انسحاب كردي متوقع من العملية السياسية العراقية

تم نشره في السبت 13 أيلول / سبتمبر 2008. 03:00 صباحاً

 

الأرجح أن يشهد العراق، خلال الأسابيع القليلة المقبلة، تطورات دراماتيكية على صعيد ملف العلاقات بين مكوّنه الكردي وحكومته الاتحادية. أكثر من مراقب سياسي في أربيل يتوقع أن يأتي أول هذه التطورات في شكل قرار من قيادة التحالف الكردستاني يقضي بانسحابها من العملية السياسية العراقية. في الوقت عينه، لا يستبعد المراقبون أن يؤدي هذا الى تطور آخر أكثر دراماتيكية مؤداه إعلان القيادة الكردية موافقتها على مبادرة مجلس محافظة كركوك التي تنص على انضمام المحافظة الى كردستان العراق. يشار الى أن أغلبية أعضاء المجلس (26 عضواً من أصل 41 عضواً) قدموا نهاية تموز الماضي مذكرة الى بغداد وأربيل حول ضمّ محافظتهم الى كردستان. في حينه، لم تعلق بغداد على المذكرة. لكن الأكراد رحّبوا بها، مفضّلين التريث في قبولها لحين انقشاع غيوم الخلافات حول مصير المناطق المتنازع عليها.

في الواقع، لم تعد همهمات الانسحاب تقتصر على المراقبين، بل أن الشارع الكردي الذي يضغط في هذا الاتجاه، أخذ يتحدث، في الآونة الأخيرة، عن ضرورة إقدام الحكومة الكردية على فرض سيطرتها على المناطق المتنازع عليها عبر تطبيق المادة 140 من طرف واحد. القيادات الكردية غير متحمسة لأنها ترى أن الحل الأمثل هو في استعادة هذه المناطق عبر الوسائل القانونية. لكنها تدرس، بحسب المراقبين، خيار الانسحاب بعد عودة رئيس الجمهورية جلال طالباني من رحلته العلاجية في أميركا.

في هذا الغضون، تؤكد القيادات الكردية أن حكومة نوري المالكي تباطأت طوال السنوات الخمس الماضية في تطبيق الاستحقاقات الدستورية الكردية. بل انها ظلت تتطلع الى شطبها في حال نجحت في بناء جيشها وأجهزنها الأمنية، وأفلحت في تهدئة الوضع الأمني والسياسي في العراق. هنا، ترى تلك القيادات أن المالكي نجح الى حد كبير في ضمان الشرطين، خاصة بعدما لاقت عملياته الأمنية في البصرة وبغداد نجاحاً، ما دفعه الى إثارة معضلة خانقين بالتزامن مع إقرار البرلمان العراقي قانون انتخابات مجالس المحافظات، المثير للجدل، في الثاني والعشرين من تموز الماضي.

في الواقع، يرى الأكراد أنهم شركاء اساسيون في الدولة العراقية. ويشيرون الى دورهم في تحرير العراق وبنائه سياسياً وأمنياً، وتطويق مخاطر تعرضه الى الحرب الطائفية وحفظ أمنه وتقريب وجهات النظر بين فرقائه. الى ذلك، يشيرون الى حرصهم على العيش في إطار دولة عراقية فيدرالية دستورية موحدة، مضيفين أنهم ظلوا متمسكين بوحدة العراق وسيادته في فترات كان فيها العراق مقسماً بشكل فعلي خصوصا في 1991 و 1992 و 2003 و 2006. مع هذا، لم تمنحهم العملية السياسية سوى مكاسب فضفاضة على الورق. أما على أرض الواقع، فإنها لم تمنحهم شيئاً. فالأكراد امتلكوا التجربة الحالية قبل إطاحة النظام السابق بإحدى عشرة سنة. كما أن ممثليهم في الحكومات التي تأسست بعد تحرير العراق، ظلوا من دون صلاحيات أو نفوذ فعلي. الى ذلك، لم تف الحكومة، وفاءً من دون مشكلات وعراقيل، بحقوقهم المالية والاقتصادية والنفطية. أما الاستحقاقات الدستورية المتعلقة بالفيدرالية والمادة 140 وصلاحيات إبرام العقود النفطية، فإنها ظلت لا تلقى أي دعم لا من الحكومة الحالية ولا من الحكومات التي سبقتها. لهذا، لم يعد الاستمرار في الحكومة والبرلمان يعني بالنسبة الى الأكراد، سوى الطرق على حديد بارد، خصوصاً بعدما شرع المالكي في خلق مشكلات في خانقين وكركوك تنذر بمواجهات مسلحة غير محسوبة العواقب.

