حين تهدد "السيادة" بالإضرار بالصحة العالمية

تم نشره في الاثنين 22 أيلول / سبتمبر 2008. 02:00 صباحاً

لا شك أنكم لم تسمعوا بمثل هذا المصطلح من قبل: "السيادة الفيروسية". لقد تفضلت علينا بهذه الفكرة الخطيرة وزيرة الصحة في إندونيسيا، ستي فضيلة سوباري، التي تؤكد أن الفيروسات القاتلة هي في الواقع ملكية سيادية للبلدان الأفراد - حتى ولو كان بوسع هذه الفيروسات أن تعبر الحدود وأن تفرض تهديداً وبائياً على كل شعوب العالم. يتعين على زعماء السياسية في مختلف أنحاء العالم أن ينتبهوا إلى هذا - وأن يتخذوا كل إجراء قوي ممكن.

إن الغالبية العظمى من حالات تفشي أنفلونزا الطيور أثناء الأعوام الأربعة الماضية، بين البشر أو الدجاج، حدثت في اندونيسيا. وهناك ظهر حوالي 53 نوعاً من فيروس أنفلونزا الطيور H5N1، بين الدجاج والبشر، طبقاً لمنظمة الصحة العالمية.

رغم ذلك، اقتصرت العينات التي أرسلتها اندونيسيا إلى منظمة الصحة العالمية منذ العام 2005 على عينتين مأخوذتين مما يزيد على 135 من البشر الذين أصيبوا بعدوى الفيروس H5N1 (والذين توفي منهم 110). والأسوأ من ذلك أن اندونيسيا توقفت عن إخطار منظمة الصحة العالمية بتفشي وباء أنفلونزا الطيور أو بوجود إصابات بين البشر. ومنذ العام 2007 تحدت حكومة اندونيسيا التنظيمات الصحية الدولية وعدداً كبيراً من الاتفاقيات التي أقرتها منظمة الصحة العالمية والتي وقعت عليها اندونيسيا.

فضلاً عن ذلك، تهدد حكومة اندونيسيا بإغلاق وحدة الأبحاث الطبية الثانية التابعة للبحرية الأميركية (NAMRU-2)، وهي عبارة عن مختبر طبي يدرس الصحة العامة ويعمل به علماء عسكريون من اندونيسيا والولايات المتحدة. تُـعَد هذه الوحدة من بين أفضل مرافق مراقبة الأمراض على مستوى العالم، حيث تزود مسؤولي الصحة في مختلف أنحاء العالم بالمعلومات المهمة التي تتسم بالشفافية. والعجيب أن حكومة اندونيسيا اتهمت علماء هذه الوحدة بكل شيء بداية من التربح من فيروساتها "السيادية" إلى تصنيع فيروس أنفلونزا الطيور H5N1 كجزء من خطة لشن حرب بيولوجية مزعومة. وليس هناك من الأدلة ما يدعم هذه المزاعم الغريبة.

منذ عام واحد كانت تأكيدات سوباري بشأن "السيادة الفيروسية" تبدو غير سوية. إلا أن المزعج في الأمر أن الفكرة تحولت إلى حركة عالمية تغذت على المشاعر المعادية للغرب. ففي شهر أيار/ مايو تبنى وزير الصحة الهندي أندوماني رامادوس هذه الفكرة في نـزاع مع بنجلاديش، كما وافقت حركة عدم الانحياز - منظمة تتألف من 112 دولة والتي ظلت باقية بعد عصر الحرب الباردة - على تبني نفس الفكرة رسمياً في اجتماعها الذي انعقد في شهر تشرين الثاني / نوفمبر.

تزعم اندونيسيا أن حق الدولة في السيطرة على كل المعلومات المرتبطة بفيروسات مكتشفة محلياً لا بد وأن يتمتع بالحماية بتطبيق نفس الآليات التي تستخدمها منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة لضمان حقوق الدول الفقيرة في ملكية وبراءات اكتشاف بذور محاصيلها الأصلية. وبموجب اتفاقية منظمة الأغذية والزراعة بشأن البذور، تستطيع الدولة أن تسجل نباتاتها، وأن تتقاسم بذورها مع غيرها، وأن تطلب الربح من منتجاتها. والحقيقة أن هذه السياسة النافعة تفيد في تقليل الممارسات الاستغلالية التي تمكن المؤسسات متعددة الجنسيات والحكومات الغنية أحياناً من جني أرباح خيالية من الزراعات الوطنية الأصلية.

