محمد أبو رمان

في صيغة المقاربة الليبرالية!

تم نشره في الثلاثاء 5 آب / أغسطس 2008. 03:00 صباحاً

 ثمة عملية تشويه متعمدة من قبل توجهات سياسية وفكرية أردنية للفلسفة الليبرالية بصورة عامة. ولعلّ الوقوف على خطاب بعض النخب القومية واليسارية، ممن لا يزالون يتمسكون بالمقولات التقليدية، يكشف عن مستوى كبير من الخلط والتحايل في بناء "صورة نمطية" غير دقيقة عن الليبرالية، لدى الشارع، سواء على المستوى السياسي والاقتصادي.

خطورة "الصورة النمطية" التي تسعى هذه النخب إلى تكريسها حول "الخيار الليبرالي"، فضلاً أنّها ذات صيغة تعميمية وغير صحيحة منطقياً وواقعياً أنّها تحطم عنواناً مهماً يصلح لتحشيد الناس للمطالبة بنيل حقوقهم السياسية والاقتصادية.

المفارقة أنّ المحتجين على "الليبرالية" بصورة مطلقة، إمّا أنهم في خطاباتهم السياسية والاقتصادية يقعون في التناقض ويطالبون بتطبيق الليبرالية (الحديث عن الحريات العامة وحقوق الإنسان والديمقراطية التمثيلية والشفافية وسيادة القانون..) أو أنّهم يطالبون بتطبيق نماذج ثبت فشلها على المستوى النظري والتطبيقي، ولم تجر على شعوبها سوى استبداد سياسي وتراجع اقتصادي وتخلف حضاري. فضلاً أن الظلم الذي يقع من تطبيق الليبرالية أقل وطأة بكثير من الظلم الناتج عن تلك النماذج.

الأغرب من هذا وذاك؛ أنّ نخبنا لا تزال تصر على خطاب انتهت صلاحيته، بينما التيارات اليسارية في اوروبا نفسها قامت بتطوير خطاباتها ورؤيتها السياسية والاقتصادية، وباتت أقرب إلى الخيار الليبرالي بصورته المعدلة (مراعاة الجانب الاجتماعي)، وإعادة إنتاج رؤيتها الأيديولوجية والفكرية.

حتى الدول العربية والعالمية ذات السمة الاشتراكية، التي تتغنى بها بعض النخب القومية واليسارية، فهي تعاني من أزمات اقتصادية وسياسية، وتسعى جاهدة إلى التحول من مفاهيم تأميم وسائل الانتاج وممتلكات الدولة إلى الخصخصة والحرية الاقتصادية.

ولعلّ "التجربة الصينية" تمثل مؤشراً على نجاح الانفتاح الاقتصادي في مقابل تأخر الانفتاح السياسي، بينما لا تزال مجتمعات كوريا الشمالية وكوبا تعاني الأمرّين من التطبيقات القسرية للاشتراكية المتعانقة مع استبداد سياسي كامل.

على الصعيد العربي تسعى الدول العربية التي لا تزال تعيش بقايا المرحلة الاشتراكية إلى الانخراط في الاقتصاد العالمي والتحول نحو القطاع الخاص، لكن العملية ليست من السهولة الاقتصادية والإدارية والسياسية، ناهيك عن محاولة من يمسكون بالسلطة الإمساك بالقطاع الخاص الناشئ، بصورة ملتوية، باستثمار نفوذهم السياسي.

هذا لا يعني أنّ الحال أفضل كثيراً في الدول التي تبنت عملية الإصلاح الاقتصادي والتحول عن نموذج "الدولة الريعية" والعلاقة الزبونية إلى "اقتصاد السوق". لكن أغلب هذه الدول طبقت نموذجاً متطرفاً من الليبرالية (مرتبطاً بوصفات المؤسسات المالية الدولية)، كما أنّها طبقت بعض جوانب الليبرالية (اقتصادياً، اجتماعياً) وغيّبت الجانب السياسي الذي بات يشكل في التطبيقات الأخيرة أحد أهم مقومات الليبرالية.

أردنياً؛ فإنّ استمرار الحديث عن رفض الليبرالية والهجوم عليها وتجذير صورة نمطية مغلوطة عنها، لا يخدم بناء روافع للإصلاح السياسي والاقتصادي تسير بالمجتمع والدولة إلى الأمام، فضلاً أنه يختزل الليبرالية في نخب قد لا تكون الممثل الحقيقي لليبرالية، أو ربما تعكس صورة معينة من الليبرالية لا يجوز تعميمها على المدرسة بأسرها.