في هذا الإطار، يرجح المراقبون أن تحرص القيادات الكردية على إبقاء العملية السياسية العراقية بعيدة عن الشلل، وأن لا يمهّد الانسحاب لما يمكن وصفه بالانفصال عن العراق. فالهدف، في رأيهم، سيتركز على إقناع بقية الأطراف العراقية، خصوصاً قائمة الائتلاف (الشيعي) الموحد بسحب ثقتها من المالكي، أو على الأقل، على إقناعها بإعادة التوازن الى الميزان الذي يريد المالكي الإخلال به. لكن، لماذا يخل المالكي بالميزان؟ وفي هذا التوقيت بالذات؟ يرّد الأكراد على هذا بقولهم إن المالكي يطمح الى تقييد الدور الكردي بغية التحضير لبناء دولة مركزية تتمركز فيها السلطة في يد مكوّن مذهبي وعرقي واحد. كما أنه يعمل لفرض هيمنته على الساحة العراقية كمرشح أوحد لشغل منصب رئيس الوزراء في الإنتخابات المقبلة.

الى هذا، يحاول الوفاء بتعهدات خفية قطعها لطهران بإزاحة النفوذ الكردي عن المناطق النفطية (كركوك) والحدودية (خانقين والمنذرية). كما يريد أن تذكي المشكلات الراهنة صراعاً عرقياً بين العرب والأكراد، بهدف إلحاق مزيد من الضعف والهوان بمواقف المكوّنات السنّية، خصوصاً الأكراد والعرب السنة في كركوك والموصل.

أخيراً، يعتقد أن التوقيت الراهن سيفيده لجهة أن واشنطن منهمكة في الانتخابات الأميركية، إضافة الى انشغالها بترتيب خطط سحب قواتها من العراق، ما قد يعيقها عن تقديم أي دعم فعلي للموقف الكردي. الى هذا، يعتقد المالكي أن الأميركيين لا يمكن أن يفرطوا به كما فرّطوا برئيس الوزراء السابق إبراهيم الجعفري، خصوصاً في الوقت الحالي الذي يحتاجونه فيه لضمان التوقيع على الاتفاقية الأمنية على الضد من إرادة الإيرانيين.

لكن ماذا عن الأميركيين؟ يؤكد الاكراد أن واشنطن مشغولة بالفعل بملف الاتفاقية الأمنية. ومشغولة أيضاً بتطويق النفوذ الإيراني في العراق. لكنهم  مقتنعون بأن واشنطن لن تسمح للحكومة العراقية باستخدام الجيش لفضّ نزاعاتها مع الأكراد.

لكن ماذا عن تصرف الأميركيين في حال انسحب الأكراد؟ المنتظر أن يصل السفير الأميركي في بغداد رايان كروكر أربيل خلال أيام قليلة بغية حثّها على التخلي عن فكرة الانسحاب. لكن الأكراد الذين يبدون متوترين أكثر من أي وقت مضى، يقولون إنهم معرضون لضغوط هائلة من الشارع والبرلمان الكرديين. كما أنهم يستشفّون تورط المالكي في خطة إيرانية – سورية لتطويق تجربتهم الديموقراطية بحجة أن المناطق الخارجة عن سلطة بغداد تحوّلت الى مزرعة أميركية. أما موضوع خانقين وكركوك والمادة 140 فهو ليس أكثر من خطوة أولى. هنا، يشير الأكراد، أيضاً، الى محاولات بغداد الحصول على اسلحة أميركية بينها طائرات إف 16، وقرارها الخاص بتقليص صلاحيات ثلاثة من أكثر المسؤولين الأكراد نشاطاً في بغداد: نائب رئيس الوزراء برهم صالح، ووزير الخارجية هوشيار زيباري ورئيس أركان الجيش بابكر زيباري.

هل ينجح كروكر في نزع الصاعق المتمثل بانسحاب الأكراد من العملية السياسية العراقية؟ الإجابة غير واضحة خصوصاً أن الوفد الكردي الذي يجري مباحثات في بغداد، لم يتوصل حتى الآن الى نقطة اتفاق واحدة وسط كومة الملفات العالقة.

* كاتب وسياسي كردي

التعليق