د.باسم الطويسي

إعادة النظر بـ"خصخصة" البريد الأردني

تم نشره في الاثنين 8 أيلول / سبتمبر 2008. 02:00 صباحاً

قد لا تثير عملية خصخصة البريد الأردني الجارية بهدوء منذ عام 2003، والتي يبدو أنها اقتربت من النهاية؛ مناقشات وطنية واسعة نحن بأمس الحاجة إليها.

هذا الغياب يعود لأكثر من سبب؛ ضعف قطاع البريد الأردني في السنوات الأخيرة وعدم ارتباطه بوظائف اجتماعية واقتصادية ترتبط بالحياة اليومية للأفراد والأسر، كما هو الحال في بلدان أخرى، وعدم وجود تراث اجتماعي وسياسي وطني في مقاومة جادة لبعض تجارب التخاصية في بعض المجالات التي قد ترتبط بخسائر على مستويات أمنية واجتماعية واقتصادية، وعدم وجود مساءلة جادة تتناول أساليب الخصخصة وإداراتها، وما يرافق ذلك من بيئة للفساد واقتناص الفرص.

هل هناك فرصة للمجتمع الأردني اليوم ان يطالب بإعادة النظر في خصخصة البريد الأردني، بل وإعادة دوره الاجتماعي والاقتصادي بصورة عصرية تتفق مع ما يحدث في ارقى الرأسماليات المعاصرة. فالبريد يحمل قيمة اجتماعية تنموية على قدر كبير من الأهمية، إذا أحسن إصلاحه، وهو قطاع قابل لتطوير وظائفه واستيعاب الجديد، في عصر تراجعت فيه قيمة ودور الوظائف التقليدية لهذا القطاع، ولم تعد الرسائل والمكاتيب التقليدية ذات حضور في حياة الناس، وكما لا يمكن تصور دولة من دون شبكة طرق ومواصلات ونقل وسكك حديدية أحيانا لا يمكن تصور دولة من دون نظام بريد يستجيب للحاجات المجتمعية ويدمج البلاد والمجتمع، ويسهم في تجسيد مفهوم الدولة على الأرض بربطها بعضها ببعض، وربطها بالعالم. 

بشكل عملي يكاد يقتصر مفهوم الإصلاح الاقتصادي في الأردن على الخصخصة، حيث تختصر المشكلة الاقتصادية في الملكية، وبغض النظر عن باقي مصادر الأزمة الاقتصادية الممعنة في السوق وفي إدارة الدولة وفي الاقتصاد السياسي، فإن الأمر الذي يفسر استمرار مظاهر الأزمة الاقتصادية المتمثلة في البطالة والفقر، على الرغم من اننا قطعنا الشوط الأكبر في مجال التحرير والخصخصة، قد لا يكون في مشكلة الملكية التي يجب ان تكون هي احد الأسباب التي تبرر المضي في هذا السيناريو كأداة لتحقيق المزيد من الكفاءة الاقتصادية، وليس ان تتحول الخصخصة الى غاية وهدف بحد ذاتها.

بدأ البريد الأردني مع بداية عهد الإمارة عام 1921، وكان بين أول خمس مؤسسات عامة قامت عليها نشأة الدولة الأردنية وشهدت ميلادها؛ وبدءا بأول مكتب بريدي دشن في مدينة السلط، انتشرت مكاتب البريد الأردني في كافة المدن والقرى والتجمعات السكانية وعلى الطرق. واخذ هذا القطاع أهمية ومضمونا اجتماعيا ربما لم تنله القطاعات التي عادة يرمز للدور الاجتماعي للدولة من خلالها؛ مثل التعليم والصحة، وانعكست هذه الأهمية في مرحلة تمأسس الدولة؛ أي في عقود منتصف القرن الماضي في ازدياد أهمية البريد التنموية وفي تشكل المجتمع وربط أجزاء الدولة ببعضها بعض.

ولقد عكس التراث الشعبي بالأهازيج والغناء المحلي والشعر قيمة البريد الأردني وأهميته في تلك المرحلة، إلا ان تراجع أهمية البريد ودوره في المسار التنموي خلال العقود الأخيرة. لم يكن بسبب التطورات المعاصرة التي لحقت بهذه الصناعة والتكنولوجيا التي ألغت أو تكاد العديد من الوظائف التقليدية للبريد. بل بسبب ضعف إرادة الدولة في إعادة تأهيل هذا القطاع وتطوير وظائفه وأساليب إدارته كما حدث في بلدان عديدة في العالم.

