق أبوابها، كما قامت بعض الشركات بالمماطلة في الدفع ولم تقم بتسليم أموال للمودعين، بينما استمرت بعض المكاتب والشركات تعمل بانتظام وتقوم بصرف الفوائد وإعادة رأس المال للراغبين.

وعلى الصعيد التشريعي قامت الحكومة حتى تاريخه بتحويل 18 من هذه الشركات الى المدعي العام، وأصدرت قانونا جديدا للتعامل بالبورصات العالمية، وطالب مستثمرون في هذه الشركات الإسراع في إصدار الرخص لهذه الشركات، كما طالبوا الحكومة بالتدخل السريع لحماية حقوقهم.

ويعتقد البعض  أن لجوء بعض الشركات العاملة في مجال البورصات العالمية الى تصفية أعمالها جاء بهدف التخلص من تبعات تطبيق القانون المؤقت لتنظيم عمل الشركات المتعاملة بالبورصات الأجنبية، والذي يتطلب منها عمل تراخيص جديدة وجملة من الإجراءات القانونية لتنظيم عملها، ومن شروطه أيضا رفع رأس مال الشركة التي تسجل كذات مسؤولية محدودة إلى 10 ملايين دينار وكشركة تضامن الى 5 ملايين دينار وحسب متطلبات قانون الشركات على أن ترتبط بكفالة بنكية بنسبة 30% قابلة للتسييل في أي وقت. كما تلتزم الشركات التي تتقدم بطلبات ترخيص بتقديم صور عن نماذج العقود التي توقعها مع المتعاملين للتأكد من مدى مطابقتها للقانون ومحافظتها على حقوق المتعاملين. ولقد بدأ قبل أيام مجلس تنظيم العمل في البورصات الأجنبية استقبال المراجعين من وكلاء شركات التداول في البورصات العالمية الراغبين في السير في إجراءات الترخيص، حسب متطلبات القانون المؤقت وقانون الشركات.

هل كان الطمع وراء هذه المشكلة؟ إدعاء البعض بأن الطمع هو الذي أدى الى تفاقم المشكلة هو إدعاء مرفوض، لأن "الطمع" يوحي بأن المستثمرين هم من الأغنياء بينما في الواقع فإن لواء الكنانة، حيث تمركزت غالبية هذه الشركات، من المناطق الأقل حظا في المملكة يعيش غالبية أهلها على مصادر دخل محدودة ومتدنية. وتقدر قيمة المبالغ التي أودعت في شركات البورصة الأجنبية في اربد بحوالي 250 مليون دينار، وفي محافظة إربد ما يزيد على 70 مكتبا تعمل بمبدأ "المتاجرة" ويوزعون "أرباحا" شهرية على أموال المودعين تتراوح ما بين (15 إلى 25%) من قيمة الايداع. والمستثمرون هم من ذوي الدخول المحدودة (80% دخلهم أقل من 300 دينار شهريا)، الجشع والطمع لا ينطبق عليهم لأن الفقر وعوز الحال هو ما دفعهم لتحسين مستويات دخولهم. لذلك دعونا لا نضع اللوم على الفقراء والبسطاء، فمهمة الدولة هو وضع البرامج التنموية الحافزة لتنمية الدخول في جميع مناطق الأردن وتمكين أهاليها من الوصول الى مصادر الرزق، والقانون هو صاحب الولاية في حماية الجميع، حتى غير الخبراء منهم.

كيف تسجلت هذه الشركات لتمارس أعمالها؟ تمكنت 4 شركات فقط قبل 2006 من التسجيل كمؤسسات خاصة أو تضامنية ومارست الأعمال وخالفها مراقب الشركات السابق الدكتور محمود العبابنة لممارساتها أنشطة لم ينص عليها جداول تأسيسها المودعة لديه.

