هل تجدّدت الحرب الباردة؟

تم نشره في السبت 23 آب / أغسطس 2008. 02:00 صباحاً

 

هل كانت الحرب الباردة انتهت بالفعل في مطلع تسعينات القرن الماضي، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي ام انها كانت قد عُلقت بانتظار عودة التوازن والقطبية الثنائية؟

لقد اعتقدنا، واعتقد كثيرون غيرنا، ان التغير الكبير الذي حدث باختفاء القطب الثاني قد وضع العالم على عتبة مرحلة جديدة من العلاقات الدولية، تزول منها حالة الصدام المستمر بين قطبي التوازن في الامم المتحدة، وتنتهي خلالها حالة التعطيل المتبادل بين القطبين، ووراءهما من كان يدور في فلكيهما، ويضع العالم نفسه بالتالي على أبواب ما اصطلح على تسميته "بالنظام العالمي الجديد".

وتلا ذلك خطوات كبرى في هذا الاتجاه، بدأت بتفكيك وتدمير الاسلحة النووية، وغيرها من ادوات الحرب والدمار غير التقليدية، وانتهى سباق التسلح وظن كثيرون ان الاموال الطائلة التي كانت تُنفق على السلاح ستوجه نحو التنمية وحل مشاكل الانسان الكثيرة الاخرى، وجعل العالم وشعوبه ينعم بالرخاء والازدهار والتقدم.

وعلى هذا الأساس دخل عالمنا الالفية الثالثة وسط تحضيرات في الامم المتحدة للدخول المنتصر في عصر السلام والأمان والرخاء.

ولكن شيئاً من ذلك لم يتحقق. ويمكن القول ان شيئاً من عادات الماضي لم يتغير. فالحروب هي الحروب، والانفاق على السلاح هو ذات الانفاق، والفقر هو الفقر والجهل هو الجهل والمرض هو المرض. وفوق ذلك كله الظلم هو الظلم والتشرد هو التشرد وعقم القانون الدولي والنظام الدولي هو ذات العقم بل أسوأ.

وها هي الحرب الباردة تُستأنف وكأنها كانت بالفعل نائمة بانتظار ما يوقظها.

صحيح ان الصدام بين القوتين العظميين قد انتهى في العقد الأخير من القرن الماضي بسقوط احدى القوتين. وانهيار العقيدة التي كانت قد قامت عليها، وبنت عليها أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولكن ذلك الزلزال لم يُخلف وضعاً متكافئاً حتى يستطيع ان يبنى من جديد على أسس الوفاق والقناعة والثقة المتبادلة والمصلحة المشتركة: لقد خلف بدلاً من ذلك وضعاً مائلاً، فيه منتصر، ثمل بنشوة النصر، وفيه جريح مهزوم: فيه خاسر يُلملم أسباب فشله وانهياره، وفيه رابح يختال زهواً بقِيَمِهِ الصامدة وديمقراطيته الناجحة، وأنظمته المزدهرة علمياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، وشعوبه الغارقة في الحرية والرفاه والعيش الأمين. بكلمات وجيزة خلَّف الزلزال وضعاً خالياً من كل أسباب التكافؤ. ولذلك إن كانت قد فُقدت لدى كل من الجانبين القدرة على مواصلة الصدام، فيبدو أن أياً منهما لم يفقد الشهية.

عندما خلفت الفدرالية الروسية الامبراطورية السوفياتية تقلص الدور الروسي في مجال السياسة الدولية بالرغم من ان روسيا حافظت على موقعها المتميز في مجلس الأمن. ولم يكن بمقدور روسيا في مرحلة اعادة البناء من جديد، ومن البدايات الاولى ان تكرس شيئا من امكاناتها وطاقاتها لغير البناء. فصمتت، وان بغير كثير من الرضا على زحف العديد من الجمهوريات السابقة التي كانت جزءا من الامبراطورية، الى حضن الغرب وبالتحديد الى الناتو.

وقد سرع ترحيب الناتو بهذه الدول، وزحف الحلف الى مواقع قريبة من الأرض الروسية، في خلق حالة مواجهة جديدة، نضجت عندما أصبحت لدى روسيا القدرة على التخلي عن الصمت والتصدي للخطر.