الصيغة الرائجة اليوم، هي صيغة السيناريو الأسوأ التي طبقت في بيع العديد من القطاعات والتي تعني ترك الأمور في هذا القطاع تصل الى حد من التدهور لا رجعة بعده، ما يعني الوصول الى ما لا بد منه؛ وهو أسوأ السيناريوهات، التي بدلا من ان تجعل التخاصية أداة في بعض القطاعات للوصول للكفاءة الاقتصادية، تصبح غاية بحد ذاتها للانتفاع وتوفير وصيد الفرص، وصب المزيد من الاختلالات والاحتكارات في السوق.

يوجد في سوق البريد الأردني اليوم مشغِّلَيْن، الأول هو شركة البريد الأردني المملوكة بالكامل للحكومة، والمشغل الثاني القطاع الخاص حيث توجد العديد من الشركات التي تقدم أيضا خدمات البريد التقليدية على المستوى المحلي والدولي. هناك فرصة ان لا تصل شركة البريد الأردني الى السيناريو الأسوأ. فلقد حققت في العام الماضي أرباحا معقولة تجاوزت المليون دينار، ولدى الشركة اليوم شبكة وطنية واسعة من المكاتب البريدية عددها 356 مكتبا في مختلف أنحاء المملكة، حيث كانت الفكرة الرائجة قبل ثلاث سنوات تضمين البريد بمبلغ ما بين ثلاثة الى مليوني دينار وارتفعت القيمة التقديرية الى حوالي 13 مليونا هذا العام.

أمام الحكومة فرصة كبيرة لإعادة النظر في أسس إدارة شركة البريد الأردني دون الاستسلام لإغراء البيع أو صفقة مجحفة في البحث عن الشريك الاستراتيجي. هل يمكن ان يتم الاستفادة من تجارب الدول الأخرى؛ الدول التي اخترعت التخاصية وأول من طبقها، وهل يمكن ان نجرَّب خيارات وطنية في هذا القطاع تعتمد على التعاون مع القطاع الخاص وتفعيل دوره دون التفريط ببيع الأصول؟ وهل يمكن طرح خيارات وطنية لجعل شركة البريد الأردني نموذجا للسوق الوطنية التي تحافظ على الملكية العامة للأصول وتندمج في الإدارة والمعايير والمنافسة في السوق؟

أمام الحكومة فرصة لشكل آخر من أشكال الإصلاح الاقتصادي في البريد الأردني، في إصلاح الشركة القائمة بدءا من الإدارة ونوع الشركة وربما التنازل عن حصة أولى ونهائية من الملكية. لنتصور البريد الأردني بعد خطة إصلاح جريئة؛ يتم إعادة تأهيله بخدمات جديدة وقدرة عالية على المنافسة. لنتصور البريد يطور خدماته لتشمل بعض الخدمات التي تحتكرها بعض البنوك اليوم، ان يكون لديه بنك ائتمان عملاق للتأمينات الاجتماعية في الصحة والتعليم ومستقبل الأبناء والشيخوخة وغيرها، ان يكون البريد الأردني المرفق المفضل والأسهل للخدمات المدفوعة مثل فواتير الماء والكهرباء والهاتف والانترنت وغيرها.

لنتصور البريد الأردني يملك اكبر شبكة لخدمات التوثيق الوطني يمكن من خلالها ان يتحول الى وكيل للكثير من الخدمات الحكومية في المدن والأرياف والقرى البعيدة. لنتصور البريد الأردني يوثق شهادات الميلاد وعقود الزواج ويسجل السيارات ورخص المهن وغيرها. لنتصور البريد الأردني يقدم على أسس تجارية منافسة خدمات تقنية معاصرة؛ مثل بريد المعلومات Data mail ويدخل على خطوط حركة التجارة الالكترونية في العالم لخدمة الأردنيين وتسهيل اشتباكهم بهذه الخدمات وتأمين السلع والخدمات من مراكز انتاجها الأولى في مختلف أنحاء العالم الى المنازل. لنتصور البريد الأردني يملك اكبر شبكة من الصناديق البريدية أمام المنازل. لنتصور البريد الأردني يقدم خدمات البريد الإعلاني أو الدعائي المدفوعة لمنتجين وشركات محلية وإقليمية ودولية، كل هذه الوظائف والآفاق ممكنة وقائمة في تجارب أخرى، وممكنة أيضا في الحالة الأردنية.