تقدمت مجموعات من الاشخاص طالبة حق التسجيل لدى ذات المراقب في 2006 للتعامل في البورصات الأجنبية. غير أن ذات المراقب، رفض تسجيلهم، وقام بمخاطبة البنك المركزي حيث أنهم يتعاملون في العملات الثمينة ومخاطبة هيئة الأوراق المالية لأن هذه الشركات تنوي العمل في الأوراق المالية فتبرأت الجهتان من مسؤوليتهما نحو هذا النوع من الشركات وأعادت الكرة الى ملعب المراقب. فقام طالبوا تسجيل هذه الشركات برفع دعاوى على المراقب، ربحوها في المحكمة. غير أن المراقب النبيه لم يكتف أو يقتنع بأن مسؤوليته نحو المواطنين انتهت، فالفراغ القانوني لا يزال موجودا، لذلك قام بمخاطبة ديوان تفسير القوانين وصدر قرار الديوان ( القرار التفسيري رقم 8 لسنة 2006 بالاجماع ونشر في الجريدة الرسمية رقم 4798) والذي ينص على ولاية هيئة الاوراق المالية (حسب قانون الاوراق المالية) والبنك المركزي (حسب قانون مراقبة العملة الأجنبية وقانون البنوك) غير أن شيئا لم يحدث، وتغاضت حكومة البخيت في حينه عن القرار، واضطر المراقب الى تسجيل هذه الشركات وأصدر في عام واحد مخالفات بحق  16 شركة منها، غير أن صغر حجم المخالفات لم يؤثر في سمعة أو مسيرة نمو هذه الشركات. المؤسف أن عدم تسجيل هذه الشركات استخدم لاحقا من قبل البعض للإطاحة بمراقب الشركات وتحويله الى مستشار في مكان آخر بعد شهور من حصول دائرة مراقب الشركات على جائزة الملك عبدالله الثاني للتميز في الداء الحكومي... واأسفاه على الظلم...

بدأت الشركات بممارسة أعمالها إذا الوضع الحالي الذي وصلنا إليه هو نتيجة أن هذه الشركات استطاعت أن تعمل وبكل حرية دون أن يكون عليها رقيب معني بنشاطاتها. ماذا كانت نشاطاتها وكيف كانت تعمل؟

الواضح من مطالعاتي لما كتب عن هذه الشركات في الجرائد ووسائل الإعلام الرسمية أن قسما كبيرا منها يعمل بمبدأ "الهرم المالي"، حيث تقوم الشركة باستخدام بعض الوسطاء لجذب العملاء، أو يقوم زبائنها أنفسهم بجذب آخرين حين تقوم الشركة بدفع "أرباح" مجزية لهم بينما هذه الارباح هي في الحقيقة جزء من المال الذي دفعوه أصلا. وعادة لا تقوم الشركة بأي عمل تجاري سوى إعادة تدوير أموال المساهمين بينهم مع الاحتفاظ بحصص كبيرة للمؤسسين. وتقنع الزبائن بكفاءتها من خلال برامج وتظاهرات وهمية، ومن خلال استقطاب أسماء رنانة قد تكون هي أيضا ضحية لهذا الخداع أو تكون شريكة فيه.

رئيس الهرم يأخذ حصته من مال كل مودع، ثم تأخذ الطبقة التي تليه مباشرة من الأسفل حصتها من إيداعات الآخرين وأيضا من إيداعات أفرادها، وهكذا. المستفيدون من الهرم هم الذين انضموا باكرا، ومع استمرار التوزيع تصل مداخيل بعضهم أحيانا الى أربع أو خمس أضعاف ما أودعوه وهو ما حصل فعلا مع البعض فأصبحوا هم أنفسهم دعاية حية لهذه الشركات دون علمهم بوجوب عدم شرعية ما تمارسه الشركة. الأرباح الخيالية التي تمنح تشجع الآخرين على الانضمام الى الهرم الذي يصبح كمتوالية عددية تكبر قاعدته بسرعة مع وهم الربح السريع.

زبائن أو ضحايا هذا الهرم هم من ذوي الدخل المحدود والدراية القليلة وهو ما حدث فعلا حين تركزت عمليات هذه الاهرام المالية في لواء الكنانة، ومن الموظفين البسطاء أو المزارعين وهم أيضا من الفقراء في الأردن، ومن غير الضالعين بالسوق المالي، وهم غالبية الشعب.

ويسقط الهرم حين لا تستطيع الشركة أن تضيف ضحايا جديدة لتوزيع أموالهم بين الاعضاء، وهو ما حصل فعلا إذ تزامن انهيار بعض هذه الشركات مع سماع البعض بالازمة المالية الخانقة التي ألمت بالاقتصاد الامريكي والاسواق العالمية، وبما أن هذه الشركات تدعي أنها تتعامل مع الأسواق العالمية، أصبحت الفرصة مواتية لها للتذرع بهذه الذريعة وإعلان الافلاس أو الانسحاب من السوق. السبب الحقيقي هو وصول هذه الشركات الى مرحلة انتهاء الهرم وعدم قدرتها على جذب المزيد من الناس لأن أولئك استنفدوا. ولو أن الحكومة لم تتصرف كما فعلت لكان انتقال هؤلاء الى الجنوب محتملا جدا لجلب المزيد من الضحايا الى هذه الاهرام الفاسدة والتي تعتبر غير قانونية في جميع دول العالم المتقدم ومنذ العديد من السنين.