بيد أنها لحماقة خطيرة أن نطبق هذه السياسة على الفيروسات. ولو طُـبِق مبدأ "السيادة الفيروسية" على فيروس الايدز منذ 25 عاماً لما كنا لنحظى الآن بمستودعات مركزية للآلاف من أنواع فيروس الايدز، والتي تسمح للعلماء باختبار العقاقير واللقاحات على كل السلالات المختلفة من الفيروس المسبب لمرض الايدز. وإنه لمن السخافة بمكان أن نطبق مبدأ السيادة على فيروسات، مثل الأنفلونزا، قادرة على عبور الحدود الدولية بواسطة الطيور المهاجرة.

إن الامتناع عن إتاحة العينات الفيروسية بحرية في عصر العولمة يهدد بالسماح بنشوء سلالة جديدة من الأنفلونزا قد لا ينتبه إليها العالم قبل أن تصبح قادرة على حصد الأرواح بأعداد لا تقل عما حصده الوباء الذي قتل عشرات الملايين من البشر في العام 1918. وكما تعلم العالم حين نشأت متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد (SARS) ـ التي ظهرت أولاً في الصين في العام 2002، ولكن السلطات الصينية لم تبلغ عنها إلى أن انتشرت إلى أربع دول أخرى ـ فإن المخاطر الصحية المشتركة تتطلب شفافية عالمية مطلقة.

ثمة أدلة قوية مستمدة من مجموعة متنوعة من المصادر تشير إلى أن أشكال فيروس أنفلونزا الطيور المنتشرة في اندونيسيا أشد خبثاً وقسوة من غيرها من الأشكال المنتشرة في أماكن أخرى، وأنها في حالات قليلة ربما انتقلت مباشرة من شخص إلى آخر. ولقد حاولت منظمة الصحة العالمية طيلة عامين احتواء اندونيسيا ولكن دون جدوى. وتحت الضغوط المتواصلة من جانب علماء من مختلف أنحاء العالم وافقت اندونيسيا في شهر حزيران / يونيو على الإعلان عن البيانات الجينية الخاصة ببعض عيناتها الفيروسية، لكنها لم توافق على تقاسم الميكروبات ذاتها مع غيرها. ولكن من دون الحصول على الفيروسات يصبح من المستحيل التحقق من دقة مثل هذه المعلومات الجينية أو إنتاج لقاحات مضادة لهذه الميكروبات الفتاكة.

زعمت سوباري على نحو لا يخلو من الخيال الجامح أن منظمة الصحة العالمية قد تسلم أي فيروس - وليس فيروس H5N1 فقط - لشركات تصنيع العقاقير، التي ستعمل بدورها على إنتاج منتجات مصممة لإصابة الفقراء بالأمراض "سعياً إلى الإبقاء على تجارتها المربحة ببيع اللقاحات جديدة" (وهو الاتهام الذي يذكرنا ببعض أحداث رواية جون لي كاريه "البستاني المخلص). حصلت منظمة الصحة العالمية على تعهدات من شركات العقاقير العالمية الرئيسة بعدم استغلال المستودعات الدولية من البيانات الجينية لأغراض تجارية، إلا أن هذا لم يكن كافياً لإرضاء اندونيسيا.

إن زعم اندونيسيا بأن وحدة الأبحاث الطبية الثانية التابعة للبحرية الأميركية هي في الواقع منشأة لإنتاج الأسلحة البيولوجية لابد وأن يواجه على نحو حازم ومباشر. والحقيقة أن سفير الولايات المتحدة إلى اندونيسيا، كاميرون هيوم، يحاول بقوة منع وقوع الكارثة، إلا أنه حتى الآن لم يحصل على الدعم الكافي من كبار المسؤولين في الولايات المتحدة. كما يتعين على الصين أن تمارس نفوذها الكبير على اندونيسيا في هذا الشأن - وهذا يصب في مصلحتها بطبيعة الحال.

إن الامتناع عن إطلاع هيئات صحية عالمية على المعلومات الخاصة بسلالات فيروسية وبائية محتملة ليس بالتصرف المسؤول على المستوى الأخلاقي. والسماح لاندونيسيا وغيرها من البلدان بتحويل هذه القضية إلى صراع آخر بين الأغنياء والفقراء، أو بين الإسلام والغرب لن يسفر إلا عن نتائج مأساوية - وقد يؤدي إلى أزمات صحية طاحنة في أي مكان وفي أي وقت.

* سفير الولايات المتحدة الأسبق إلى الأمم المتحدة، ورئيس التحالف العالمي لمكافحة الإيدز والفيروس المسبب له، والسل، والملاريا.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق