عالم يزداد فوضى

تم نشره في السبت 27 أيلول / سبتمبر 2008. 03:00 صباحاً

 

أُعيد تشكيل العالم المعاصر خلال القرن الفائت مرتين على الأقل، حيث ارتبطت عملية اعادة تشكيل العالم بالحربين العالميتين الأولى (14/1918) والثانية (39/1945)، وبالأحرى بنتائج هاتين الحربين. فقد عكست ولادة كل من عصبة الأمم المتحدة ثم منظمة الأمم المتحدة ميزان القوى الذي تكرس بُعيد الحربين المذكورتين، وتربعت الدول الكبرى الظافرة على رأس هذين النظامين، وترجمت الاتفاقيات والمعاهدات والتفاهمات المبرمة بينها حصيلة مكاسبها في الحرب.

القرن الفائت شهد حرباً ثالثة، سُميت "بالحرب الباردة"، وهي تلت مباشرة الحرب العالمية الثانية، وقد بدأت حرباً قائمة على أساس عقائدي أو على أساس طبيعة النظام الاجتماعي، لكنها، وإن اتخذت شكل الصراع بين نظامين رأسمالي واشتراكي، إلا انها كانت في الواقع حرب مصالح اقتصادية وبسط نفوذ سياسي على ما سمي العالم الثالث، الذي كان في معظمه مستعمراً بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فحتى بعد أن استقلّت هذه البلدان وأقامت شعوبها "دولاً وطنية مستقلة"، فإنها ظلت تعاني من التبعية الاقتصادية وفشل التنمية الذي ولّد أزمة مديونية خانقة. ورغم ان ساحة العالم الثالث ظلت الميدان الرئيسي للصراع بين المعسكرين أو لحربهما الباردة، الا انه كان صراعاً محفوفاً بالمخاطر على القوى العظمى ذاتها، خاصة جراء سباق التسلح والتهديد النووي، والحروب الدعائية المتبادلة.

لم تغير الحرب الباردة بُنية النظام الدولي الذي تأسس على نتائج الحرب العالمية الثانية، لكنها أدت إلى تعاظم القطبية الثنائية فيه بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق، إذ رغم أن بريطانيا وفرنسا الاستعماريتين بقيتا ضمن الأعضاء الخمسة الدائمين في الأمم المتحدة، إلا أن نفوذهما تراجع بقوة بعد حرب السويس (1956). أما الصين التي صعدت في منتصف القرن السابق إلى مصاف الدول الكبرى (جراء كونها الشريك الاستراتيجي للاتحاد السوفياتي وانبثاق كتلة دول اشتراكية واسعة العدد)، فإنها لم تلبث أن تحولت إلى قوة مستقلة، وأحياناً مناكفة للاتحاد السوفياتي.

ولم تفلح الدول الكبرى المهزومة في الحرب العالمية الثانية مثل المانيا واليابان في الوصول إلى العضوية الدائمة للنظام العالمي، رغم تعاظم قوتهما الاقتصادية بعيد تلك الحرب وتفوقهما على بريطانيا وفرنسا بالمعايير الاقتصادية والتكنولوجية. وبالمثل فإن الدول الكبيرة الصاعدة، لم تسنح لها الفرصة لأخذ فرصتها في الوصول إلى العضوية الدائمة في مجلس الأمن، كما هو حال الهند او البرازيل. وهكذا فإن "نادي الكبار" ظل حكراً على دول الشمال، باستثناء الصين، ولم تتمتع قارة افريقيا أو أمريكا اللاتينية بأي تمثيل في هذا النادي لليوم.

مع انتهاء الحرب الباردة تغير العالم لكن لم يتغير النظام الدولي. فمع زوال الاتحاد السوفياتي وتفكك الكتلة الاشتراكية وبروز خطر القطبية الأُحادية للولايات المتحدة، ارتفعت الأصوات المطالبة بنظام دولي أكثر عدالة وتعددية. ومع ازدياد تبقرط منظمة الأمم المتحدة وظهور ملامح فساد فيها، أخذت محاولات اصلاح المنظمة الدولية تتلون بطابع سياسي، وكان الصوت الأميركي اعلاها صخباً، لكنه ارتبط بأجندة الولايات المتحدة الهادفة إلى ترجمة القطبية الواحدية (التي نجمت عن انهيار وزوال الكتلة الاشتراكية وفي مقدمتها الاتحاد السوفياتي) إلى هيمنة وتوجيه أحادي للمنظمة الدولية. لكن لم تفلح المحاولات الرامية لبناء نظام دولي أكثر تعددية، ولا نجحت جهود اصلاح المنظمة الدولية. وقد تفاقمت عواقب هذا الفشل في فترة ولايتي الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، حيث اطلقت الادارة الأميركية خلالها، وبعيد 11 سبتمبر 2001، ما يمكن وصفه بالحرب العالمية الرابعة، التي حملت عنوان "الحرب على الإرهاب" وعلى "الدول المارقة".

