"الصراع الإسلامي" على القضية الفلسطينية

تم نشره في الخميس 11 أيلول / سبتمبر 2008. 02:00 صباحاً

بحسب ما نقلت تقارير صحافية عن مواقع أصولية مقربة من تنظيم "القاعدة" فإنّ الذراع الإعلامي للأخيرة سيطرح كتابا بعنوان "رؤية كاشفة...حزب الله اللبناني والقضية الفلسطينية". ويتكامل هذا الكتاب مع فتاوى من علماء دين سعوديين ترفض نصرة "حزب الله" (حتى أثناء الحرب مع إسرائيل) باعتباره حزبا رافضيا. بل ذهب علماء قبل ثلاثة شهور للقول بأنّ حزب الله يتظاهر بأنه يعمل ضد إسرائيل كي يخفي برنامجا مناهضا للسنة.

وسيذهب الكتاب الجديد للقول إنّ حزب الله يتخذ القضية الفلسطينية "مطية" لنشر التشيع مخترقا حركات مثل "الجهاد الإسلامي"، و"حماس".

ويكاد ينسجم طرح "القاعدة" مع طروحات آخرين في أروقة الإعلام العربي الرسمي ومن قبل خصوم "حزب الله" السياسيين، بل ويمتد الأمر لاتهام حركة "حماس" من قبل خصوم لها، وبالذات من قبل حركة "فتح" بأنها تابعة لإيران وجزء من تحالف معها، ويهتف عناصر "فتح" أحيانا لإغاظة "حماس"، وعناصرها هتافات من نوع "شيعة، شيعة،...".

والواقع أنّ الاتهام من قبل تنظيم "القاعدة" لحزب الله بأنّه "يتظاهر" بقتال إسرائيل، وأنّ الحزب "يستخدم" القضية الفلسطينية، هو على درجة من السذاجة، لأنّ "من بيته من زجاج لا يرجم الآخرين"، فالقاعدة، أكثر من يستخدم القضية الفلسطينية في خطابه، دون أي إجراء عملي في هذه القضية، وهو ما قد يكون من حسن طالع الفلسطينيين، لأنّ "القاعدة" وأساليبها دمار للذات وللآخر. وإذا قبلنا أنّ حزب الله، بات يخلط مؤخرا في إدارته لملف المقاومة الكثير من الأجندات السياسية المرتبطة بالصراع الطائفي اللبناني الداخلي، وبسياسات إيران وسورية الإقليمية والخاصة، وقبلنا أنّ هذا يقلل من شعبية الحزب، فإنّه بالمجمل سيبقى هناك شرائح شعبية تؤيد من "يستخدم" القضية ويجعلها ضمن أجندته، ويتمكن من إيلام إسرائيل، أكثر بكثير من الشرائح التي تؤيد من "يتجاهل" القضية أو يكتفي بشعارات عامة ضمن خطابات متواترة ومتوترة.

أمّا بالنسبة للانتقادات لحركة "حماس" وعلاقاتها مع إيران، فإنّ إثارة هذه القضية فيه كثير من مظاهر العجز عن بلورة خطاب وسياسات وتحركات مضادة لحركة "حماس" في مجال القضية الوطنية. بمعنى أنّه قد تكون سياسات "حماس" فيها الكثير من الأخطاء والثغرات والكثير من التسلط، والكثير مما يستحق النقد، بل والنقد الحاد، ولكن الرد على هذه السياسات لا يكون بطريقة غير موضوعية، وعلى صعيد علاقة "حماس" مع إيران تحديدا، يجب أن نتذكر أنّ الحركة تقبل الدعم من أي جهة، بدءا من دولة قطر الساعية وراء دور نشط إقليميا، مرورا بسورية البعثية المعادية للإخوان المسلمين، وإيران ذات الأجندة القومية والمذهبية، كما تنفتح على روسيا الباحثة عن مجد الماضي؛ فحماس في علاقاتها الدولية تستخدم اعتبارات سياسية براجماتية.

كما أن على حركة "فتح" أن تتذكر، بل وربما أن تفخر، أنّها في يوم من الأيام كانت تقدم الدعم والمساعدة لحزب الله عند نشأته، وأن عناصر شيعية كانت ضمن الجيل الأول للحزب كانت يوما ضمن كوادر الحركة، كما أنّ علاقة "فتح" بالثورة الإيرانية، قديمة وسابقة لوصولها للحكم، ولعل عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، سفير المنظمة السابق في طهران، هاني الحسن، قادر على تذكير الحركة بذلك، كما أنّ الهتافات بشأن الشيعة أو أتباع أي مذهب آخر أمر لا يليق بتاريخ أي حركة تحرر وطني وبأعضائها. هذا لا يعني بأي حال قبول سياسات إيران القومية الفارسية والمستهدفة لسيادة الدول العربية، والتي تؤدي إلى الخلخلة الطائفية فيها، ولا يعني قبول "الاستخدام" السياسي للقضية الفلسطينية في الخطاب الإيراني، على نحو ما يفعل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، ولكنه يعني موضوعية أكثر في تقييم علاقات "حماس" مع إيران، والإقرار بأنّ "حماس" ستستفيد ما يمكن استفادته من إيران. والرد على "حماس" وسياساتها يكون بقيادة برنامج وطني نضالي، بما فيه أيضا من أدوات دبلوماسية وتفاوضية، بجانب أدوات النضال الأخرى، وبما يحظى بالتفاف شعبي، كما أنّ إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، وفرضها ثانية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني من خلال الشرعية الشعبية، سيفرغ أي تحالف لأي فصيل فلسطيني مع إيران من محتواه، كما أنّ "حماس" قد تضطر للالتزام في إطار منظمة التحرير لضبط سياساتها في كثير من الجوانب، ولكن إصلاح "فتح" والمنظمة وعودتها لتكون إطارا وطنيا تصبح كل يوم أبعد من اليوم الذي سبقه. 

على الصعيد الرسمي العربي، فإنّ الفشل في معالجة القضية الفلسطينية، هو ما أدى أصلا إلى بروز ظاهرة المقاومة الفلسطينية، وسمح بظهور حركة "حماس" وقبلها حزب الله، بعد سنوات طويلة من الفشل في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي. ولقطع الطريق على إيران ومنعها من اختراق أي فصيل فلسطيني، أو ساحة عربية، بتوظيف القضية الفلسطينية، يحتاج الأمر لفرض تسوية لهذه القضية، عبر وضع ثقل عربي حقيقي على الساحة الدولية لإجبار إسرائيل على قبول تسوية مقنعة ومقبولة للفلسطينيين.

كما أنّ عدم التعاطي مع "حماس" وعدم ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، يقلص خيارات حماس بما يزيد فرص الخيار الإيراني، وبالتالي يمكن القيام بانفتاح عربي مشروط على "حماس" في كثير من القضايا، ضمن رؤية عامة لحل الموضوع الفلسطيني، ومعايير لإصلاح أطر العمل الوطني الفلسطيني بما يجبر "حماس" وخصومها، وفي مقدمتهم "فتح" على تبني برامج عمل وطنية غير فصائلية تعيد الأمور لنصابها، وتقطع الطريق على أي اختراق أو توظيف للقضية الفلسطينية.

http://ajazem.maktoobblog.com

التعليق