السؤال الأدق والأكثر واقعية هو حول صيغة الخيار الليبرالي في الأردن اقتصادياً وسياسياً وثقافياً. وفي هذا المجال سنجد أننا أمام مدارس مختلفة ومتعددة ومتباينة، لكنها تختلف في السياقات الإيجابية للاختلاف، ولا تشدنا إلى نماذج سياسية واقتصادية تسعى البشرية قاطبة إلى تجاوزها!

على المستوى الاقتصادي؛ فإنّ برنامج الإصلاح الاقتصادي قد حقق بالفعل، في السنوات الأخيرة، تقدما ملموساً، وقفز الناتج المحلي الإجمالي، وتم استقطاب استثمارات وتحسن طفيف في بيئة العمل، وازدهار في القطاع الخاص، وخلق لفرص عمل جديدة مع مساع لتجاوز ازمة الطاقة والغذاء العالمية. لكن في المقابل هنالك اختلال هيكلي كبير في هذا البرنامج، ولا تزال شرائح اجتماعية واسعة غير قادرة على التكيف معه، فأصبح عبئاً عليها وباتت عبئاً عليه، هنالك أزمة بنيوية يتعرض لها القطاع العام، وحالة تنذر بالترهل والانهيار، هنالك سؤال حول الاستقرار المالي وديمومته، مشكلة الاختلالات في سوق العمل، هواجس حول الأبعاد السياسية والاجتماعية للتحولات الاقتصادية وتساؤلات حول الشفافية والفساد.

فالحوار النافع وطنياً لن يكون في جدوى برنامج الإصلاح الاقتصادي ابتداءً، فهذا لا يعدو إهداراً للوقت وتشتيتاً للتركيز المطلوب. إنّما الاتجاه الأصوب للحوار، بتقديري، هو حول "إصلاح برنامج الإصلاح الاقتصادي" وتطويره لإحداث التوازنات المطلوبة في العملية الاقتصادية من جهة وبين الاعتبارات الاقتصادية والسياسية- الاجتماعية من جهة أخرى، وفي كيفية دفع العملية التنموية بصورة متوازية مع النشاط الاقتصادي، وتجاوز أزمة المركز والأطراف.

على الصعيد السياسي؛ فمن الظلم القول إنّ الليبرالية قد أخفقت، لأنّ الليبرالية السياسية لم تطبق إلاّ قليلاً، وما يحكم الحياة السياسية بصورة كاملة هو "المنظور الأمني". في المقابل فإنّ الدعوى الليبرالية تدفع إلى تعزيز برنامج الإصلاح السياسي والحريات العامة وتجذير ملف حقوق الإنسان تشريعاً وممارسة، وتطبيق مبدأ سيادة القانون، وبناء روافد للحياة المدنية.

بالتأكيد هنالك اعتبارات عديدة في سياق الحديث عن الإصلاح السياسي، كالتقسيم الديمغرافي وارتباطه بالحل النهائي للقضية الفلسطينية، وكذلك الأبعاد الأمنية ومدى أهلية القوى السياسية وسؤال الإسلام السياسي. لكن يمكن صوغ مقاربة ليبرالية تأخذ بعين الاعتبار السير إلى الأمام بخطوات حذرة في جوانب وسريعة في جوانب أخرى. لكن ما حدث في السنوات الأخيرة أنّنا قطعنا إلى الوراء أشواطاً طويلة!

على الصعيد الثقافي- الاجتماعي؛ فإنّ المقاربة الليبرالية أمام تحدي الإجابة عن سؤال الدين والأخلاق والحريات الفردية والتعامل مع استحقاقات العصر، وهنالك اتجاهات مختلفة داخل المدارس الليبرالية في الإجابة عن هذه الأسئلة، كما هي الحال في الولايات المتحدة الأميركية.

في الخلاصة؛ قد تكون الليبرالية اليوم من أفضل البضائع المعروضة في سوق المقاربات والأفكار، لكن السؤال كيف يمكن بناء مقاربة تخدم المسار الوطني لا تشوهه؟..