خلال العقدين الأخيرين، وتحديداً منذ انهيار سور برلين عام 1989، تغيرت صورة العالم كثيراً. ففي العقد الأول (التسعينات) تحولت روسيا من الاشتراكية إلى القومية الروسية أو النزعة السلافية والليبرالية الاقتصادية، وتعمق تحول الصين نحو رأسمالية فريدة، أقرب إلى  رأسمالية الدولة والحزب الواحد، وانبثقت في وسط وشرق اوروبا دول قومية مستقلة، انتهجت طريق الديمقراطية الغربية واقتصاد السوق. وقد تشكلت هذه الدول إما باتفاقات سلمية أدت إلى تفسيخ دول قائمة مثل انفصال التشيك والسلوفاك، أو من خلال حروب ونزاعات قومية ودينية، كما حصل مع شعوب يوغسلافيا السابقة.

وكان يمكن أن تكون نهاية القرن والعشرية الحالية عصراً اوروبياً بامتياز، جراء التوسع المطرد للاتحاد الأوروبي الذي بات يضم المزيد من البلدان التي كانت تدور في الفلك السوفياتي. ولولا حرب الولايات المتحدة على الارهاب والدول "المارقة" التي غيرت الأجندة العالمية، وحرفت الأنظار عن النزاعات التاريخية في الشرق الأوسط، فإن اعلان برشلونة الخاص بإنشاء شراكة أوروبية – متوسطية كان يمكن أن يفضي إلى قيام كتلة اقليمية شبه قارية على ضفتي المتوسط. لكن تصاعد الحرب على العراق والارهاب لم يقد فقط إلى تبديد الاستثمارات السابقة في عملية السلام الشرق اوسطية، وإنما قاد أيضاً إلى استئناف الصراع العربي – الاسرائيلي بأشكال أكثر عنفاً، سواء داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أو في لبنان. وقد شكل هذا أحد أسباب فشل مسار برشلونة، والى تحول أوروبا نحو سياسة "الجوار" ثم إلى إلى "الشراكة من أجل المتوسط".

على الصعيد العربي الأوسع أدت مغامرة غزو العراق للكويت في آب/ أغسطس 1990 إلى زعزعة النظام العربي، المتفكك أصلاً، والموزع على محاور عدة. لكن حرب الولايات المتحدة على العراق في أذار/ مارس 2003 عجلت في انهيار النظام العربي وفي اظهار عقمه وفشله التام، وهو الفشل الذي تجلى في عجزه عن حل عدة نزاعات محلية واقليمية أخرى، مثل الأزمة السورية – اللبنانية والأزمة اللبنانية الداخلية، الانقسام الداخلي الفلسطيني، الصراع في دارفور، ناهيك عن الحرب الأهلية المزمنة في الصومال، والنزاعات الأخرى في القرن الافريقي التي شملت دولاً عربية وإفريقية، وقد تجنبت جامعة الدول العربية كلياً التدخل في النزاع المغربي – الجزائري على الصحراء الغربية.

وبكلمات أخرى فإن صورة العالم العربي بعيد عشرين سنة من انتهاء الحرب الباردة، تشير إلى استعصاء وفشل مطرد في مواجهة تحديات الاصلاح السياسي والاقتصادي وفي تحقيق الأمن والاستقرار المجتمعي، ولا يمكن مقارنة الاخفاق العربي الشامل بما حققته بلدان اوروبا الشرقية خلال نفس الفترة. وقد ترجم هذا الفشل نفسه، خارجياً وإقليمياً، على صورة ضعف متزايد ازاء التصلب الاسرائيلي المتصاعد والقضم المطرد للأراضي الفلسطينية المحتلة، وإزاء تنامي القوى الاقليمية الأخرى مثل ايران وتركيا.

hani.hourani@alghad.jo

التعليق