على الرغم من عراقة الرأسمالية اليابانية إلا ان عملية تخاصية طويلة الأجل للبريد الياباني لم تبدأ إلا العام الماضي بعد نقاش سياسي ومجتمعي طويل عد من اكبر المناقشات الوطنية، حيث خلفت عملية خصخصة البريد الياباني، التي تستمر عشر سنوات، أربع شركات عملاقة جديدة منها اكبر بنك في العالم. اما في بريطانيا التي بدأت منها سياسات بيع أملاك الدولة، فقد بدأت خدمة البريد البريطاني عام 1516 بشكل تجاري، وفي عام 1635 تحول البريد الى احتكار حكومي للخدمات البريدية لأسباب أمنية واقتصادية ومجتمعية، وفي عام 1969 تحول الى شركة عامة مساهمة، وفي عام 1994 دعت الحكومة البريطانية الى بيع51% من أسهم البريد الملكي، لكن معارضة قوية من نقابات العمال والبرلمان أفشلت المشروع، واستعيض عن ذلك في عام 1995 بمشروع ضخم لإصلاح البريد ما وفر تطوير الخدمة والعمل على أسس تجارية وضمان استقلاليته.

التجربة الأهم هي النيوزيلندية، حيث أعلنت الحكومة في عام 1994 انها ستقوم بتحرير قطاع الخدمات البريدية إلا انها تراجعت أمام المعارضة السياسية والمجتمعية ولجأت الى خطة إصلاحية واسعة تعد اليوم أنموذجا مميزا في الإصلاح. وأصبح البريد النيوزيلندي بفضل هذه الخطة التي أطلق عليها (التحول المذهل) مؤسسة عامة قائمة على أسس تجارية ومنافسة ويقدم خدمات واسعة ومتنوعة بكفاءة عالية بعد ان كان مؤسسة عامة مثقلة بالديون؛ ترى هل يمكن ان نجرب، ولو مرة واحدة، قبول تحدي إصلاح حقيقي كما يفعل العالم؟

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اين البريد (نور)

    الاثنين 8 أيلول / سبتمبر 2008.
    هناك وجهة نظر في الدول المتقدمة للبريد دور مهم ويقدم خدمات متعددة وليس مجرد رسايل وطرود لماذا وصل عندنا الى هذا الوضع .والله في دول اليريد فيها مؤسسات عملاقة وكبيرة وتسعى الدولة للحفاظ عليها مثل الغابات والمياه والطرق.
  • »الخصخصة والفساد (ميساء الخطيب)

    الاثنين 8 أيلول / سبتمبر 2008.
    بسم الله الرحمن الرحيم
    ان عمليات الاصلاح في مؤسسات الدولة هي الاولوية الاساسية الذي يجب ان تأخذ حقها في النضوج ، وما قدمه الكاتب في نموذج البريد الار دني يصلح ان يكون بداية حقيقية لطريقة مختلفة في اصلاح المؤسسات وليس ترك المؤسسات حتى تصل الى درجة متدنية من الهوان والضعف بشكل مقصود وثم نقول تعالوا خصخصوهاونفتح مئة باب للفساد والفاسدين ، ونكتشف ذلك بعد فوات الآوان ونقول الحق على الطليان ، بالفعل نحن بحاجة لتقديم نماذج جديدة
  • »قبول التحدي (عامر بني عطا)

    الاثنين 8 أيلول / سبتمبر 2008.
    لقد اعجبتني المقالة فوق ما يتصور احد وذلك لسبيبن الاول ان خصخة البريد الاردني التي ستنتهي بعد مرحلة ربما اخيرة موضوع لم يتناولة الاعلام في الاردن بشكل جدي او بمعنى اخر لم يلحظة احد ويكتب عنه مقاله كهذه
    وثانياً مندهش من قدرة الكاتب الجميلة على تقديم بدائل اخرى وناجحة تجعل من البريد الاردني من اهم المرافق والمؤسسات الكبرى في الاردن وقلما اجد كاتب اردني يطرح القضية ويقدم حلول موضوعية لها بعين ثاقفة اهنئ صحيفة الغد على هؤلاء الكتاب المتميزين بالطرح والمبادرين لطرح قضايانا الوطنية بكل شفافية ووضوح ولكم جزيل الشكر