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعقيب على الزميل الصديق سامي الزبيدي (محمد أبو رمان)

    الثلاثاء 5 آب / أغسطس 2008.
    أخي سامي لا أعرف لماذا يتم خلط الأمور أي دفاع هذا الذي تتحدث عنه؟!
    أعتقد أن المقال واضح في وضع الأصبع على موضع الخلل وفيه نقد كبير للبرنامج الاقتصادي، وتصحيح لمفهوم الليبرالية حتى لا يختلط بمفهوم الليبرالية القسرية أو الليبرالية المجتزأة.
    أرجو من سامي قراءة المقال بدقة أكثر، وسوف يجد أن الخطاب الموجود فيه هو ذات الخطاب الذي اتحدث فيه دوما.
    ولا أظن أن سامي لديك مشكلة مع مصطلح الليبرالية كمصطلح، إنما هنالك مشكلة مع مدرسة معينة سواء تم تسميتها ليبرالية أم لا؟
    يا سامي لا أغير آرائي إلا وفق قناعاتي، ولا أتصور أن اغير قناعاتي بين ليلة وضحاها، أليس كذلك؟!
  • »مفاجأة غير سارة (سامي الزبيدي)

    الثلاثاء 5 آب / أغسطس 2008.
    اسئلة فقط:
    هل الفريق "الليبرالي" الذي حكم المسهد الاقتصادي ليبرالي حقا، ام انه مجموعة من المغامرين والمقامرين الذين لم يجلبوا سوى المزيد من الاختلالات في اقتصادنا على مستوييه الكلي والجزئي؟
    هل الليبرالية السوقية لدى هؤلاء متلازمة مع الليبرالية السياسية ام انهم مجموعة تفكر بعقلية مدراء الشركات في جمهوريات الموز؟
    هل تعلم ان سياسات هؤلاء اشهرت افلاسها عبر اضطرارها لبيع الاصول العقارية لتغطية العجز في الموازنة؟
    مكان هؤلاء المحكمة على الاثراء غير المشروع وليس اعلى المناصب.
    هل تعلم ان احدهم اشترى 9 دنمات في دابوق موزعة على اربعة اماكن قبيل الفورة العقارية ، اليس هذا نمط من الفساد عبر الاستثمار في المعلومة؟
    فوجئت بدفاعك عن هذه المدرسة وارجو ان يكون هذا الموقف معزول عن اللقاءات الاخيرة
  • »الإسلام الليبرالي- حراك الاسلام في الغرب (غانم جواد/ مدير مكتب الثقافة مؤسسه الامام الخوئي الخيرية)

    الثلاثاء 5 آب / أغسطس 2008.
    تناقش هذه الورقة موضوع "الإسلام الليبرالي" من خلال قضيتين نعدهما مدخل أساس المقاربة وهما "الإسلام والغرب" والقضية الثانية "الإسلام في الغرب".

    وسنتطرق بشيء من التفصيل إلى القضية الثانية المتمثلة في حركة الإسلام في الغرب، ونحاول الإشارة إلى الأولى باختصار عبر إثارة الأسئلة على أمل أن نوفق إلى مناقشتها بالتفصيل مستقبلاً وهي قضية العلاقة بين الإسلام والغرب، وما ينتج عنها من استحداث مفاهيم، وأفكار، ورؤى، وطرق معيشة وعلاقات مجتمعية بين مكونات كل مجتمع، إضافة إلى نوعية العلاقات الدولية والتطور الاجتماعي، والثقافي، والاقتصادي، والسياسي. نتلقاها بشكل عام من الغرب.

    تتعلق قضية "الإسلام في الغرب " بوجود الجاليات المسلمة وحركتها في الاندماج في بنية المجتمعات الغربية، يتولد من خلال الاندماج إسلام وسطي معتدل، لا يتعارض مع القيم الغربية. أي أن يتبنّى المسلمون المقيمون في الغرب قيم الديمقراطية والتعددية، وحق الاختلاف والتعايش السلمي وكل ما يعزز قيم العيش المشترك، وإن أصبحت هذه القيم تناقش في الأوساط الغربية في الوقت الحاضر نتيجة لتزايد أعداد المسلمين، وتعاظم الهجرة غير الشرعية للبلدان الأوربية من دول العالم الإسلامي، وتزايد أعمال العنف والعلميات المسلحة التي ينفذها المتطرفون من أفراد الجالية المسلمة.