أساس الخطأ كان السماح لهذه الشركات أن تعمل دون تنظيم. ما هو الحل؟ تنظيم أمور هذه الشركات كما تم مؤخرا. ولكن، نرجو أن لا يكون القانون، كما يحدث في الفزعات التشريعية، خانقا للشركات التي تعمل بشكل قانوني وصحيح فنضع الحابل والنابل معا في ذات البوتقة لتنكوي بنار عدم الثقة. باعتقادي، ومن خلال ما قرأنا حتى الآن، يتبين أن اللوم لا يقع على الضحية، بل على الجاني والمنظم فالأول تجنّى على الآخرين بينما تقاعس الثاني عن فعل الصواب في حينه. ما هو الدرس: لماذا لا نكافئ العاملين بجدارة، ولماذا لا يكون هناك تنسيق أكبر بين دوائر الحكومة المختلفة، فكلنا الأردن، أليس كذلك؟

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الجهل هو اساس الخطأ (بشير ابو الذهب)

    الأحد 28 أيلول / سبتمبر 2008.
    ترخيص الشركات التي ادعت انها تعمل بالبورصات كانت ترخص تحت غايات اخرى غير البورصات مثل غايات خدمات تجاريه, خدمات ماليه, خدمات رجال الاعمال ...الخ. اي انها لم تعمل حسب ما رخصت له وانما عملوا بامور اخرى وهي جمع الاموال بشكل فوضوي وبغرض الاحتيال على الناس ....

    الحكومه لو تدخلت باولها لهاجمها الناس وقالوا بان الحكومه لا تريد الخير للناس ولا تريد لهم ان يصبحوا ميسورين ...

    لماذا نغمض عيننا على الحقيقه بان الجهل وقله الوعي والتفكير كان وراء تدافع الناس لايداع اموالهم لدى نصابين محترفين ... والان نريد ان نرمي ذلك عن كاهلنا ونقول الحكومه هي السبب وليس النصابين , وذلك حتى نبعد عن انفسنا شبهه الغباء والاستغفال .
  • »اين الشفافية (suhair)

    الأحد 28 أيلول / سبتمبر 2008.
    توضيح ما حصل مع المواطن في مثل هذه الشركات والتعاملات التي تحتاج الى كثير من الدراية والمعلوماتية عن البورصة بداية واسسها وعن هذه الشركات التي تتدعي التعامل بالبورصة العالمية , تمنينابكل حسن النوايا ان يكون هذا التوضيح الذي يتصف بالمعلوماتية والشفافية الخالصة , تمنينا ان يأتينا من القائمين على السوق المالي والبنك المركزي . ام ان المواطن آخر همهم , اليس من الاجدى مساءلة المسؤولين كيف تم ترخيص هذه الشركات الغير مؤهلة , لكن للاسف نحن نقع في المأزق والمسؤول طار من كرسيه و ذلك ايضا مرده الى تغيير المسؤولين بسرعة قصوى و لا نستطيع ان نسأله او نعاتبه كابناء وطن واحد عما فعل وعن ما نحصد من نتائج.
    وبليله بلبلوكي ,,,,,,,,
  • »البورصه شر لابد منه (مشهور)

    الأحد 28 أيلول / سبتمبر 2008.
    مليون مره قلنا الحق ع الحكومه ماحدش مصدق
  • »غياب التنسيق (ليلى)

    الأحد 28 أيلول / سبتمبر 2008.
    هذا ما يتحدث عنه المقال فلا البنك المركزي تحرك ولا هيئة الاوراق الماليه تحركت وكانت الكارثه.
    ولكن سؤالي للبنك المركزي كيف يسكت عن شركات تقوم بجمع الاموال والودائع المصرفيه من الناس علما بان هذه الاعمال لايسمح قانون البنوك الا للبنوك التجاريه المرخصة القيام بها؟
    ان مسؤولية البنك المركزي تبدو ظاهرة في تقاعسه عن القيام باي اجراء ومنع هذه الشركات من جمع الودائع من الناس لان القانون لا يسمح لهم بهذه المهمة وكان الاولى به ان يلجاء للقضاء لو استدعى الامر ذلك ان عجز عن تطبيق القانون بحقهم.
    كما ان البنك المركزي اغفل موضوع التحويلات التي قامت بها هذه الشركات بالعملات الاجنبيه الى الخارج وهو الجهة السؤوله قانونا عن هذه التحويلات وعليه يقع مهمة مراقبتها.