هذا هو بالتحديد ما تكشفه الازمة الجورجية. فهل وصل السكين الى العظم? وهل نفد صبر روسيا امام زحف النفوذ الغربي، ونفوذ الناتو باتجاه ما كانت روسيا تأمل ان تحتفظ به كمنطقة نفوذ لها? وهل العالم الان على ابواب "الحرب الباردة الثانية"?.

اذا كان الامر كذلك فتكون الولايات المتحدة هي التي بدأتها كما كتب باتريك بيوكانان على موقع انتي وور في 19/8/2008.

اما شيلدون ريتشمان، رئيس تحرير مجلة "فريدوم" فقد حمل سياسة اميركا الخارجية مسؤولية الازمة الجورجية في مقال له على نفس الموقع في 15/8/2008.

ويطالب ريتشمان بنهاية حلف الناتو على اساس انه احد مخلفات الحرب الباردة، وانه ليس بمقدور الحلف على هذا الاساس ان يقدم اية مساهمة للسلام، كونه في الحقيقة اداة زعزعة استقرار من ادوات السياسة الخارجية للامبريالية الاستفزازية الاميركية.

يتهم ريتشمان الامبراطورية الاميركية - كما يسميها - وحلف الناتو الذي يقف لتمثيلها بدور رئيسي في اساءة علاقة روسيا مع جيرانها. ويقول: "لم تمض فترة على تفكيك الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة حتى باشرت النخبة في اميركا الحديث عن تمدد سلطة حلف الناتو لتشمل الجمهوريات السوفياتية السابقة". ويضيف قائلا انه اذا ما علمنا ان حلف الناتو وجد اصلا لمواجهة السوفيات في اوروبا، فكيف يمكن ان نفهم ان لا يكون تمدد الحلف للحدود السوفياتية عملا استفزازيا.

وكذلك كانت مساعي جورجيا منذ فترة غير قصيرة للانضمام لعضوية الناتو، وكانت سياسة ساكاشفيلي واجهة غربية اميركية التوجه تعمل ضمن استراتيجية مواجهة مع روسيا. ولذلك حظيت جورجيا بالتدريب والتسليح لجيشها والدعم السياسي لها من واشنطن ما اثار شكوك روسيا حول نوايا اميركا في باحتها الخلفية بحسب تحليل ريتشمان.

اذن فإن الاصرار على نشر انظمة الصواريخ من جهة، وتوسع الناتو من جهة ثانية بضم دول كثيرة من تلك التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي، بالاضافة للتسليح والتدريب والاستمالة ونشر النفوذ والدعم المالي، كلها عوامل أيقظت لدى الروس الحاجة للرد على المواجهة بالمواجهة بعد ان تجاوزت الامور حدود المعقول ولم يعد بالمستطاع تجاهل ما يجري وما يمس صميم المصالح والهموم الروسية في المناطق الحدودية الحساسة القريبة.

اذن فإن الازمة الجورجية هي ليست كل ما في الامر. وبالرغم من العوامل المتشابكة التي سببتها، وردود الفعل التي اثارتها، والتي ما تزال تتفاعل - ولن نشهد اختفاءها قريبا - فإنها فقط البداية لنهج روسي جديد يمثل خروجا عن سياسة غض النظر التي استمرت طوال ما يقارب العقدين من الزمان.

وقد نكون بالفعل على ابواب حرب باردة مستأنفة او جديدة سنشهد لها جولات في الامم المتحدة وعلى الأرض. وقد يكون في ذلك عودة للتوازن "السلبي" المفقود.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فلسفة حسني البرزان ، مع غوار الطوشه (د. عبدالله عقروق \بيروت مؤقتا)

    السبت 23 آب / أغسطس 2008.
    قال المرحوم حسني البرزان ،"اذا اردت ان تعرف ماذا يحصل في البرازيل عليك ان تعرف ماذا يحصل في " وسكت عن الاباحة اين.
    الحرب الباردة في اوروبا تعني ان اميركا تريد تمرير شيء من تحت الطاولة...فانتظروه