    وبالمقابل للجاليات المسلمة أولوياتها ومشاكلها التي تتمثل في تفاقم التمييز الديني والعنصري، وما يصاحبها من تأجيج مشاعر الكراهية الدينية، مما تسبب المزيد من التهميش والعزل الاجتماعي للمسلمين. بالإضافة إلى ما يراه هؤلاء المسلمون من مواقف الغرب من العالم الإسلامي، الذي يتجلى في الاستعمال المفرط والغاشم أحياناً للقوة العسكرية، وفي استراتيجيات الضغط السياسي والاقتصادي على الأنظمة الحاكمة، ومحاربة حركات الإسلام السياسي.

    يحاول البحث أن يستكشف بصورة أولية عن إمكانية اشتقاق مقاربات ليبرالية من خلال قراءة المفاهيم والمبادئ التأسيسية للإسلام، وهل بالإمكان العثور في النصوص المؤسسة للدين على بعض قيم الليبرالية ما يمكننا من عقد مقاربات بينها والإسلام؟ ويناقش إلى أي مدى توجد علاقة بين الليبرالية الإسلامية والليبرالية السياسية، وعن القدرة في بلورة تيار ليبرالي إسلامي، وهل هناك تراث وتجربة عند الشعوب الإسلامية يمكن الاستعانة بها؟وأخيراً إثارة أسئلة عن إمكانية وقدرة صمود تيار الإسلام الليبرالي على حفظ التوازن الدقيق بين الليبرالية والدين، وهل بالإمكان وضع أطر فكرية متينة لصياغة نظرية إسلامية ليبرالية من خلال ما يطرحه تيار الوسط أو الاعتدال أو التجديد الإسلامي ذات محمولات وتعبيرات تعبر عن نوع من التفاعل الليبرالي مع الإسلام، في عدد من الدول الإسلامية، وهل تمثل أفكار وقراءات العديد من المفكرين الإسلاميين المحدثين كمحمد سليم العوا، وأحمد كمال أبو المجد وطارق البشري في مصر، والدكتور محمد شحرور في سوريا، والعلامة محمد حسن الأمين والعلامة هاني فحص في لبنان، والشيخ محسن كديور والدكتور عبد الكريم سروش، ومصطفى ملكيان في إيران، وتيار تنسيق الإسلام الليبرالي في اندونيسيا، والجماعات التحديثية في ماليزيا، والإسلاميون التقدميون في تونس(جماعة الأستاذ صلاح الدين الجورشي)، وأحمد العتماني رئيس حزب العدالة والتنمية في المغرب، وغيرها من التوجهات الإسلامية والإصلاحية في العالم الإسلامي من بلورة الليبرالية الإسلامية بشكل أو بآخر؟ أو كما حاول الرئيس الإيراني السابق الإصلاحي السيد خاتمي بلورة وصياغة نظرية إسلامية ليبرالية بالممارسة الفعلية.
  • »فبالله عليك يا اسنتاذ ابو رمان ... "سيبنا" من هذه المفردات التي لا يفهمها الشعب (د. عبدالله عقروق \بيروت اليوم وعمان غدا)

    الثلاثاء 5 آب / أغسطس 2008.
    لنضع جانبا هذه الكلمات والمفردات والاصطلاحات، وخاصة كلمة ليبرالي ..لهذه الكلمة ثوابت ومعاني غير متوفرة لدينا.
    اين يكمن الخطأ أن نقول ارادة الشعب.مطالب الشعب..مستقبل الشعب..رفاهية الشعب..هذه اصطلاحات يفهمها الشعب كله بشرائحة....
    المتعددة
  • »الليبرالية المجتزأة (ابراهيم سيف)

    الثلاثاء 5 آب / أغسطس 2008.
    أهنئ زميلنا الكاتب محمد على هذا المقال ، وصحيح أن فهم الليبرالية يقدم على نحو مجتزأ، والسبب أن الحكومات المتعاقبة، لم تخبرنا يوما ما هو البرنامج المتكامل الذي يجب تطبيقه، وعمليا، تطبق جزئيات وتؤجل أخرى، فلا نحن طبقناالليبرالية (الاقتصادية) لنحكم على نتائجها، ولا نحن تمسكنا بالنظام القديم، لنحكم عليه، ثم علينا السؤال، من هي المجموعة القادرة على تطبيق البرنامج الجديد، هل هي ذات الفئات التي كانت قائمة على تنفيذ سياسات ثبت عدم جدواها، وللحديث بقية